باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 5 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
شوقي أبوالريش عرض كل المقالات

حين لا يشيخ الامتنان للمعلم…

اخر تحديث: 5 يوليو, 2026 10:19 مساءً
شارك

حين لا يشيخ الامتنان للمعلم…
بعد ستين عاما… ما زلت تلميذك

أهدتني ابنة عمتي العزيزة الأخت ابتهال مرسي سراج أول أمس شريط فيديو قصير ونظرا للكم الهائل من الرسائل والمقاطع الصوتية والمرئية التي تغمر وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام فقد اعتدت ألا أولي هذه المواد اهتماما كبيرا حرصا على الوقت فيما هو أنفع وصونا للمشاعر في هذه المرحلة من العمر التي لم تعد النفوس تحتمل أي هراء أو تلفيق ولا أي أخبار تزيد من الأحزان التي نعيشها أصلا في هذا الأوان.
غير أن معرفتي بالأخت ابتهال وما عرف عنها من حصافة وحكمة في الاختيار واحترام لأوقات الآخرين دفعتني ألي فتح المقطع والاستماع بشغف إلى الحوار الذي دار فيه. وبعد أن انتهيت من المتابعة سارعت إلى شكرها على هذه الهدية القيمة. فأجابتني بأنها شعرت منذ البداية أن هذا المقطع وما تضمنه من حوار مع الضيف سيجد لدى صدا خاصا. فقلت
لها: لقد صدق صدق إحساسك يا ابنة عمتي وأنت الصدوقة دائما. لقد جعلتي يومي هذا واحدا من الأيام القليلة المتميزة في زمن تشابهت فيه الأيام وتسارعت فيه وتيرة الحياة حتى أصبح الأسبوع يمر كأنه يوم، والشهر ينقضي كأنه أسبوع ومع هذا التسارع نمضي جميعا في رحلة العمر الذي يتناقص يوما بعد يوم.
وبعد أن انقضت متابعتي للحوار الذي دار في الشريط تحول ما تبقي من يومي ذاك إلى خليط متلاطم من المشاعر تأرجحت بين أقصي الفرح وأقصي الحزن، فرحت يومها فرحا لم أعرف له مثيلا، وفي نفس الوقت حزنت حزنا لم اذقه من قبل، كان يوما وصفه المناسب “الحلو مر” اسما فقط، تتناوب فيه لحظات المشاعر بين حلاوة كالشهد ومرارة كالعلقم. وبين هاتين الحالتين المتناقضتين لم يجد عقلي الحائر سبيلا إلا أن يسكب هذه المشاعر المتلاطمة بكلمات على هذه الورقة.
كان ضيف ذلك الحوار الذي أنصت إليه بقلبي قبل أذني هو رجل قامة من قامات التعليم في السودان أفني زهرة شبابه وما تلاه من عمر بين السبورة والطباشير وطابور الصباح ونبطشية مذاكرة فصول الليل ومعاقبة المهرجين من الطلاب وتصحيح الكراسات في بيته بعد نبطشية الليل. هكذا كان يومه وليله وشهره وسنوات عمره إلى أن تقاعد في المعاش بعد أن قضى أكثر من خمسين عاما في التدريس والإدارة ثم لزم بيته في ضاحية حيي دبروسه الراقي يجتر الذكريات بين أفراد أسرته المقربين بعد أن رحل معظم جيله من المعلمين والزملاء إلي الدار الآخرة.
هناك أشخاص حباهم الله بمحبة الناس وتتبع أخبار الأخيار من الرجال والنساء من أهل العطاء والنفع ومن كان لهم فضل علي عامة الناس والأجيال المتعاقبة ومن ضمن هؤلاء الرجال الابن المعلم والإعلامي الأستاذ رفعت جارون الذي أكبرت فيه مهنته كمعلم للأجيال ومهنته الأخرى كإعلامي يوثق لمسيرة عظماء الرجال والنساء في مدينة حلفا الجديدة وقراها الممتدة.
الأستاذ رفعت رفعه الله مقاما على مقام، جال بخاطره ذكري رجل من أنقي الرجال وأجلهم قدرا وأوفرهم عطاءا وأقلهم نصيبا من الجزاء، ولذلك حمل معه (عدة الشغل) من كاميرات وميكروفونات وتوجه بسيارته الميني إلى حيي دبروسه الراقي، وفي أزقة مربع 11 من ذلك الحيي طرق بابا مزخرفا ثم دخل ذلك البيت بعدته وعتاده، وأنا أتابع شريط الفيديو وكلي شغف دون أن أدري عن هذا البيت شيء ولاعن ضيف برنامج الابن رفعت إلي أن دخل إلي غرفة نوم مرتبة بسريرين وقام ضيف الحوار من على سريره ليس واقفا بل جلس علي نفس السرير، وحياه الابن رفعت بحرارة وبكل احترام وبادله النحية وأفهمه الغرض من الزيارة ثم دار بينهما الحديث.
هنا كانت المفاجأة التي لم تخطر ببالي أبدا، فقد كان ضيف الحلقة هو الأستاذ الجليل أحمد عبد الجابر على. هذا المعلم درسني اللغة الإنجليزية في مدرسة وادي حلفا الأهلية المتوسطة حتى عام 1963 وبعدها انتقلت إلى المرحلة الثانوية في مدرسة وادي سيدنا الثانوية بأمدرمان ثم تبع ذلك مباشرة السد العالي والهجرة إلى حلفا الجديدة عام 1964. ذلك يعنى أنني لم أقابل الأستاذ الجليل أحمد عبد الجابر منذ أكثر من ثلاثة وخمسون عاما بالتمام والكمال. والمفارقة الغريبة أنه طوال هذه السنين لم يغب طيفه عن بالي أبدا وكانت واحدة من أمنياتي أن التقى بذلك الأستاذ الذي كنت أجله وأقدره وكان قد أصبح رمزا في حياتي منذ ستينات القرن الماضي حتى تاريخ اليوم، كنت أتشوق حتى إلي مجرد سماع أخباره وذلك أضعف الأيمان.
بالأمس حقق لي الأستاذ رفعت ما كنت أظنه أقصى ما يمكن أن أناله أو ما كنت أظنه أضعف الأيمان. لكنه بما صنع أطفأ قدرا من لهيب الشوق في القلب وأروي شيئا من ظمأ الروح وخفف شيئا من تلك اللهفة التي طالما حملتها تجاه معلمي الجليل الأستاذ أحمد عبد الجابر. لقد كانت لحظات قصيرة في عمر الزمن لكنها كانت كبيرة في أثرها حيث أعادت إلى النفس دفئا افتقدته طويلا وجددت في القلب امتنانا لا تحده الكلمات.
ما سرني وأفرحني كثيرا في تلك اللحظات أن رأيت أستاذي أحمد عبد الجابر وسمعت صوته المعهود، وما سرني أكثر أن رأيته يتمتع بصحة وعافية وبنفس عقله الراجح إلا قدر بسيط مما أفسده الدهر كما قال هو عن نفسه فيما يخص السمع والذاكرة لكن كان حديثه مرتبا وراكزا كعادته ومواكبا لأسئلة المحاور الذي كان حريصا لسماع إجاباته عن تفاصيل حياته ودراسته وزملاءه من المعلمين ومن درسهم من الطلاب وعن أسرته الكبيرة والصغيرة ورأيه في التعليم حاليا وأيام زمان والتقدير الذي لقيه من الآخرين. أجاب الأستاذ الجليل أحمد عبد الجابر علي كل الأسئلة إجابات شافيه ووافية وصريحة دون أن يتلق أي مساعدة من ابنته راوية التي كانت تجلس بجانبه حرصا منها لمجرد التذكير بالأسماء إذا لزم الأمر.
للقلة من الذين لا يعرفون الأستاذ أحمد عبد الجابر بحكم السن واختلاف الأجيال، فهو شخصية معروفة في مجال التعليم والإدارة خاصة في منطقة وادي حلفا وحلفا الجديدة. كان ميلاده في وادي حلفا في عام 1935 بحي دبروسة الراقي في المدينة، درس المرحلة الأولية في مدرسة وادي حلفا الغربية ثم المرحلة المتوسطة في وادي حلفا الأميرية ثم انتقل إلى المرحلة الثانوية ليلتحق بمدرسة الأحفاد الثانوية في أم درمان ليتخرج منها ويلتحق بمعهد بخت الرضا خاتمة المطاف ويلتحق بحقل التعليم في عام 1959 وعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة وادي حلفا الأهلية في نفس العام. الأستاذ أحمد لم يبارح أو ينتقل من وادي حلفا وحلفا الجديدة إلى أي مكان آخر، بل ظل عمله محصورا في هاتين المنطقتين فقط منذ تعينه، ولذلك فقد زامل عدد كبير من المعلمين في تلك المنطقة أذكر عدد منهم مع حفظ الألقاب وهم كما ذكر وكما أعرف: الأساتذة الكبار أحمد شريف وحسن أحمد ورشدي وبيبي طلسم وأحمد عباس وأحمد خليل بيرم وسراج والصاوي محمدي بتيك ومحسوب حسن كاشف وفتحي سيد دهب والباشمهندسان عبد الله صبار وسيد حارث درسا مع الأستاذ أحمد عبد الجابر أثناء إجازاتهم الصيفية وهما طلاب هندسة في جامعة الخرطوم، والنظار الكبار الأساتذة دهب عبد الجابر وعلي أحمد علي وأحمد عواض ومحمد حسن الشيخ وحسين النور ومحي الدين محمد أحمد وعكرمة، رحم الله من توفي منهم وأطال في عمر الباقيين.
من الطلاب الذين درسهم وتذكرهم الأستاذ أحمد عبد الجابر في هذا الحوار هم الزملاء محمد عبد الله بركية و محمد مهدى أحمد علي وأنور زمبليطة ومحمد خليل صيام وكمال جبرة ومحمد عبد الجابر ومحمود زمراوي. ويبدوا أن هؤلاء الطلبة ما بارحوا ذاكرته لأنهم تخرجوا من الثانوي وأصبحوا معلمين وتشرفوا بمزاملته في مهنة التدريس في حلفا الجديدة.
بعد سنوات طويلة قضاها مع الطلبة والسبورة والطباشير وطابور الصباح توج استاذي أحمد عبد الجابر تلك المسيرة بالترقي إلى وظيفة مدير التعليم لمنطقة نهر عطبرة واختتم بها مسيرته الطويلة ومنها أحيل إلى التقاعد في حقبة الألفين.
ينتمي أستاذي أحمد عبد الجابر إلى عائله إدريس في قرية مرشد جنوب مدينة وادي حلفا – حاليا القرية 10 بحلفا الجديدة – وله أقرباء كثر في قري دبيرة وإشكيت، وكانت العائلة الكبيرة تقيم في حي دبروسة الراقي في مدينة وأدى حلفا وله شقيقه الأكبر معلم الأجيال المعروف الأستاذ دهب عبد الجابر الذي عمل ناظرا للمدرسة الأميرية الوسطي ثم نقل الى وزارة التربية والتعليم بالخرطوم مديرا للتعليم وهناك مدارس باسمه في حلفا الجديدة ووادي حلفا تخليدا لذكراه وعطاءه الكبير في مجال التربية والتعليم. وأشقاءه حسن عبد الجابر تاجر بالسوق وعلى عبد الجابر تاجر ومحمد عبد الجابر مزارع وخليل عبد الجابر موظف، من أولادهم الذين درسوا معنا الزميل محمد حسن عبد الجابر وكان لقبه “دوتش” ولا أعرف سببا لهذه التسمية فربما كان يشبه الهولنديين في طبعه فقط، وأذكر أن دوتش كان يقول لنا من باب التخويف: إذا رأيتم عمي أحمد عبد الجابر بالنظارة السوداء على عينيه فأعلموا أنه غير مبسوط في ذلك اليوم فخذوا حذركم منه، وإذا كان من غير نظارة فأعلموا أنه مبسوط والبساط أحمدي.
رزق الله الأستاذ أحمد عبد الجابر ثلاث زهرات داليا وراوية ورؤى اللاتي يعملن و يقمن معه في حلفا الجديدة وله ابن واحد هو دهب أحمد عبد الجابر الذي يعمل ويقيم في العاصمة الخرطوم.
علاقتي الخاصة بأستاذي الجليل أحمد عبد الجابر كانت لها أبعاد كثيرة أولا فقد كنت معجبا بشخصيته كمعلم قدير يمتلك كل مقومات المعلم وخاصة في تدريسه للغة الإنجليزية وثانيا كنت “ألفة” الفصل الذي كان يدرسه الأستاذ أحمد عبد الجابر، وكما تعلمون الألفة دائما يعد من الطلاب المقربين للأساتذة وثالثا علاقتي بزميله وابن قريته مرشد الأستاذ حسن أحمد وسوف أفسر تلك العلاقة فيما بعد ورابعا كان لأستاذي أحمد عبد الجابر معرفة وعلاقة بوالدي، طيب الله ثراه، وكان يمده بتقارير شفوية عن مستواي الدراسي إذا قابله وخامسا كنت طالب رياضي ومميز خاصة في رياضة الجمباز وأيضا لاعب كرة قدم في فريق المدرسة، وكان الأستاذ أحمد عبد الجابر يهتم بهذا الجانب ويحضر كل الفعاليات الرياضية مشرفا وموجها ومشجعا.
أما ما ذكرته عن العلاقة بالأستاذ حسن أحمد فقد كان الرجل مثقفا ومطلعا على الكتب والصحف وملما بما يجري في العالم من أحداث من خلال الاطلاع، وبما أنني كنت أسكن في حي التوفيقية بحكم عمل الوالد وعلى مقربة من سوق المدينة، كلفني الأستاذ حسن أحمد أن أمر علي مكتبة الحاج قرقودة في الشارع نمرة إثنين في السوق يومى الإثنين والأربعاء من كل أسبوع وذلك لأنقل له الصحف والمجلات المصرية آنذاك، ومنها المصور وآخر ساعة وروز اليوسف وصباح الخير حيث كان مشتركا في تلك الصحف كلها وكنت أمر علي المكتبة عند عودتي إلى المدرسة من فسحة الفطور طوال الأربعة سنوات. وكان الأستاذ أحمد عبد الجابر والأستاذ حسن أحمد يتقاسمان مكتب واحد في المدرسة، وعندما أدخل مكتبهما حاملا الصحف والمجلات المصرية كان يقابلني أستاذي أحمد عبد الجابر بكل شغف وترحاب وفي كل مره يسألني نفس السؤال: ما هي أخبار الجرائد يا أبو الريش؟ ثم يتصفح تلك المجلات على عجل، ويستوعب ما جاء بها قبل أن يطل علينا الأستاذ حسن أحمد من حصته. وتلك المهمة الصحفية أيضا خلقت علاقة شبه ثقافية أو إعلامية مع أستاذي أحمد عبد الجابر.
منذ أن كنت طالبا في المرحلة المتوسطة كنت أرى في أستاذي أحمد عبد الجابر قدوة وشخصية مؤثرة بصفاته وشخصيته الكاريزمية فقد كان مخلصا في تدريسه وبإصراره تعلمنا منه اللغة الإنجليزية على أصولها وكان أستاذا حازما وصارما عندما يتطلب الموقف إلا أنه في جوهره شخصية لطيفة ومرحة وفكاهية عكس ما يبدو عليه من الصرامة والشدة كما أنه إنسان صريح ولماح وحاضر البديهة ومن أكثر المعلمين اهتماما بشكله وهندامه والتي أثرت في شخصيتي وشخصية عدد من طلابه حتى اليوم.
ذكرت لكم من قبل، أنني عندما شاهدت شريط الفيديو واستمعت إلى ذلك الحوار فرحت كما لم افرح من قبل وفي نفس الوقت غمرني حزن عميق لم أشعر به من قبل. أما فرحتي، فلاني رأيت أستاذي الجليل أحمد عبد الجابر وسمعت صوته الذي لا أنساه بعد سنوات طويلة طافت، وأما حزني الشديد فكان له سببان: أولهما أن رجلا مثل الأستاذ أحمد عبد الجابر أفني عمره كله في تربية الأجيال وتعليم النشء وغرس القيم والعلم في نفوس الألاف ترك وحيدا دون أن تمتد إليه يد وفاء أو تقدير من المسؤولين الذين تعاقبوا على الولاية والمحليات وما يؤلم أكثر أن كثيرا منهم من أبناء المنطقة والذين يعرفون حق المعرفة مكانة هذا الأستاذ الجليل كما يعرفون الدور الكبير الذي قامت به أسرته عموما في مسيرة التربية والتعليم.
لقد كان الأستاذ أحمد عبد الجابر رمزا من رموز العطاء ويستحق تكريما رسميا وشعبيا يليق بما قدمه لوطنه وأبنائه فمثل هؤلاء العظماء ينبغي أن يكرموا وهم بيننا ليشعروا بثمرة أعمارهم وليذوقوا نشوة الفخر والإنجاز وهم على قيد الحياة، فما قيمة التكريم بعد الرحيل؟ فالشكر الحقيقي هو ما يقدم للإنسان في حياته وليس كما يزعم ويردد أكثر السودانيين “الله لاجاب يوم شكرك.”
وثانيهما أن السائل في ذلك الحوار تطرق إلى التكريم وما هو المقابل لخدمته الطويلة فأجاب الأستاذ بكل صراحة وغبن: لم يسأل عني أحد ولم أمنح شيئا ولا بيت ولا شبر أرض ولا حتى كلمة ثناء، وقال أنت أول من زارني في بيتي وأجري معي مثل هذا اللقاء وقد كانت لفتة بارعة منك يا إبني وما عملته في حياتي تجاه الآخرين هو لوجه الله تعالي. فما كان من السائل الابن رفعت إلا أن استدرك الموقف بسرعة وقال له: (والله أنت تستحق تمثال كبير في شارع الحرية) قالها صادقا ومحاولا رفع الروح المعنوية للأستاذ ووعده بتكريم كبير مستحق من الولاية والمحلية في حلفا الجديدة. وفي خضم هذا الشعور المثقل بالغبن والأسي قطع أستاذي أحمد عبد الجابر الصمت بسؤال هادئ للابن رفعت ” هل قام أهل البيت بواجب الضيافة؟” كان سؤالا بسيطا في ظاهره لكنه كبير في معناه، عكس رقيه وكرمه وحضوره وأدبه الجم.
سيظل أثر الأستاذ أحمد عبد الجابر حاضرا في أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين والعلماء وغيرهم، ممن يدينون له بالفضل ويذكرونه بكل خير. وصدق الشاعر أحمد شوقي حين قال ” كاد المعلم أن يكون رسولا.”
أما أنا، فقد كان من أعز أمنياتي أن ألقاه بعد هذه العقود الطويلة، لكن الأبن رفعت اختصر لنا المسافات بوسائل التقنية الحديثة حتى شعرت بأن الزمن قد عاد بنا إلى تلك الأيام في رحاب مدرسة وادي حلفا الأهلية. وإذا كانوا يقولون إن الصورة هي نصف المشاهدة فما بالكم بالفيديو الذي يجمع الصورة والصوت معا. فرغم البعد، فقد أعاد إلينا شيئا من دفء اللقاء وأحيا فينا ذكريات كنت أظن أنها بعيدة المنال.

وفي الختام أردد ما قاله الأستاذ رفعت لقد كنت رجلا عظيما خدمت وطنك وساهمت في تربية وتعليم أجيال متعاقبة وكان لقاؤك مصدر سعادة واعتزاز. أسأل الله أن يمد في عمرك ويمن عليك بموفور الصحة والعافية وأرجو أن تبادر حكومة الولاية ومحلية حلفا إلى تكريمك بما يليق بمقامك وعطائك وفاءا وتقديرا لإسهاماتك الجليلة التي ستظل محل احترام وإجلال.
شوقي أبو الريش
الدوحة – قطر
يوليو 2026

reeshs@hotmail.com

الكاتب

شوقي أبوالريش

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تفاحة الخطيئة … بقلم: امير حمد_ برلين
بيانات
الجبهة السودانية للتغيير تنعى المناضلة سعاد إبراهيم أحمد
بيانات
بيان من الثورة السودانية للتغيير – سرك
منبر الرأي
الحزب الشيوعى السودانى: غنى بشعبنا وعصى على التركيع .. بقلم: فيصل الباقر
منبر الرأي
نقد مُداخلة جبريل إبراهيم في عزاء دارحامد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

البيان الرئاسي.. والصّحافة السّودانية بين الحُريِّة والمسؤولية .. بقلم: إمام محمد إمام

إمام محمد إمام
منبر الرأي

خالد شيخ محمد نميري .. بقلم: مصطفى البطل

مصطفى عبد العزيز البطل
منبر الرأي

مُكَاءُ التُّرَابِي وتَصْدِيَتِهِ! .. بقلم: كمال الجزولي

كمال الجزولي
منبر الرأي

أمدرمان أيام المهدية: ملخص ما جاء في كتاب للأسير الإيطالي س. روزيقونولي. ترجمة بدرالدين الهاشمي

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss