منبر نور: مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
حين تتكلم الأرقام بلسانين
من داريل هوف إلى ألبرتو كايرو: كيف نقرأ الإحصاء قبل أن نصدّق نتائجه؟
هناك كذبة نعرفها حين نسمعها، وأخرى نحتاج إلى وقت لاكتشافها. الأولى قد تتعثر في تناقض واضح، أما الثانية فقد ترتدي بدلة أنيقة، وتجلس أمامنا في مؤتمر صحفي، وتعرض شريحة ملونة، ثم تقول لنا: ارتفع الإنتاج بنسبة خمسين في المائة، أو انخفضت البطالة إلى النصف، أو تضاعفت كفاءة الإنفاق.
ننظر إلى الرقم فنطمئن؛ فالرقم في وعينا أكثر صرامة من الكلام، وأقل قابلية للمجاملة. لكن هل الرقم صادق بالضرورة؟ وهل تكفي دقته الحسابية كي تكون دلالته صحيحة؟ وهل يمكن أن تكون العملية الحسابية سليمة، بينما تكون النتيجة التي يريد صاحبها إقناعنا بها مضللة؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى واحد من أكثر العلوم التصاقاً بالحياة العامة: علم الإحصاء. فهو ليس مجرد حساب للمتوسطات والنسب، بل أداة لفهم المجتمع، وقياس الظواهر، وتقييم السياسات، وتوجيه الموارد. وفي الوقت نفسه يمكن أن يصبح وسيلة لتجميل الإخفاق، أو تضخيم النجاح، أو إخفاء الحقيقة خلف ستار من الأرقام.
نستعين في هذه الرحلة بكتابين مختلفين في زمنهما، متكاملين في رسالتهما: كتاب داريل هوف كيف تكذب باستخدام الإحصاء الصادر عام 1954، وكتاب ألبرتو كايرو كيف تكذب الرسوم البيانية الصادر عام 2019. الأول يعلمنا الحذر من الرقم وطريقة تكوينه، والثاني يعلمنا الحذر من الصورة التي يقدم بها الرقم نفسه.
أولاً: داريل هوف… الرقم لا يتحدث من تلقاء نفسه
حين نشر داريل هوف كتابه How to Lie with Statistics عام 1954، لم يكن يقدم كتاباً رياضياً متخصصاً، بل دليلاً مبسطاً للقارئ العادي كي يكتشف كيف يمكن إساءة استخدام الأرقام في الصحافة والإعلان والسياسة والتجارة.
اختار هوف موضوعاً ذكياً: لم يطلب من القارئ أن يصبح إحصائياً، وإنما أن يتعلم كيف يسأل. ومن هنا تأتي قيمة الكتاب؛ فهو يكشف أن التضليل لا يحتاج دائماً إلى اختلاق رقم، بل قد يتحقق باختيار رقم صحيح من مجموعة غير ممثلة، أو عرض متوسط لا يصف الواقع، أو إخفاء معلومات كان ينبغي أن ترافق النتيجة.
ومن أبرز ما يلفت إليه الكتاب مشكلة العينة. فإذا أردنا معرفة مستوى دخل السكان، فلا يكفي أن نسأل مجموعة من أصحاب الشركات الكبرى، ثم نعمم نتائجها على المجتمع كله. وإذا أردنا قياس رضا المواطنين عن خدمة عامة، فلا يصح أن نكتفي بآراء من حضروا اجتماعاً نظمته الجهة التي تقدم الخدمة.
العينة ليست مجرد عدد من الأشخاص؛ إنها طريقة اختيارهم، ومدى تمثيلهم للمجتمع الذي نريد فهمه.
وقد تكون عينة من ألف شخص أفضل من عينة تضم عشرة آلاف، إذا كانت الأولى مختارة بطريقة علمية، بينما جاءت الثانية من مجموعة منحازة أو محدودة. فالعدد الكبير لا يعالج وحده عيب الاختيار.
وهنا درس بالغ الأهمية: ليست قيمة الإحصاء في كثرة من شملهم المسح، بل في سلامة الطريقة التي وصلنا بها إليهم.
ثانياً: المتوسط الذي يخفي وراءه حكاية أخرى
من أكثر الأدوات الإحصائية استخداماً، وأكثرها تعرضاً لسوء الفهم، مفهوم المتوسط.
لنفترض أن خمسة أشخاص يتقاضون شهرياً: ألفاً، وألفاً، وألفاً، وألفاً، وستة عشر ألفاً من الوحدات النقدية. يصبح المتوسط الحسابي أربعة آلاف، لكن هل يعني ذلك أن مستوى الدخل المعتاد في هذه المجموعة هو أربعة آلاف؟
بالطبع لا. أربعة أشخاص من أصل خمسة يتقاضون ألفاً فقط، بينما رفع الدخل الاستثنائي للشخص الخامس المتوسط إلى أربعة آلاف.
في هذه الحالة يكون الوسيط، أي القيمة التي تقع في منتصف ترتيب الدخول، ألفاً واحداً، وهو أقرب إلى وصف حال الأغلبية.
لا يعني ذلك أن المتوسط الحسابي غير مفيد؛ فهو مهم في حسابات كثيرة، وفي تحليل المجاميع والتكاليف والإنتاج. لكن اختيار المتوسط المناسب يتوقف على السؤال الذي نريد الإجابة عنه.
حين نقرأ تقريراً يقول إن متوسط الدخل ارتفع، علينا أن نسأل: هل ارتفع دخل غالبية الناس؟ أم أن دخول فئة صغيرة جداً هي التي رفعت المتوسط؟
وحين نسمع أن متوسط تكلفة المشروع انخفض، ينبغي أن نعرف هل انخفضت تكلفة معظم المشروعات، أم أن عدداً قليلاً من المشروعات الضخمة غيّر الصورة العامة؟
الرقم هنا ليس كاذباً، لكنه قد لا يروي الحكاية التي نتصورها.
ثالثاً: النسبة المئوية تحتاج إلى أصل
تستطيع النسب المئوية أن تصنع انطباعاً كبيراً، حتى عندما يكون التغير الفعلي محدوداً.
لنتخيل أن مؤسسة كانت تنفذ عشرة مشروعات، ثم أصبحت تنفذ خمسة عشر. يمكنها أن تعلن أن عدد مشروعاتها ارتفع بنسبة خمسين في المائة. وهذه عبارة صحيحة حسابياً.
لكن لو كانت مؤسسة أخرى تنفذ ألف مشروع، ثم ارتفع عدد مشروعاتها إلى ألف وخمسين، فإن الزيادة لا تتجاوز خمسة في المائة، رغم أن عدد المشروعات الإضافية لديها أكبر بكثير.
إذن النسبة وحدها لا تكفي. نحتاج إلى معرفة الرقم الأصلي، والرقم الجديد، والفترة الزمنية، وطبيعة الظاهرة المقاسة.
ويظهر الأمر بوضوح أكبر عند الحديث عن الأسعار والتضخم والبطالة والوفيات ومعدلات الفقر. فالقول إن ظاهرة ما ارتفعت بنسبة مائة في المائة يبدو مخيفاً، لكن إذا كان عدد الحالات قد ارتفع من حالة واحدة إلى حالتين، فإن تفسيره يختلف تماماً عن ارتفاعه من عشرة آلاف إلى عشرين ألفاً.
ومن هنا ينبغي أن نتعلم التمييز بين الزيادة النسبية والزيادة المطلقة، وأن نطلب المقام الذي حُسبت عليه النسبة، لا أن نكتفي بالبسط وحده.
رابعاً: الرقم الذي لا نراه قد يكون أهم من الرقم المعروض
يضعنا هوف أمام مشكلة أخرى: المعلومات الغائبة.
قد تعلن جهة أن نسبة النجاح في برنامج تدريبي بلغت تسعين في المائة. لكن أين بقية الصورة؟ كم شخصاً تقدم للبرنامج؟ وكم شخصاً قُبل؟ وكم شخصاً انسحب قبل الاختبار؟ وهل جرى قياس النجاح باختبار حقيقي أم بمجرد شهادة حضور؟
وقد تعلن مؤسسة أن تكلفة تقديم الخدمة انخفضت، لكنها لا تذكر أن عدد المستفيدين انخفض أيضاً، أو أن مستوى الخدمة تراجع، أو أن جزءاً من التكلفة انتقل إلى جهة أخرى.
في هذه الحالات لا تكون المشكلة في الرقم المعلن وحده، بل في السياق الذي حُذف منه.
والأرقام التي لا نراها قد تكون أحياناً أهم من الأرقام التي تُعرض علينا.
وهذا يذكرنا بقاعدة اقتصادية أساسية: لا يمكن تقييم الأداء بالنظر إلى جانب واحد من العملية. فالإنفاق الأقل ليس نجاحاً إذا أدى إلى خدمة أسوأ، والإنتاج الأعلى ليس إنجازاً كاملاً إذا كان مصحوباً بارتفاع كبير في التكلفة أو استنزاف الموارد الطبيعية.
خامساً: ألبرتو كايرو… حين تصبح الصورة حجة
بعد نحو ستة عقود ونصف من كتاب هوف، جاء ألبرتو كايرو في كتابه How Charts Lie: Getting Smarter about Visual Information عام 2019، ليضع أمام القارئ تحدياً جديداً.
لم تعد الأرقام تصل إلينا في جداول وتقارير فقط، بل أصبحت محاطة برسوم بيانية وخرائط وأشكال بصرية تنتشر بسرعة عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
وقد تكون البيانات صحيحة، لكن طريقة رسمها تجعلنا نرى علاقة أكبر مما تحتمله، أو تغيراً أشد مما حدث فعلاً.
لنتصور رسماً بيانياً يقارن بين مؤشرين، ويبدأ المحور الرأسي فيه من قيمة قريبة من الرقم الأعلى، لا من الصفر. عندئذ قد يبدو الفرق بين القيمتين هائلاً، رغم أن الفارق الفعلي محدود.
وفي رسم آخر قد تُستخدم صورة مبنى أو حاوية أو محصول، ثم تُضخّم الصورة في الطول والعرض معاً لتمثيل زيادة في الكمية. وهكذا يتضاعف الانطباع البصري بطريقة لا تتناسب مع التغير الحقيقي.
وقد تُعرض خريطة لمناطق مختلفة بألوان قوية، دون توضيح أن الفئات اللونية لا تمثل فروقاً متساوية، أو أن عدد السكان يختلف اختلافاً كبيراً بين المناطق.
وهنا تكمن رسالة كايرو: الرسم البياني ليس زينة توضع بجوار المعلومة، بل هو جزء من طريقة تقديمها وفهمها. وينبغي أن نقرأه كما نقرأ النص، وأن نسأل عن مصدر بياناته، ومقياسه، وما الذي يظهره وما الذي لا يظهره.
والأهم أن كايرو لا يحصر التضليل في نية سيئة؛ فقد يكون الرسم مضللاً بسبب سوء التصميم أو ضعف الفهم أو اختيار غير مناسب، لا بسبب تعمد الخداع. وهذا تمييز ضروري، لأن إصلاح الأخطاء يبدأ أحياناً بالتعليم، لا باتهام أصحابها.
سادساً: الارتباط ليس دليلاً على السببية
من أكثر الأخطاء انتشاراً أن نرى ظاهرتين تتحركان في الاتجاه نفسه، فنستنتج أن إحداهما سببت الأخرى.
لنفترض أننا وجدنا أن مبيعات المثلجات ترتفع في الفترة نفسها التي ترتفع فيها حالات الغرق. هل يعني ذلك أن المثلجات تسبب الغرق؟ بالطبع لا. قد تكون هناك متغيرات ثالثة، مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الإقبال على الشواطئ، تفسر ارتفاع الظاهرتين معاً.
هذا المثال البسيط يكشف خطراً كبيراً في قراءة التقارير الاقتصادية والاجتماعية.
قد نجد أن الإنفاق الحكومي ارتفع، وأن الناتج المحلي ارتفع معه، لكن ذلك لا يثبت وحده أن زيادة الإنفاق هي سبب ارتفاع الناتج. ربما كان السبب ارتفاع أسعار الصادرات، أو تحسن الإنتاج الزراعي، أو تغيرات خارجية، أو مجموعة عوامل متداخلة.
وقد نجد أن منطقة حصلت على عدد أكبر من المدارس، وأن مستوى التحصيل تحسن فيها. لكن علينا أن ندرس جودة التعليم، وتأهيل المعلمين، والظروف الاجتماعية، وحضور الطلاب، قبل أن ننسب التحسن إلى عدد المدارس وحده.
الارتباط بداية للسؤال، وليس نهاية البحث.
سابعاً: ماذا تقول الأرقام عن الاقتصاد السوداني؟
هنا نخرج من صفحات الكتابين إلى واقعنا.
في بلد يواجه تحديات إعادة البناء، وتراجع الخدمات، واضطراب الإنتاج، وتغيرات الأسعار، تصبح الحاجة إلى الإحصاء الموثوق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فإذا أردنا أن نعرف حجم البطالة، فلا يكفي أن نحصي الأشخاص الذين لا يعملون في يوم معين؛ ينبغي أن نعرف تعريف البطالة المستخدم، والفئة العمرية، ومن يبحث فعلياً عن عمل، ومن توقف عن البحث بسبب اليأس أو ظروف النزوح.
وإذا أردنا قياس التضخم، فعلينا أن نعرف سلة السلع والخدمات التي بُني عليها المؤشر، وأوزانها، ومناطق جمع الأسعار، والفترة التي تقارن بها الأسعار. فمؤشر الأسعار لا يعني أن كل أسرة تواجه الزيادة نفسها؛ إذ تختلف أنماط الاستهلاك بين الأسر والمناطق ومستويات الدخل.
وإذا أعلنت جهة أن الإنتاج الزراعي ارتفع، فعلينا أن نميز بين المساحة المزروعة والمساحة المحصودة، وبين الإنتاج الكلي والإنتاجية للفدان، وبين الكمية المنتجة والكمية التي وصلت بالفعل إلى الأسواق.
قد ترتفع الكمية المنتجة، لكن ترتفع معها فاقد ما بعد الحصاد، أو تكاليف النقل، أو صعوبات التخزين والتسويق. عندئذ لا تعكس زيادة الإنتاج وحدها مقدار التحسن الذي شعر به المزارع أو المستهلك.
أما في مشروعات إعادة الإعمار، فإن الإعلان عن نسبة تنفيذ بلغت سبعين في المائة لا يكفي لتقييم المشروع. هل المقصود سبعون في المائة من الأعمال الهندسية؟ أم من الإنفاق؟ أم من الجدول الزمني؟ وهل اكتملت الأعمال التي تجعل المنشأة قابلة للتشغيل؟ وهل جرى اختبار جودة التنفيذ؟
إن إنفاق سبعين في المائة من الموازنة لا يعني بالضرورة إنجاز سبعين في المائة من المشروع. وقد يكون الإنفاق قد سبق الإنجاز، أو حدث العكس، أو ظهرت تكاليف لم تكن محسوبة.
لهذا نحتاج إلى مؤشرات أداء متعددة، وإلى ربط الإنفاق بالمخرجات والنتائج والأثر.
ثامناً: الإحصاء الجيد ليس خصماً للقرار السياسي أو الاقتصادي
من المهم ألا نقع في الطرف المقابل، فنشكك في كل رقم، ونعتبر كل رسم بياني محاولة للخداع.
هذا ليس ما يدعونا إليه الكتابان. فالإحصاء أداة لا غنى عنها، ولا يمكن إدارة اقتصاد حديث أو تخطيط خدمات عامة أو تقييم مشروع دون بيانات.
المشكلة ليست في الأرقام، بل في ضعف الثقافة الإحصائية، وفي غياب الشفافية، وفي عدم التمييز بين ما نعرفه وما نفترضه.
وتؤكد الجمعية الأمريكية للإحصاء في إرشاداتها للأخلاقيات المهنية أهمية الإفصاح عن مصادر البيانات، وطرق جمعها، والقيود والانحيازات المعروفة، والافتراضات التي تقوم عليها النتائج. كما تشدد على ضرورة عرض النتائج بطريقة أمينة ومفهومة، وتصحيح الأخطاء الجوهرية عند اكتشافها.
وهذا يقودنا إلى تصور مؤسسي مهم: ينبغي أن يكون لكل رقم عام بطاقة تعريف، توضح مصدره، وتاريخ جمعه، وطريقة حسابه، ونطاقه، وحدود استخدامه.
فإذا أعلنت وزارة عن عدد المستفيدين من خدمة، وجب أن توضح كيف عُرّف المستفيد، وهل احتُسب الشخص مرة واحدة أم تكررت استفادته، وهل الرقم فعلي أم تقديري.
وإذا أعلنت مؤسسة عن نسبة تنفيذ مشروع، وجب أن تحدد وحدة القياس التي تعنيها النسبة.
وإذا أعلنت جهة عن تحسن اقتصادي، وجب أن تميز بين القيمة الاسمية والقيمة الحقيقية، وأن تشرح أثر تغير الأسعار وسعر الصرف، حيثما كان ذلك مؤثراً.
إن الشفافية الإحصائية لا تعطل القرار؛ بل تحميه من أن يُبنى على فهم خاطئ.
تاسعاً: أسئلة منبر نور قبل تصديق أي رقم
يمكننا أن نختصر الدروس التي تعلمناها من هوف وكايرو في مجموعة أسئلة عملية، تصلح للمواطن والصحفي والباحث والمسؤول والمستثمر:
- من أين جاء الرقم؟ وهل مصدره معروف ويمكن الرجوع إليه؟
- ماذا يقيس بالضبط؟ وهل يتطابق المؤشر مع المعنى الذي يُراد إقناعنا به؟
- من شملتهم البيانات، ومن استُبعد منها؟
- ما الرقم الأصلي الذي حُسبت منه النسبة؟
- هل استُخدم المتوسط المناسب؟ وهل توجد فروق كبيرة يخفيها المتوسط؟
- ما الفترة الزمنية التي تجري المقارنة بينها؟
- هل الرسم البياني يعرض المقياس بوضوح، أم يضخم الفروق بصرياً؟
- هل العلاقة التي نراها ارتباط إحصائي أم دليل على السببية؟
- ما حدود البيانات ومقدار عدم اليقين فيها؟
- ما المعلومات الغائبة التي قد تغير تفسير النتيجة؟
هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الارتياب الدائم، بل إلى الثقة الواعية. فالإنسان الذي يفهم الرقم لا يخاف منه، ولا يخضع لسلطته لمجرد أنه مكتوب في تقرير رسمي أو معروض في رسم ملون.
عاشراً: الفكرة الثالثة التي يولدها منبر نور
إذا كان هوف قد علمنا كيف نكتشف إساءة استخدام الإحصاء، وكان كايرو قد علمنا كيف نقرأ الرسوم البيانية بعين ناقدة، فإن منبر نور يريد أن يضيف إلى الحوار فكرة تتجاوز القراءة الفردية إلى بناء ثقافة عامة.
نسميها: «اقتصاد السؤال قبل الرقم».
ومعناها أن القيمة الاقتصادية للبيانات لا تبدأ عند جمع الأرقام، بل عند طرح السؤال الصحيح الذي نريد أن تجيب عنه.
فقد تجمع مؤسسة آلاف البيانات، وتنفق موارد كبيرة على نظم المعلومات، ثم تكتشف أنها لا تملك إجابة عن سؤالها الأساسي. وقد تملك إدارة محلية بيانات متفرقة عن السكان والمدارس والآبار والطرق والأسواق، لكنها لا تربطها في صورة واحدة تساعدها على ترتيب الأولويات.
إن البيانات ليست غاية في ذاتها؛ إنها وسيلة لتحسين القرار.
وفي إعادة بناء المؤسسات والخدمات، نحتاج إلى الانتقال من ثقافة الإعلان عن الأرقام إلى ثقافة استخدامها. لا نسأل فقط: كم أنفقنا؟ بل نسأل: ماذا أنجزنا بهذا الإنفاق؟ ومن استفاد؟ وما الذي تغير في حياة الناس؟ وهل كان هناك بديل أقل تكلفة وأكثر أثراً؟
ولا نسأل فقط: كم مدرسة بنينا؟ بل نسأل: كم طفلاً عاد إلى التعليم؟ وما جودة ما يتلقاه؟ وهل أصبحت المدرسة قادرة على الاستمرار؟
ولا نسأل فقط: كم فداناً زرعنا؟ بل نسأل: كم بلغ الإنتاج الفعلي؟ وما نصيب المزارع؟ وكم وصل إلى المستهلك؟ وما مقدار الفاقد؟
هكذا يصبح الرقم بداية للمساءلة والتعلم، لا نهاية لهما.
ويمكن أن تتبنى المؤسسات العامة والخاصة في السودان مبدأ بسيطاً: لا يُنشر مؤشر مهم دون تعريفه ومصدره وفترته وطريقة حسابه، ولا يُتخذ قرار استراتيجي اعتماداً على رقم منفرد إذا كانت الظاهرة متعددة الأبعاد.
كما ينبغي أن تتاح البيانات العامة، بقدر ما تسمح به الخصوصية والأمن، للباحثين والجامعات والصحافة والمجتمع، حتى تتعدد زوايا التحليل وتُكتشف الأخطاء مبكراً.
فالدولة التي تعرف كيف تقيس واقعها تستطيع أن تخطط لمستقبلها، أما الدولة التي تكتفي بترديد أرقام لا تعرف كيف صُنعت، فقد تنجح في إنتاج التقارير أكثر مما تنجح في إنتاج التنمية.
خاتمة: لا تصدق الرقم قبل أن تسأله
لقد تعلمنا من داريل هوف أن الرقم قد يكون صحيحاً في حسابه، مضللاً في اختياره، ومن ألبرتو كايرو أن الرسم قد يعرض البيانات ويقود العين في الوقت نفسه إلى استنتاج غير دقيق.
والدرس الأعمق أن الإحصاء ليس مجرد لغة الخبراء، بل حق من حقوق المجتمع في معرفة واقعه. فالمواطن الذي لا يستطيع فهم مؤشرات الأسعار والبطالة والإنفاق العام يظل بعيداً عن تقييم السياسات التي تؤثر في حياته.
ولا نريد مجتمعاً يشك في كل رقم، وإنما مجتمعاً يحسن قراءة الأرقام. ولا نريد مسؤولاً يخشى نشر البيانات، بل مسؤولاً يثق في أن الشفافية تحمي المؤسسة، وأن الاعتراف بحدود المعرفة أكثر احتراماً من تقديم يقين زائف.
فالرقم لا يكذب وحده، ولا يقول الحقيقة وحده. نحن الذين نختار كيف نجمعه، وكيف نعرضه، وكيف نفسره.
ولعل العبارة التي تستحق أن تبقى معنا بعد إغلاق الكتابين هي:
قبل أن تسأل: ماذا يقول الرقم؟ اسأل أولاً: كيف وُلد هذا الرقم، وماذا لم يقل؟
المراجع
- Darrell Huff, How to Lie with Statistics, W. W. Norton & Company, 1954.
سجل الكتاب لدى مكتبة مؤسسة سميثسونيان: https://www.si.edu/object/how-lie-statistics-darrell-huff-pictures-irving-geis:siris_sil_1173503 - Alberto Cairo, How Charts Lie: Getting Smarter about Visual Information, W. W. Norton & Company, 2019.
صفحة الناشر: https://wwnorton.co.uk/books/9781324001560-how-charts-lie - American Statistical Association, Ethical Guidelines for Statistical Practice.
https://www.amstat.org/your-career/ethical-guidelines-for-statistical-practice
عبد العظيم الريح مدثر
مؤسس منبر نور البحثي
