حينما تجتمع المواهب في شخص “عاصم علي العبيد”

نادراً ما تجتمع في شخص طاقات متعددة ومواهب شتى، فيغدو بمثابة لوحة نابضة بالألوان، كل لون فيها يحكي جانباً من عبقريته، ويُظهر بعداً من أبعاده الإنسانية والفكرية. ومن بين هذه النماذج اللامعة يطل علينا أحد شباب بلادي الحبيبة، الشاعر عاصم علي العبيد، الذي استطاع أن يرسم لنفسه ملامح خاصة بين أقرانه وزملائه، جامعاً بين سحر الكلمة ورهافة الحس من جهة، وبين ذكاء العقل ودقة التفكير من جهة أخرى.

عرف الوسط الأدبي والفني الشاب عاصم من خلال قصيدته الرقيقة “ريحة وطعم”، التي قدمها بإحساس صادق وتجربة صافية، لتبلغ مسامع الفنان الكبير طه سليمان فيتغنى بها، فتنتشر الأغنية كأريج يعبّر عن صفاء البيئة السودانية وبساطة إنسانها. لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل حملت في طياتها حنين الأمكنة، ورائحة الدعاش، وصوت الأمهات في الأمسيات، فلامست الوجدان وأثبتت أن الشعر حين يخرج من القلب يصل مباشرة إلى القلب.

غير أن المدهش في شخصية عاصم أن موهبته لم تقف عند حدود الشعر والفن، بل إمتدت إلى ميدان آخر يتطلب صفاء الذهن وقوة التركيز وذكاء التخطيط، وهو لعبة الشطرنج. هذه اللعبة التي لا يبرع فيها إلا من امتلك صبراً استراتيجياً ورؤية بعيدة المدى، وجدت مكانها في حياته، فشارك في التصفيات المؤهلة لـ مسابقة الفجيرة للشطرنج بدولة الامارات العربية المتحدة، والتي جمعت أكثر من ألف وخمسمئة منافساً، لكنه تمكن بعزيمته وذكائه من العبور والتأهل ضمن نخبة المتنافسين، رافعاً اسم بلاده في محفل دولي يجمع العقول والأذكياء.

قد يبدو الجمع بين الشعر والشطرنج أمراً بعيد المنال؛ فالأول يقوم على الانفعال والإحساس، بينما الثاني يرتكز على الحساب والتخطيط. غير أن عاصم علي العبيد استطاع أن يكون المثال الحي على التوازن بين العاطفة والعقل، بين إشراقة الخيال وانضباط الفكر. فهو حين يكتب قصيدته يرسم بالكلمات لوحات تنبض بالحياة، وحين يجلس أمام رقعة الشطرنج يتحول إلى استراتيجي يحسب خطواته بدقة، وكأنما يستعير من الشعر إلهام الرؤية، ومن الشطرنج حكمة الصبر.

إن قصة عاصم ليست مجرد خبر عن شاب كتب قصيدة أو تأهل في مسابقة، بل هي رسالة أمل ملهمة لكل الشباب السوداني، مفادها أن الإبداع لا يعرف حدوداً، وأن الإنسان يستطيع أن يكون أكثر من مجرد “موهبة واحدة”، بل يمكنه أن يفتح لنفسه نوافذ متعددة، يطل منها على الشعر والفن والرياضة والفكر في آن واحد.

حينما تجتمع المواهب في شخص واحد، فإننا أمام شخصية قادرة على المساهمة الحقيقية في بناء مجتمع متوازن، يجمع بين الإبداع والابتكار، بين الفن والفكر، بين الوجدان والعقل. والشاعر عاصم هو أحد هذه النماذج التي تستحق أن نسلط عليها الضوء، وأن نحتفي بها، لأنها تحمل في ملامحها صورة السودان الجميل، المشرق، المتعدد، والمليء بالقدرات الكامنة التي تنتظر فقط من يكتشفها ويمنحها الفرصة لتسطع.

ريحة وطعم

كلمات عاصم علي العبيد

ألحان ناصر عبد العزيز

أداء طه سليمان

وكتبت ليك مادون احساسي القلم ……..وهمست ليك مالون انفاسي الوهم

بس يامناي بتنسمك بتنفسك ريحة وطعم …. اديني جمبك بس مكان تلقي قربك كل شي

وديني لأبعد جنان انا بيكي مغرم ومنتشي ……..ارتاح وادفق حنان من قربك يغلبني المشي

سوقيني لدنياك امل يحيي الدواخل وينعشا ……يهديني احساس مختلف يملا المساحات يدهشا تبقي المباهج ياهواي ياضاويه …….. كل ما الليل غشا

samir.alawad@gmail.com
د. سامر عوض حسين

عن سامر عوض حسين

سامر عوض حسين

شاهد أيضاً

التهيئة النفسية للسلام

السلام ليس مجرد اتفاق سياسي أو هدنة مؤقتة تُوقّع بين أطراف متنازعة، بل هو حالة …