من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حين انطفأت الأخلاق… أُطفئت المصابيح: هل تنهض الأمم بلا ضمير؟
منبر بنيان ،، مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
مقالنا بالامس كان عن من سرق الفقراء، ، وتناول جدليه في منظومة المجتمع بشكل متكامل ،، وجاء في آخر المقال ان هنالك بعض الاقتصاديين في صوت شبه خافت يتناولون في كتبهم موضوع،، الاقتصاد الأخلاقي
وهذا المقال يبلور فلسفة هذا التوجه لذلك كان عنوان المقال، ، حين انطفات الأخلاق اطفئت المصابيح وضاعت مصالح العامه وتمركزت الثروه في القله وتشير فلسفة هذه الكتب الي انه
في كل دورة من دورات التاريخ، حين تنكسر الأمم أو تتراجع حضارتها، كان السبب أعمق من العجز الاقتصادي أو الفشل العسكري. كان السبب في الغالب غياب الضمير، لا غياب الموارد. فالأمم لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بمن يحترمها. ولا تزدهر بالموازنات وحدها، بل بالقيم التي توجه إنفاقها.
الأخلاق ليست زينة اجتماعية أو مادة تربوية تدرس في المدارس، بل هي النظام الخفي الذي يحكم حركة الاقتصاد والسياسة والمجتمع. حين تتراجع الأخلاق، يتحول الذكاء إلى أداة فساد، وتتحول السلطة إلى وسيلة للنهب، ويتحول العلم إلى تجارة. عندها تنطفئ المصابيح مهما كانت الكهرباء متوفرة، لأن النور الذي يُطفأ أولاً هو نور الضمير.
في السودان وسائر الدول النامية، يمكن أن نرصد هذه الحقيقة يومياً في سلوك السوق، في مؤسسات الدولة، وحتى في علاقات الناس. الأسعار ترتفع بلا مبرر، الوظائف تُمنح بالمحاباة، القرارات تتخذ دون شفافية، والمصلحة العامة تُختزل في مصلحة الفرد. هذه ليست أزمة إدارة فقط، بل أزمة قيم. فالاقتصاد الذي يُبنى على الغش لا يمكن أن يستمر، مهما ضخ فيه المال، لأنه ينهار من الداخل.
وحين نقرأ تجارب الأمم التي نهضت بعد الانكسار — مثل اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية — نجد أن البداية لم تكن من البنك المركزي، بل من المدرسة. من تعليم الطفل معنى الأمانة والانضباط. لأن الاقتصاد بلا أخلاق يشبه جسداً ضخماً بلا قلب: يتحرك لكن بلا حياة.
الضمير الاقتصادي هو ما يجعل العامل ينجز بإخلاص حتى لو غاب المدير، ويجعل التاجر يربح بشرف حتى لو غابت الرقابة. هو ما يجعل المسؤول يوقع القرار وهو يعلم أنه يُحاسب أمام الله قبل القانون. هذه البذرة الأخلاقية هي التي تصنع التنمية الحقيقية. فالثروة لا تُقاس بالناتج المحلي فقط، بل بثقة الناس في بعضهم البعض.
ومن هنا نفهم أن الإصلاح الاقتصادي لا يبدأ من الموازنة، بل من الإنسان. من ثقافة تؤمن بأن النزاهة رأس المال الأول. فالفساد ليس مجرد تجاوز للقانون، بل إعلان موت للضمير العام. وحين يموت الضمير، تتعفن المؤسسات مهما غُلفت بالشعارات.
لقد كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن “الحرية بلا فضيلة تؤول إلى فوضى”، وكتب ابن خلدون أن “الظلم مؤذن بخراب العمران”. كلاهما توصّل إلى ذات الحقيقة من طريقين مختلفين: الأخلاق هي الشرط الأول لبقاء الدولة. والاقتصاد بلا أخلاق لا يبني أمة، بل يبني أبراجاً من الرمال.
اليوم، ونحن نرى الأزمات تتوالى في العالم العربي، نكتشف أن الخلل ليس في نقص الموارد بل في غياب المسؤولية الأخلاقية. فكم من دولة غنية بالنفط فقيرة في العدالة، وكم من مؤسسة تمتلئ بالكفاءات لكنها تفتقر للنزاهة.
في المقابل، حين تُنير الأخلاق الطريق، يمكن حتى لأفقر الشعوب أن تصنع معجزتها. اليابان بلا نفط ولا ذهب، لكنها امتلكت ذهب الانضباط. ورواندا بعد الإبادة الجماعية أصبحت نموذجاً في الإدارة لأن شعبها قرر أن يبدأ من “المصالحة الأخلاقية”.
إن من واجبنا، نحن الاقتصاديين والمفكرين، أن نعيد ربط الأخلاق بالسياسات العامة. فالموازنات التي تُكتب في غياب الضمير تتحول إلى أرقام بلا روح. والنهضة التي تُبنى دون قيم تتحول إلى فقاعة. نحن بحاجة إلى ضمير اقتصادي يضع العدالة قبل الربح، والإنسان قبل السوق، والشفافية قبل المكاسب السريعة.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الأخلاق ليست ترفاً في زمن الأزمات، بل هي البوصلة الوحيدة في زمن العتمة. فحين انطفأت الأخلاق في مجتمعاتنا، انطفأت المصابيح في طرقنا وفي قلوبنا معاً. ولن يعود النور إلا إذا عدنا نحن إلى قيمنا الأولى: الصدق، الأمانة، الإخلاص، والإحساس بالآخر.
إن الأمم لا تنهض بالقوة بل بالضمير، ولا تتقدم بالذكاء بل بالعدل. وحين يكون الضمير يقظاً، يصبح الاقتصاد أكثر عدلاً، والسياسة أكثر إنسانية، والمجتمع أكثر استقراراً. أما حين ينام الضمير… فكل المصابيح لا تكفي لإنارة طريق أمة تمشي في الظلام.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم