من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حين تأخذ الأرض زخرفها
قراءة في الغفلة البشرية
بين نور الوحي وتجارب التاريخ
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
مقدمة
من بين الآيات التي تكشف طبيعة الإنسان بعمق مذهل، تأتي آية سورة يونس التي تصف الحياة الدنيا وصفًا يجمع البلاغة، والفلسفة الوجودية، والتحليل النفسي، وتاريخ الحضارات. آية واحدة ترسم دورة الحياة من المطر إلى الخضرة إلى الزينة إلى الغرور… ثم إلى السقوط. إنها ليست صورة للزراعة فقط، بل صورة للإنسان حين يظن أنه قادر وأن الحياة تحت سيطرته وأنه تجاوز حدود العجز البشري.
هذه الآية تكشف حقيقة مدهشة: أن لحظة اكتمال الزينة هي لحظة بداية النهاية. وأن أكثر أوقات الإنسان ضعفًا هي اللحظة التي يتخيل فيها أنه أقوى ما يكون. وأن الغفلة لا تبدأ حين يفقد، بل حين يملك.
قال تعالى
إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون
سورة يونس، الآية 24
أولًا: إشارات المفسرين… حين يكتمل الزخرف يبدأ الانهيار
يرى الطبري أن الآية ضربت مثلًا للدنيا في تزينها للناس وإقبالهم عليها، فإذا امتلأت يد الإنسان منها اغتر وظن أنه قادر على دوامها. ويضيف أن كلمة حصيدًا تعني أنها صارت يابسة لا نفع فيها، كأنها حُصدت مرة واحدة بلا مقدمات.
أما ابن كثير فيقول إن الآية تصور أعظم لحظة غرور بشري، حين يظن أهل الأرض أن النعمة دامت، وأن العمر امتد، وأن القوة ملك دائم. وهنا يتدخل القدر، لا فجأة فقط، بل بطريقة تُشعر الإنسان بصغره مهما كان سلطانه.
ويرى القرطبي أن الزخرف والازينان هما مرحلة الخداع البصري التي يقع فيها القلب. فالإنسان لا يغتر حين تبدأ النعمة، بل حين تبلغ نهايتها. وهو ما عبّر عنه بقوله إن الإنسان إذا رأى زخرف الدنيا ظن أن له عليها سلطانًا، وأنها لن تزول.
أما الشعراوي فيقدّم قراءة مدهشة حين يقول
الإنسان يحب أن يكون سيدًا على الأشياء، فإذا رأى الأرض وقد اخضرت وزهت قال هذه لي قادر عليها، وغاب عنه أن الماء ليس من صنعه وأن النبات ليس بقدرته وأن دوام الحال ليس بيده. وجاءت كلمة وظن أهلها لتفضح وهم السيطرة.
ثانيًا: الغفلة… المرض الذي يسكن عند وفرة النعم لا عند نقصانها
الغفلة في القرآن ليست نسيانًا وقتيًا، بل حالة روحية عميقة تحدث حين يألف الإنسان النعمة حتى يظنها من صنعه. وهذه الآية تكشف ثلاثة مصادر للغفلة:
غفلة الثروة حين يظن الإنسان أن المال يحميه
غفلة السلطة حين يظن أنه فوق القانون
غفلة القوة حين يظن أنه استغنى
ولذلك ارتبطت الغفلة عند المفسرين بأمرين خطيرين
الغطاء الذي يلف البصيرة فيمنعها من رؤية هشاشة الوجود
الاستبداد الذي ينمو في النفس عندما تشبع وتطمئن وتزهو
فالإنسان لا يستبد حين يكون فقيرًا، بل حين تصبح الأرض مزدانة بين يديه.
ثالثًا: أمثلة من التاريخ… حين ظن أهلها أنهم قادرون عليها
هذه الآية تجسدت في صفحات التاريخ مرارًا. وفي كل مرة كانت الحياة تكرر نفس الدرس للإنسان.
فرعون
قال أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي
فأصبح ملكه حصيدًا حين جاءه الأمر في لحظة غفلة عند الفجر.
قوم سبأ
زخرفت أرضهم، وبساتينهم، وأنهارهم، فاغتروا
فأتاهم أمر الله وبدل جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط.
قارون
ظن أن خزائنه قدرته الذاتية
فخسف الله به وبداره في لحظة زينة.
الاتحاد السوفيتي
حين بلغت القوة ذروتها، والجيش تعدى الأربع ملايين جندي
انهار بلا طلقة واحدة كأن لم تغن بالأمس.
الأزمة المالية العالمية 2008
كانت الأسواق مزدهرة حتى ظن أهل المال أنهم قادرون عليها
ثم انهار كل شيء في أيام معدودة.
كل هذه التجارب هي ترجمة تامة للآية القرآنية كأنها صورة معلقة على جدار الزمن.
رابعًا: الإنسان بين الصلف والاستبداد… لماذا يتكرر الوهم؟
من منظور علم النفس الاجتماعي، الإنسان يقع في أربعة أوهام خطيرة عندما تتزين الأرض بين يديه:
وهم السيطرة
يظن أنه يتحكم في المستقبل.
وهم الاستحقاق
يعتقد أن النعمة جاءت لأنه يستحقها وحده.
وهم الديمومة
يتخيل أن الوضع الحالي سيستمر كما هو.
وهم الاستثناء.
يقول لنفسه ما حدث للآخرين لن يحدث لي.
هذه الأوهام الأربعة هي التي تصنع المستبد، وتغذي الطغيان، وتحوّل الإنسان العادي إلى متجبر، وصاحب المال إلى متغافل، وصاحب السلطة إلى متصلب.
والآية تكشف أن العلاج واحد
أن يدرك الإنسان أنه عبد لا رب
وأن ما بين يديه عابر لا دائم
وأن كل زينة تختبر القلب قبل أن تختبر الجيب.
خامسًا: رأي استشاري : كيف نقاوم الغفلة في المجتمع والدولة؟
من وجهة نظر استشارية تعتمد على علم الاجتماع والإدارة، يمكن مقاومة الغفلة عبر ثلاث آليات:
بناء وعي مستمر بأن كل نعمة قابلة للزوال
في الإدارة الحديثة يسمونه التخطيط للسيناريو الأسوأ.
تحصين السلطة بالشفافية والمحاسبة
لأن الغفلة تنمو في الظلام وتختنق في النور.
ربط القرار بالقيم لا بالمصالح
فالاستبداد يبدأ حين تنفصل السلطة عن الأخلاق.
كما ينصح علماء الإدارة بأن
المجتمعات الأكثر تواضعًا هي الأكثر قدرة على البقاء
والدول التي تعترف بحدودها وتهتم بالعلم والعمل لا بالزخرف
هي الأبعد عن السقوط.
خاتمة
الآية ليست وصفًا لمشهد زراعي، بل هي مرآة كبرى للحياة كلها. إنها تقول إن الزينة ليست قوة، وإن الازدهار ليس ضمانًا، وإن الإنسان حين يظن أنه قادر يقع في أخطر نقطة في وجوده. وما دام الإنسان يتكرر خطؤه في كل زمان، تبقى الآية هادية لمن أراد أن يفهم لعبة الدنيا كما هي لا كما يتخيلها.
إن من يتأمل هذا المثل الرباني يدرك أن الغفلة ليست قدرًا، بل اختيار. وأن الاستبداد ليس قوة، بل بداية انهيار. وأن الإنسان لا يُختبر في لحظة ضعفه، بل في لحظة قوته. وحين يدرك ذلك ينجو من الصلف، ويقيم حياته على يقين التواضع.
هكذا يفصل الله الآيات لقوم يتفكرون
ولولا التفكر لكان للإنسان عمر واحد لكنه يولد في خطئه ألف مرة.
المراجع
تفسير الطبري
تفسير ابن كثير
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
مفاتيح الغيب للرازي
خواطر الشيخ الشعراوي
Ibn Khaldun, Muqaddimah
Will Durant, Lessons of History
Nassim Taleb, The Black Swan
كتب علم النفس الاجتماعي والسلوك الإنساني
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم