حين نسي القادة الأفارقة السلاسل… وخرّوا لترمب سُجَّدًا

وقف خمسة من رؤساء الدول الإفريقية (الغابون، موريتانيا، غينيا بيساو، ليبيريا، والسنغال) أمام دونالد ترمب، يعرضون عليه ثروات بلدانهم من المعادن والفرص، ويدلّلون نرجسيته المتعطشة للنفوذ، ويغازلون غروره المهووس بالألقاب والتتويجات. لم ينسَ أولئك القادة أن يثيروا حلمه القديم بجائزة نوبل للسلام، فطرح بعضهم –في مشهد لا يخلو من الإذعان الرمزي– فكرة ترشيحه لها، وكأنهم يمنحونه براءة مزوّرة من الدم والتاريخ.
لكنهم تناسوا ما هو أعمق وأخطر مما قالوه. نسوا أن يذكّروه بماضٍ دموي صنعته بلاده، حين اقتُلع أسلافهم من أرضهم، وصِيدوا كالطرائد في مجاهل إفريقيا، ثم كُدّسوا مكبلين في أقبية السفن نحو الضفة الأخرى من الأطلسي، حيث الموت والجوع والرعب والانقطاع عن كل نسب وهوية. لم يتذكر أحدٌ سلاسل كونتا كنتي، ولا محاولاته للهرب من العبودية، ولا صمته الجليل حين فُرض عليه أن يحمل اسمًا جديدًا، وينسلخ عن جذوره ليُصبح مجرد رقم في مزارع الجنوب الأميركي.
لم يطالب أحدهم باعتذار، ولو رمزي، عن ماضٍ تتردد في أصدائه فرقعة السياط وصلصلة القيود. لم يتحدثوا عن حق إفريقيا في تعويض أخلاقي على أقل تقدير، ولا عن مشاركتها العادلة في منجزات تنمية فصلت العالم بين متقدم ومتخلف، بعد أن أسهمت القارة، بجراحها وبشرها، في بناء تلك الفجوة الظالمة.
وقد بلغ النسيان بزعماء القارة مداه حين تجاهلوا أن جائزة نوبل للسلام لم تُنشأ لتزيّن صدور المتغطرسين، ولا لتكمّل أحلام السياسيين الحالمين بالتاريخ المزوّر. فهذه الجائزة كانت، في جوهرها، تعبيرًا عن شعور نادر بالذنب، وصحوة ضمير فذّة، حين أدرك صاحبها ألفرد نوبل أن اختراعه –الديناميت– قد يُسهم في إزهاق الأرواح أكثر مما يخدم العمران. فوقف جزءًا كبيرًا من ثروته كفّارة عن أثره، لا مكرمةً للمُفتَنين بالخراب.
إن ترمب لا يفهم السلام كعملية عقلية معقدة تنشأ من الحوار وتوزان المصالح، بل كما تفهمه الجيوش، والطائرات الشبحية، والأسلحة الخارقة للتحصينات. إنه صاحب رؤية مشوّهة للسلام؛ سلام مسخ، لا يقوم على التفاهم بل على الهدم، لا على احترام السيادة بل على ابتزازها. وقد عرض هذا “السلام” حين أمر بقصف المنشآت النووية الإيرانية، وحين منح الضوء الأخضر لنتنياهو ليشغّل آلة القتل الأميركية في غزة، فتستهدف الخيام المهترئة التي تأوي نساء وأطفالًا الذين أضحوا يدافعون عن وجودهم بالدموع.
ترمب، الذي تسكنه روح إمبراطور، لا يطارد السلام بل يطارد حلمًا يتجاسر به على الحق، ويبرّر فيه سحق من لا يخضع. فمَن كان جادًا في صنع السلام لا يُفجّر، ولا يصمت عن الظلم، ولا يهادن الاحتلال، ولا يقايض العدالة بالنفط، ولا يتوسل الجوائز بالصمت على المجازر.
لقد أحنى أولئك القادة رؤوسهم بإذعان أمام رجل لا يرى في بلدانهم شركاء بل أسواقًا وصفقات، فقد خسروا ما هو أثمن من الحظوة السياسية: خسروا كرامتهم الرمزية. وتخلّوا عن شرف المطالبة بالحق، حين صافحوا رجلًا لم يتبرأ من ماضٍ بُني على أنقاض أحلام أجدادهم، دون أن يطلبوا منه حتى اعتذارًا لطيفًا.
إن جائزة نوبل، في أصلها النبيل، لا تُمنح لمن يتفاخر بالقصف، أو يصمت عن المجازر، بل لمن يُنهِي حربًا، ويحقن دمًا، ويضمد جراحًا، ويوقظ ذاكرة تصون الوعي من النسيان. أما أن تُمنح لمن يرى في البطش أداة سلام، فذاك عبث بمعاني الفضيلة، ومحو متعمد للتاريخ، واستجابة لطموحٍ بلا استحقاق.
إن إفريقيا –التي قُسّمت وجُرّدت واستُنزفت– لا تحتاج إلى قادة يبتسمون في بلاط القوة، بل إلى من يذكّرون العالم بأنها ليست بلا ذاكرة، وأن صلصلة الأغلال التي كبّلت أسلافها… لا تزال تتردّد في الذاكرة.
د. محمد عبد الحميد

wadrajab222@gmail.com
​كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …