استيقظت مدينة أرقو في الولاية الشمالية على فاجعة أليمة بعد غرق أربعة من أبنائها الشباب، في حادثة حوّلت فرحة عيد الأضحى إلى حالة من الحزن والحداد. وبينما تتوجه القلوب بالدعاء للضحايا والسلوان لأسرهم، يفرض هذا الحادث المؤلم سؤالاً قديماً يتجدد مع كل مأساة مشابهة: إلى متى تستمر حوادث الغرق في نهر النيل دون إجراءات جادة للحد منها؟
للأسف، لم تعد مثل هذه الحوادث استثناءً. فعلى امتداد النيل وروافده في السودان، تتكرر مآسي الغرق عاماً بعد عام، بينما يغيب التنظيم والرقابة والتوعية اللازمة لحماية الأرواح. ورغم أن النهر يمثل مصدر حياة وارتباطاً وجدانياً للمجتمعات المحلية، فإنه يخفي في أعماقه مخاطر كبيرة لا يدركها كثيرون، خاصة الشباب والأطفال.
أتذكر حادثة مشابهة شهدتها مدينة أرقو قبل سنوات، عندما غرق شاب قدم من الخرطوم في زيارة للمدينة. اختار مكاناً للسباحة دون أن يعلم أنه من أعمق مناطق النهر، ويستخدم مرسىً للمعدية التي تنقل المواطنين إلى الضفة الأخرى والجزيرة المقابلة. يومها تابعنا جميعاً جهود أحد أبناء المنطقة المعروفين بخبرتهم الطويلة في السباحة والغوص، وهو يفتش في الأعماق حتى ظهر حاملاً الجثمان على كتفه. كان مشهداً مؤلماً لا تزال تفاصيله عالقة في الذاكرة رغم مرور السنين.
وفي ظل ما تمر به البلاد من حروب وأزمات وكوارث، لا يحتاج الناس إلى مزيد من الفواجع التي تحصد أبناءهم في مقتبل العمر. وإذا كانت ظروف الدولة الحالية تحد من قدرتها على القيام بواجباتها كاملة، فإن المسؤولية المجتمعية تصبح أكثر إلحاحاً. فبإمكان الأهالي واللجان المحلية اتخاذ خطوات عملية للحد من هذه الحوادث، مثل وضع لافتات تحذيرية في المناطق الخطرة، وتحديد مواقع آمنة للسباحة، وتنظيم حملات توعية مستمرة، فضلاً عن وجود متطوعين لمراقبة الشواطئ والتأكد من التزام الصغار والكبار بإرشادات السلامة.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في تقليل مخاطر الغرق. ففي هولندا، على سبيل المثال، يعد تعلم السباحة للأطفال جزءاً أساسياً من النظام التعليمي، بسبب كثرة الأنهار والقنوات المائية في تلك البلاد. وربما يكون من الممكن تطبيق مبادرات مشابهة في المناطق المتاخمة للنيل وروافده عبر الجهد الشعبي والمبادرات المجتمعية، إلى حين استقرار الأوضاع وقيام مؤسسات الدولة بدورها في سن القوانين وتنفيذها.
كما أن وسائل الإعلام، بمختلف أشكالها، مطالبة بأداء دور أكبر في نشر الوعي بمخاطر السباحة العشوائية. فالتلفزيون والإذاعات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تقدم رسائل توعوية مؤثرة، وأفلاماً قصيرة وبرامج تثقيفية تستهدف الشباب والأطفال. بل إن إدراج مفاهيم السلامة المائية ضمن المناهج الدراسية قد يكون خطوة مهمة لحماية الأجيال القادمة.
رحم الله شهداء حادث الغرق في أرقو، وألهم أسرهم وذويهم الصبر والسلوان. ويبقى الأمل أن تتحول هذه الفاجعة إلى جرس إنذار يدفع الجميع، دولةً ومجتمعاً، إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.
أحمد الملك
ortoot@gmail.com
