lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
لم تكن الحرب في السودان مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لمنظومة القيم والأخلاق التي تضبط سلوك المجتمع، خصوصًا في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي. ففي الوقت الذي انشغل فيه الناس بمتابعة أخبار المعارك والضحايا، كانت هناك معركة أخرى أقل ضجيجًا لكنها أشد أثرًا، معركة ضد العقل واللغة وأخلاقيات الاختلاف. هذه الحرب غير المرئية كشفت إلى أي مدى يمكن أن تنهار القيم حين يطول أمد العنف ويغيب الأفق. قبل اندلاع الحرب، ورغم كل ما كان يعتري النقاش العام من فوضى وتوتر، ظلت منصات التواصل مساحة نسبية لتبادل الرأي والجدل السياسي والنقد الاجتماعي. أما اليوم فقد انزلقت في كثير من الأحيان إلى ساحات تعبئة وانفعال، تُطلق فيها الأحكام بلا بينات، ويُقاس فيها الموقف لا بسلامة الحجة بل بدرجة الاصطفاف. أصبح السؤال موضع ريبة، والتحليل محل سخرية، وكأن التفكير نفسه بات تهمة لا يُسمح بها في زمن الحرب. أحد أخطر التحولات التي أفرزها هذا الواقع هو شيطنة العقل النقدي. فمجرد محاولة فحص خبر أو الإشارة إلى تناقض في رواية رسمية كفيلة بأن تجر على صاحبها سيلًا من الاتهامات. عبارات مثل “المهم اتقبضت” أو “ما دايرين فلسفة” لم تعد مجرد ردود عابرة، بل تحولت إلى منطق عام يُراد به إغلاق باب النقاش نهائيًا. وكأن القبض أو الاتهام يغني عن الدليل، وكأن الحرب تسقط حق الناس في الفهم. هذا المناخ لا ينتج وعيًا حقيقيًا، بل يرسخ قبول الروايات الجاهزة دون تمحيص، ويصنع جمهورًا قابلًا للتوجيه، لا مواطنين شركاء في الوعي والمسؤولية. فالدولة التي تخاف من السؤال لا تحمي نفسها، بل تكشف ضعفها، والمجتمع الذي يُجرّم التفكير يهيئ الأرضية لانفجارات أكبر مستقبلًا. ومع تراجع الحجة، صعد خطاب الشخصنة والهوية. حين تعجز اللغة عن الإقناع، يُستدعى الانتماء الجغرافي أو الإثني كسلاح. يتحول النقاش من تفنيد فكرة إلى نفي حق الإنسان في الكلام. يُقال له: أنت من كذا، إذن لا يحق لك الحديث. وهذه واحدة من أخطر نتائج الحرب، إذ أعادت إنتاج الانقسامات القديمة، وألبستها لبوس الوطنية الزائفة. الانتماء، أيًّا كان، لا يلغي العقل ولا يسقط حق السؤال. تحويل الهوية إلى أداة إقصاء لا يخدم وطنًا ولا قضية، بل يعمّق الشروخ ويزرع بذور صراعات قادمة. فالمجتمع الذي يعتاد تصنيف أبنائه بدل محاورتهم، يفقد تدريجيًا قدرته على التعايش. وفي خضم هذا كله، طغى الخطاب التعبوي على حساب الخطاب العقلاني. امتلأت المنصات بعبارات الانتصار الجاهزة، والشعارات التي تُشبع العاطفة ولا تقدم معلومة. هذا النوع من الخطاب قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنه في الحقيقة يعطل التفكير ويشوّه الوعي. العاطفة حين تنفصل عن العقل لا تحمي، بل تضلل. الحرب بطبيعتها بيئة خصبة لانهيار الأخلاق. فهي تبرر القسوة، وتطبع العنف، وتجعل الإقصاء مقبولًا. لكن الخطر الحقيقي يكمن في اعتياد هذا الانحدار، وفي تبريره بوصفه ضرورة. حين تصبح الشتيمة لغة يومية، والتخوين ردًا طبيعيًا، نكون قد خسرنا أكثر مما خسرناه في ساحات القتال. ما خسره السودانيون في هذا الفضاء ليس مجرد نقاش مهذب، بل فكرة أساسية مفادها أن الوطن يتسع للاختلاف، وأن الحقيقة لا تولد من الصراخ، بل من الحوار. لقد تآكلت تقاليد الجدل، وتراجعت قيمة الحجة، وحل محلها منطق الإلغاء. إن استعادة السودان لا تبدأ فقط بإسكات البنادق، بل بإعادة الاعتبار للعقل والأخلاق في آن واحد. لا وطن بلا سؤال، ولا كرامة بلا احترام متبادل، ولا مستقبل لمجتمع يرى في التفكير خطرًا يجب القضاء عليه. حين تستعيد اللغة ، وانقاذ النقاشات من التوحش، نكون قد بدأنا أول خطوة حقيقية نحو الخروج من هذه الحرب، لا عسكريًا فقط، بل إنسانيًا وأخلاقيًا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم