أواب عزام البوشي
awabazzam456@gmail.com
من خلال متابعة خطاب آلاء صلاح في مؤتمر نوراد بأوسلو، ومتابعة آراء عدد من الحضور، يمكن القول إن الخطاب جاء غير متزن وفق معايير مؤتمرات السلام الدولية، لا من حيث النوايا، بل من حيث المقاربة السياسية المطروحة للتعامل مع أزمة سودانية بالغة التعقيد.
الأزمة السودانية ليست أزمة طرف واحد، ولا يمكن اختزالها في سردية أحادية. فهي أزمة ذات جذور تاريخية ممتدة، وتشابكات داخلية معقدة تتعلق ببناء الدولة، وإدارة التنوع، والصراع على السلطة والموارد.
وفي مثل هذا السياق، يُفترض أن ينطلق أي خطاب في منبر دولي معني بالسلام من الاعتراف بمسؤوليات مختلف أطراف النزاع عمّا آلت إليه الأوضاع، مع إعطاء الأولوية القصوى لوقف الحرب ووقف نزيف الدم، قبل الانتقال لاحقًا إلى مسارات العدالة والمساءلة.
الخطاب تبنّى موقفًا رافضًا لأي تسوية مع قوات الدعم السريع، وهو موقف يمكن تفهمه أخلاقيًا في ضوء ما شهدته البلاد من عنف واسع، لكنه سياسيًا غير قابل للتطبيق في الواقع الراهن، خاصة عندما يُطرح في منبر دولي يسعى إلى تهيئة بيئة للحوار ووقف القتال. فالتجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن السلام لا يُصنع بالإقصاء، بل بإدارة الصراع والانتقال التدريجي من وقف الحرب إلى الترتيبات السياسية.
في المقابل، لم يتناول الخطاب مسؤوليات الجيش السوداني ودوره في ما جرى، وهو ما أخلّ بتوازن الطرح وأضعف من شموليته. فالمقاربة التي يتعامل بها المجتمع الدولي اليوم مع الأزمة السودانية تقوم على اعتبارها نزاعًا بين طرفين مسلحين، يتحملان معًا مسؤولية الانزلاق إلى الحرب وما ترتب عليها من كلفة إنسانية باهظة على المواطنين.
كما أن توصيف الحرب بوصفها نتاج مؤامرة خارجية فقط، دون الإشارة إلى جذورها الداخلية، يُعد تبسيطًا مخلًا بالأزمة. فهذا الطرح يتجاهل تاريخ الصراعات في السودان، وتعقيدات تكوين الدولة، وأزمات التهميش والهوية، ولا ينسجم مع قراءة أوسع ترى في الحرب الحالية امتدادًا لأزمات بنيوية تراكمت عبر عقود، حتى وإن تداخلت معها أدوار إقليمية ودولية.
إلى جانب ذلك، تجاهل الخطاب تمامًا الدور المحوري الذي لعبته الحركة الإسلامية (الكيزان) في تفجير هذه الحرب واستدامتها، رغم أن هذا الدور بات محل توافق واسع داخل المجتمع الدولي. فالقوى المرتبطة بالنظام السابق، والتي فقدت شرعيتها بعد الثورة، سعت منذ وقت مبكر إلى إعادة إنتاج نفوذها عبر عسكرة الصراع، وتعطيل أي مسار انتقالي مدني. وقد انعكس هذا الفهم في مواقف دولية واضحة تُرجمت إلى عقوبات استهدفت عددًا من قادة هذه الشبكات، باعتبارهم عناصر معرقلة للسلام ومغذية لاستمرار الحرب. القفز على هذا العامل الأساسي يُفقد أي خطاب تحليلي جزءًا مهمًا من صدقيته، لأنه يعزل الحرب عن أحد محركاتها السياسية المعروفة.
العدالة تظل مطلبًا أساسيًا لأي سلام مستدام، لكن طرحها كشرط مسبق وحيد قبل وقف الحرب يطرح إشكالية عملية.
فالأولوية في لحظة الانهيار الإنساني يجب أن تكون لوقف القتال وحماية المدنيين، على أن تُفتح لاحقًا مسارات واضحة للعدالة الانتقالية والمساءلة الشاملة التي لا تستثني أحدًا.
الإشكال هنا لا يتعلق بشخص آلاء صلاح ولا برمزيتها الثورية، بل بالفجوة بين هذه الرمزية وبين طبيعة الخطاب الذي يتطلبه منبر دولي بهذا الوزن. فحين يُقدَّم المتحدث بوصفه أيقونة للثورة وناشطًا في مجالي حقوق الإنسان والديمقراطية، يُنتظر خطاب أكثر توازنًا، وأكثر شمولًا، وأكثر انسجامًا مع الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب وبناء السلام.
باختصار، الخطاب لم يضف كثيرًا لمسار السلام، بقدر ما أعاد إنتاج خطاب الاصطفاف، وهو ما يتعارض مع توجهات المجتمع الدولي الساعية اليوم إلى إنهاء الحرب في السودان. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تصعيد المواقف، بل في بناء خطاب مسؤول يضع حياة السودانيين ووقف نزيف الدم في مقدمة الأولويات.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم