بقلم: لوال كوال لوال
في المشهد السياسي لكلٍ من السودان وجنوب السودان، لا تبدو الأزمة مجرد صراعٍ تقليدي بين سلطةٍ حاكمة ومعارضةٍ تسعى إلى التغيير، بل تتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا وعمقًا، حيث تنشأ داخل المعارضة نفسها معارضةٌ أخرى، تنازعها، وتضعفها، وربما تُفشلها قبل أن تبلغ غاياتها. هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من بنية العمل السياسي، وواحدة من أكبر معوّقات التحول الديمقراطي وبناء الدولة. حين تنظر إلى قوى المعارضة، تتوقع أن تجد حدًا أدنى من الاتفاق حول القضايا الكبرى: شكل الدولة، طبيعة الحكم، أولويات الإصلاح، أو حتى وسائل الوصول إلى السلطة. لكن الواقع يكشف عكس ذلك. تجد تعددًا في الرؤى، وتضاربًا في الأهداف، وتنافسًا حادًا على القيادة والتمثيل، حتى يصبح الخلاف الداخلي أكثر حدة من الصراع مع السلطة نفسها. وفي هذه اللحظة، تتحول المعارضة من أداة تغيير إلى ساحة صراع موازية، تستهلك طاقاتها في معارك جانبية لا تنتهي. ليست المشكلة في الاختلاف، فالاختلاف في ذاته دليل حيوية، وهو أساس أي تجربة ديمقراطية حقيقية. لكن الإشكال يكمن في إدارة هذا الاختلاف. حين يغيب الإطار المؤسسي الذي ينظم الخلاف، يتحول الاختلاف إلى صراع مفتوح، وحين تغيب الثقافة السياسية التي تقبل التعدد، يتحول الخصم إلى عدو. وهنا تبدأ دوامة الانقسامات، حيث تنشأ فصائل جديدة من رحم الفصائل القديمة، وكل فصيل يدّعي أنه الأجدر، والأصدق، والأقرب إلى تمثيل تطلعات الشعب. في كثير من الأحيان، لا تكون هذه الانقسامات ناتجة عن اختلافات أيديولوجية حقيقية، بل عن صراعات شخصية وطموحات فردية. يتقدم السؤال: من يقود؟ على السؤال الأهم: ماذا نريد؟ وتتحول السياسة من مشروعٍ جماعي إلى ساحة تنافس فردي، يُستخدم فيها الخطاب العام كغطاء لمعركة خاصة. وهكذا، يصبح الانقسام نتيجة شبه حتمية، لأن المصالح الضيقة لا يمكن أن تتعايش طويلًا داخل إطارٍ واحد. ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق التاريخي. فقد شهد كلٌ من السودان وجنوب السودان عقودًا من الصراعات، والانقلابات، والحروب، التي أضعفت مؤسسات الدولة، وأعاقت تطور الحياة الحزبية. في مثل هذا السياق، لم تنشأ الأحزاب السياسية على أسس مؤسسية راسخة، بل غالبًا ما تشكلت حول شخصيات كاريزمية أو انتماءات ضيقة، مما جعلها أكثر عرضة للانقسام عند أول اختبار جدي. يُضاف إلى ذلك العامل الاجتماعي، حيث تتداخل الانتماءات القبلية والإثنية مع المواقف السياسية. في كثير من الحالات، لا يكون الانحياز السياسي قائمًا على برنامج أو رؤية، بل على روابط القرابة والانتماء. وهذا لا يعني غياب الوعي، بل يعكس واقعًا اجتماعيًا معقدًا، حيث تُستخدم السياسة أحيانًا كامتداد للصراعات الاجتماعية، وليس كأداة لتجاوزها. وهنا تصبح المعارضة مرآة لانقسامات المجتمع، بدل أن تكون أداة لتوحيده. كما أن دور العوامل الخارجية لا يمكن تجاهله. فبعض قوى المعارضة تسعى إلى كسب الدعم الدولي أو الإقليمي، ما يخلق نوعًا من التنافس على الشرعية الخارجية. هذا التنافس قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام، خاصة حين يُنظر إلى الدعم الخارجي كوسيلة لتعزيز موقع طرف على حساب آخر. وفي هذه الحالة، لا تعود المعارضة مجرد فاعل داخلي، بل تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الخارجية، بما يزيد من تعقيد المشهد. في ظل هذا الواقع، يدفع المواطن الثمن الأكبر. فهو يرى تعددًا في الأصوات، لكنه لا يجد وضوحًا في الاتجاه. يسمع خطابات التغيير، لكنه لا يرى خطة واضحة لتحقيقه. يُطلب منه أن يثق في المعارضة، لكنه لا يجد ما يُطمئنه إلى قدرتها على إدارة المرحلة القادمة. ومع مرور الوقت، يتآكل هذا الأمل، ويتحول إلى شك، ثم إلى عزوف عن المشاركة، وهو ما يُضعف أي إمكانية للتغيير الحقيقي. المفارقة أن السلطة، في كثير من الأحيان، تستفيد من هذا الانقسام. فبدل أن تواجه جبهة موحدة، تجد أمامها خصومًا متفرقين، يسهل احتواؤهم أو إضعافهم. بل إن بعض الأنظمة قد تعمل بشكل غير مباشر على تغذية هذه الانقسامات، عبر استقطاب بعض الأطراف، أو تعميق الخلافات بينها. وهكذا، تتحول المعارضة، دون أن تقصد، إلى عنصر من عناصر استقرار النظام الذي تسعى إلى تغييره. إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط إضعاف المعارضة، بل تشويه فكرة المعارضة نفسها. حين يرى الناس أن المعارضة لا تختلف كثيرًا عن السلطة في صراعاتها، يفقدون الثقة في العملية السياسية برمتها. يصبح التغيير مجرد شعار، والديمقراطية مجرد حلم بعيد المنال. وهذا أخطر من بقاء نظامٍ معين، لأنه يضرب أساس الأمل في أي تحول مستقبلي. ومع ذلك، لا يمكن الاستسلام لهذا الواقع. فالتاريخ يُظهر أن المجتمعات قادرة على تجاوز أزماتها، إذا توفرت الإرادة والوعي. البداية تكون بالاعتراف بالمشكلة، لا إنكارها. يجب على قوى المعارضة أن تُدرك أن وحدتها ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية. ليس المطلوب إلغاء الخلاف، بل تنظيمه، وإدارته ضمن أطر واضحة تضمن استمرارية العمل المشترك. كما أن بناء مؤسسات حزبية حقيقية يُعد خطوة أساسية. الأحزاب التي تقوم على لوائح واضحة، وآليات ديمقراطية داخلية، تكون أكثر قدرة على احتواء الخلافات، وأقل عرضة للانقسام. كذلك، فإن تعزيز الثقافة السياسية التي تقوم على قبول الآخر، واحترام التعدد، يُسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا. ومن المهم أيضًا إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والمجتمع. يجب أن تتحرر السياسة من أسر الانتماءات الضيقة، وأن تتحول إلى فضاء يعكس المصالح العامة، لا الخاصة. وهذا يتطلب جهدًا طويل الأمد، يبدأ من التعليم، ويمر عبر الإعلام، وينتهي بالممارسة اليومية للعمل السياسي. أما على مستوى الخطاب، فإن المعارضة بحاجة إلى الانتقال من الشعارات العامة إلى البرامج الواضحة. الناس لا تبحث فقط عن من ينتقد، بل عن من يقترح. لا يكفي أن تقول إن الواقع سيئ، بل يجب أن تُبيّن كيف يمكن تغييره، وبأي أدوات، وفي أي إطار زمني. هذا الوضوح هو ما يُعيد بناء الثقة، ويُشجع على المشاركة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة لكنها قاسية: المعارضة التي لا تستطيع أن تُدير خلافاتها، لن تستطيع أن تُدير دولة. والتغيير الذي لا يقوم على وحدة الحد الأدنى، سيظل مشروعًا مؤجلًا. والأوطان التي تُستهلك طاقاتها في صراعات داخلية، لن تجد الوقت ولا القدرة على التقدم. ربما آن الأوان لأن تسأل المعارضة نفسها السؤال الأهم: هل نحن جزء من الحل، أم جزء من المشكلة؟ لأن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل السياسة في السودان وجنوب السودان، بل وربما مستقبل الأمل ذاته. وفي لحظة صدق، قد نكتشف أن الطريق إلى التغيير لا يبدأ بإسقاط الآخر، بل بإصلاح الذات. وأن أقوى معارضة ليست تلك التي ترفع صوتها عاليًا، بل تلك التي تعرف كيف تتوحد حين يكون الوطن على المحك.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم