باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 18 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

حين يتحول النص المقدس إلى سلاح: الشريعة الإسلامية بين الضمير الجمعي ومعادلة السلطة في السودان

اخر تحديث: 18 أغسطس, 2026 10:19 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال العلاقة المعقدة بين الشريعة الإسلامية والسلطة السياسية في السودان، وينطلق من سؤال أساسي هو ما إذا كان التمسك بالشريعة تعبيراً دينياً وأخلاقياً عن ضمير المجتمع المسلم، أم أنه يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية لإنتاج الشرعية واحتكار السلطة والثروة وإقصاء الخصوم. ويؤكد المقال أن الظاهرة لا يمكن تفسيرها تفسيراً أحادياً، لأن العلاقة بين الدين والسياسة تتغير باختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويقدم السودان حالة نموذجية لهذه العلاقة المتشابكة، إذ انتقل خلال تاريخه الحديث من توظيف الدين في المقاومة وبناء الشرعية، إلى فرض الشريعة من أعلى، ثم استخدامها في بناء دولة إسلامية سلطوية، ثم محاولات محدودة لإصلاح الإرث القانوني، وصولاً إلى إعادة إنتاج التوظيف السياسي للدين في سياق الحرب الحالية منذ أبريل 2023. ويعتمد المقال على منهج تاريخي مقارن وتأطير سوسيولوجي وسياسي، يبدأ بالمفاهيم والنظريات العامة، ثم يستعرض التطور العالمي للإسلام السياسي، ويتتبع التجربة السودانية من المهدية وقوانين سبتمبر إلى الإنقاذ وثورة ديسمبر والحرب الراهنة، قبل الانتقال إلى آثار هذه التجربة والمقارنة الدولية واستشراف مستقبل العلاقة بين الدين والدولة.

ويضع المقال في البداية تمييزاً أساسياً بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في النقاش العام: التدين العقدي والأخلاقي بوصفه ممارسة فردية واجتماعية، والشريعة بوصفها تراثاً فقهياً وتشريعياً متعدد المدارس والاجتهادات، ثم الإسلام السياسي بوصفه توظيفاً للمرجعية الدينية في الصراع على الدولة والسلطة والموارد. ومن هذا المنطلق يرفض المقال مساواة التدين الشعبي أو الالتزام الأخلاقي بالشريعة تلقائياً بالمشروع السياسي الإسلاموي. ويستعين بأربع مقاربات تفسيرية متكاملة لفهم صعود الحركات الأصولية والإسلام السياسي: الحرمان النسبي الذي يدفع الجماعات المحرومة إلى البحث عن إطار بديل للعدالة؛ وعلم اجتماع الأصوليات الذي يربط التشدد بشعور التهديد والانحدار والإذلال الثقافي؛ وأطروحات الصراع الحضاري التي تفسر جزءاً من الاستقطاب بين الهوية الدينية والحداثة والغرب؛ والتحليل الاجتماعي لنشأة منظري الإسلام السياسي والحركات التي ينتمون إليها، حيث يمكن أن يتحول خطاب العودة إلى الشريعة إلى احتجاج على الفساد والتفاوت والتهميش. ويخلص هذا الإطار إلى أن الحرمان الاقتصادي والبحث عن الهوية والشعور بالتهديد والاستقطاب الجيوسياسي والتنظيم السياسي يمكن أن تتفاعل معاً، بحيث يصبح الدين في بعض السياقات لغة للتعبئة والاحتجاج والشرعنة السياسية في الوقت نفسه.

ويضع المقال الحالة السودانية داخل مسار عالمي أوسع لصعود الإسلام السياسي. فقد مثلت هزيمة 1967 نقطة تحول أضعفت ثقة قطاعات من المجتمعات العربية بالمشروعات القومية والعلمانية، وفتحت المجال أمام الإسلاموية باعتبارها بديلاً يقدم نفسه بوصفه أصيلاً وغير مستورد. ثم عززت الطفرة النفطية بعد 1973 قدرة بعض الدول الخليجية على نشر نماذج دينية محافظة عبر المساجد والمدارس والمنح والمؤسسات الخيرية، بينما أثبتت الثورة الإيرانية عام 1979 أن الخطاب الديني قادر على تعبئة الجماهير وإسقاط نظام سياسي قوي، وأنتج الجهاد الأفغاني شبكة عابرة للحدود من المقاتلين والتنظيمات والخبرات التي ساهمت لاحقاً في صعود الجهادية العالمية. ويؤكد المقال، في المقابل، أن تأييد الشريعة ليس ظاهرة متجانسة في العالم الإسلامي؛ فالمواقف تختلف بشدة من دولة إلى أخرى تبعاً للتاريخ الدستوري والسياسي والمؤسسي، بما يعني أن التدين الفردي وحده لا يفسر الموقف من تحويل الشريعة إلى قانون للدولة.

ويعود المقال بعد ذلك إلى الجذور التاريخية السودانية، فيبدأ بالثورة المهدية التي جمعت بين التعبئة الدينية والمقاومة السياسية للاستعمار التركي المصري، وقدمت نموذجاً مبكراً لاستخدام الشرعية الدينية في بناء سلطة سياسية ومواجهة الهيمنة الأجنبية. ثم يوضح أن الحكم الثنائي البريطاني المصري أبقى الشريعة أساساً محدوداً في مجال الأحوال الشخصية، بينما ظل النظام القانوني العام ذا طابع مدني. وتتمثل نقطة التحول الحاسمة في إعلان جعفر نميري قوانين سبتمبر عام 1983، حين فرض تطبيق الحدود والشريعة على الدولة كلها، بما في ذلك المناطق الجنوبية ذات الأغلبية غير المسلمة. ويرى المقال أن القرار ارتبط بدرجة كبيرة بأزمة شرعية نظام نميري وحاجته إلى مصدر جديد للشرعية، أكثر مما كان نتيجة لمسار فقهي واجتماعي توافقي. وأدى ذلك إلى استقطاب سياسي واسع بين الإسلاميين الذين رحبوا بالمشروع والقوى السياسية التي انتقدت طريقة فرضه وتوقيته.

وتبلغ هذه المرحلة ذروتها في قضية محمود محمد طه، الذي قدم قراءة إصلاحية للنص الديني تقوم على التمييز بين الرسالتين المكية والمدنية، ودافع عن المساواة والتعايش والديمقراطية ورفض تطبيق الحدود بصيغتها التاريخية. وقد أصبح إعدامه عام 1985 رمزاً لاستخدام السلطة الدينية والقانون الجنائي في قمع المخالف الفكري. وبعد سقوط نميري، حاولت الحكومة الديمقراطية المنتخبة برئاسة الصادق المهدي مراجعة قوانين سبتمبر، لكن الحركة الإسلامية استطاعت، رغم ضعف تمثيلها الانتخابي المباشر، استخدام نفوذها السياسي والتنظيمي لتعطيل الإصلاح، وهو ما يكشف مبكراً الفجوة بين القوة الاجتماعية والتنظيمية للحركة الإسلامية وبين حجم تفويضها الانتخابي.

ثم ينتقل المقال إلى انقلاب عام 1989، الذي نقل الإسلاميين من موقع المعارضة إلى موقع السيطرة على الدولة. فقد أصبح مشروع الشريعة جزءاً من مشروع شامل لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع، وتجسد ذلك بصورة رئيسة في القانون الجنائي لعام 1991 الذي أعاد تنظيم الجرائم والعقوبات وفق تصنيفات الحدود والقصاص والتعزير. لكن الأسلمة لم تقتصر على القانون الجنائي، بل امتدت إلى الجيش والأمن والقضاء والخدمة المدنية والجامعات والقطاع المصرفي وغيرها من المؤسسات من خلال سياسة التمكين، التي أسست لإحلال الكوادر الموالية للحركة الإسلامية محل قطاعات واسعة من موظفي الدولة. وهكذا تحولت الشريعة، في تحليل المقال، من مرجعية دينية معلنة إلى جزء من بنية سياسية واقتصادية تهدف إلى تثبيت السلطة وتوزيع المنافع على أساس الولاء التنظيمي. كما ارتبط المشروع الإسلامي بعزلة دولية متزايدة، خصوصاً بعد استضافة أسامة بن لادن في الخرطوم، وما تبع ذلك من إدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب وفرض عقوبات اقتصادية أمريكية واسعة.

ويحلل المقال بعد ذلك الثمن الوطني لمشروع فرض الشريعة في مجتمع متعدد الأديان والثقافات. فقد تزامنت قوانين سبتمبر مع الحرب الأهلية الثانية في الجنوب، وأصبح فرض الشريعة على السكان غير المسلمين أحد أهم عناصر الصراع حول طبيعة الدولة والهوية الوطنية. ويشير المقال إلى أن القضية الدينية تداخلت مع التهميش السياسي والاقتصادي وعدم المساواة في توزيع السلطة والثروة، وأن عائدات النفط الضخمة لم تتحول إلى تنمية عادلة أو انخفاض جوهري في الفقر، بل ترافقت مع استمرار الصراع والاستبداد. وانتهت الحرب باتفاقية السلام الشامل ثم استفتاء تقرير المصير وانفصال جنوب السودان عام 2011. وبعد أن فقد العامل الديني جزءاً من قدرته على تفسير الصراع مع انفصال الجنوب، ظهر العامل الإثني والقبلي بصورة أوضح في دارفور، بما يقود المقال إلى استنتاج أوسع هو أن الدين ليس بالضرورة أصل الأزمة السودانية، وإنما يمكن أن يكون أحد أدوات بنية سياسية مركزية إقصائية تستخدم الهوية الدينية أو الإثنية أو القبلية لتبرير توزيع غير عادل للسلطة والثروة.

ثم يتناول المقال ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام البشير عام 2019 باعتبارهما فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين الدين والدولة. وخلال الفترة الانتقالية أجرت حكومة عبدالله حمدوك تعديلات مهمة على القانون الجنائي، شملت إلغاء عقوبة الردة، وإلغاء الجلد كعقوبة عامة، وتجريم ختان الإناث، وإلغاء بعض القيود التمييزية ضد النساء، وتخفيف القيود المتعلقة بالكحول بالنسبة لغير المسلمين، وغيرها من الإصلاحات التي مثلت تراجعاً مهماً عن بعض أكثر عناصر الإرث القانوني الإسلامي صرامة. إلا أن المقال يوضح أن هذه الإصلاحات بقيت جزئية، لأنها لم تمس بصورة جوهرية قانون الأحوال الشخصية الذي استمر في تكريس اختلالات واسعة في الطلاق والحضانة وحقوق المرأة. ولذلك ظلت الثورة، في هذا المجال، بين إنجاز رمزي مهم وقصور بنيوي عميق، بينما عطلت القوى الإسلامية والمحافظة والتقليدية إصلاحات أكثر شمولاً.

ويبرز المقال بعد ذلك خصوصية المجتمع السوداني من خلال التمييز بين نسقين دينيين رئيسين. الأول هو التدين الصوفي الشعبي الذي ترسخ عبر الطرق الصوفية والخلاوي والزوايا والمؤسسات الاجتماعية، وأسهم في نشر الإسلام والتعليم وحل النزاعات وتقديم المساعدة للفقراء، وأنتج نمطاً من التدين المحلي المرن والمتسامح نسبياً. والثاني هو الإسلام السياسي التنظيمي الذي مثلته الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، والذي اتخذ طابعاً مركزياً وتنظيمياً وسعى إلى السيطرة على الدولة وإعادة تشكيلها من أعلى. ويؤكد المقال أن الحركة الإسلامية لم تحقق تفويضاً انتخابياً يسمح لها وحدها بفرض مشروعها السياسي، وأن ضعف نتائجها الانتخابية دفعها إلى تبني الانقلاب العسكري عام 1989 باعتباره طريقاً أسرع للوصول إلى السلطة. ثم أدى الخلاف داخل الحركة إلى انقسامها إلى جناحين رئيسين، أحدهما ارتبط بنظام البشير والآخر بالترابي، بما يكشف أن الصراع داخل الإسلام السياسي نفسه لم يكن صراعاً فقهياً فقط، وإنما كان أيضاً صراعاً على التنظيم والسلطة والنفوذ.

وتنتقل الدراسة إلى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وترى أنها أعادت فتح المجال أمام الإسلاميين لاستعادة نفوذ فقدوه بعد سقوط البشير. فقد استفاد التيار الإسلامي من حاجة الجيش إلى القوى البشرية والميليشيات، ومن تفكك مؤسسات الدولة، ومن سيطرة عناصر مرتبطة بالنظام السابق على بعض الوزارات والمؤسسات الأمنية والدبلوماسية والقضائية. ويعرض المقال موقف مجموعة الأزمات الدولية وتشاتام هاوس اللذين يربطان بين عودة عناصر النظام السابق إلى مواقع مؤثرة وبين استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى تسوية سياسية. ويبرز علي كرتي بوصفه أحد أبرز رموز التيار الإسلامي الرافض للتسوية، كما يشير إلى دور الكتائب الإسلامية في دعم الجيش، وإلى النفوذ المتزايد للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، وإلى التوتر بين القيادة العسكرية التي تحتاج إلى دعمهم وبين المخاوف من تحولهم إلى قوة مستقلة داخل الدولة والجيش.

كما يناقش المقال عودة بعض عناصر حقبة التمكين إلى مؤسسات القضاء والإدارة، وإعادة تعيين شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، والتردد في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، ويربط هذه التطورات بمخاوف القوى المدنية من إعادة إنتاج نموذج الإنقاذ تحت غطاء عسكري جديد. ويضيف أن بعض الخطابات الدينية فسرت الحرب باعتبارها فرصة لإعادة الحركة الإسلامية إلى قوتها، الأمر الذي يعكس وجود تيار يرى في استمرار الصراع وسيلة لاستعادة النفوذ السياسي. وفي المقابل، يذكر المقال احتمال وجود قنوات تفاوض أو تفاهمات داخلية بين بعض مراكز القوة العسكرية بهدف الحد من نفوذ الإسلاميين، بما يكشف أن التحالف بين الجيش والإسلاميين ليس تحالفاً مستقراً أو متجانساً، بل علاقة مصلحية قابلة للتوتر والانقسام.

وفي الجانب المقابل، يحلل المقال محاولة قوات الدعم السريع وحلفائها بناء شرعية سياسية موازية من خلال تحالف تأسيس والحكومة التي اتخذت من نيالا مركزاً لها. ويشير إلى إنشاء إدارات مدنية ومحاكم ومؤسسات موازية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، وإلى استخدام القضاء من جانب طرفي الحرب لمحاكمة خصوم الطرف الآخر، الأمر الذي يضعف استقلال القضاء ويحوّله إلى أداة للصراع السياسي. ويؤكد المقال أن خطاب هذه الحكومة الموازية لا يقوم على أسلمة الدولة، وإنما يقدم نفسه عبر مفاهيم المواطنة المتساوية والعلمانية والحكم المدني، في مواجهة الجيش والتيار الإسلامي المتحالف معه. غير أن هذا المشروع لا يمثل بديلاً مستقراً بالضرورة، لأن بناء مؤسسات مدنية تحت سلطة عسكرية يظل عرضة للتدخل والتفكك، كما أن إنشاء حكومة موازية قد يرسخ الانقسام الجغرافي والسياسي ويقود إلى تفتيت دائم للدولة. وتؤكد التطورات الداخلية داخل تحالف تأسيس، بما فيها اعتقال بعض مسؤولي الإدارات المدنية، أن السلطة العسكرية تظل أقوى من المؤسسات المدنية التي تنشأ تحت مظلتها.

ويصل المقال إلى أكثر مظاهر عودة الشريعة العقابية إثارة للجدل من خلال أحكام الرجم الصادرة في أواخر 2025 ومطلع 2026. فقد أصدرت محاكم سودانية أحكاماً بإعدام امرأتين رجماً استناداً إلى المادة 146 من القانون الجنائي لعام 1991، في ظل ظروف حرب وانهيار مؤسسات وضمانات قضائية ضعيفة. ويعرض المقال المخاوف المتعلقة بالاعترافات التي انتزعت في ظروف نفسية ضاغطة، وغياب الضمانات القانونية الكافية، والآثار الخاصة بهذه الأحكام على النساء. وقد أثارت الأحكام انتقادات حقوقية ودبلوماسية، ودعت أصوات دولية ومحلية إلى مراجعتها. كما تدخل رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان مطالباً بمعالجة الأحكام، ثم جرى نقضها عبر المسار القضائي. إلا أن موقف عبدالحي يوسف الرافض لفكرة إلغاء حكم قضائي بواسطة الحاكم التنفيذي يكشف عن توتر عميق بين السلطة التنفيذية العسكرية وبين التيارات الدينية التي ترى أن تطبيق الأحكام الشرعية يجب أن يخضع للإجراءات القضائية لا للإرادة السياسية. وهكذا أصبحت قضية الرجم مثالاً مركزياً على الصراع بين منطق الشرعية الدينية التقليدية، ومتطلبات حقوق الإنسان، واستقلال القضاء، وحسابات الدولة في زمن الحرب.

ويحلل المقال التداعيات الاجتماعية والحقوقية والسياسية لهذه العلاقة، ويضع المرأة في مقدمة الفئات المتضررة من استمرار بعض التشريعات ذات الطابع التمييزي، خصوصاً في مسائل الطلاق والحضانة وبعض العقوبات الجنائية. كما يرى أن فرض تصور ديني أحادي على دولة متعددة أدى تاريخياً إلى تعميق الانقسامات، وأن انفصال الجنوب يمثل المثال الأكثر وضوحاً على خطورة استخدام الدين بوصفه أساساً حصرياً للهوية السياسية للدولة. وفي الحرب الحالية، تتخذ الكلفة الإنسانية أبعاداً هائلة من القتل والنزوح والجوع وتعطيل التعليم وتدهور أوضاع الأطفال والنساء، بما يجعل استمرار الحرب المرتبط بالاستقطاب السياسي والأيديولوجي قضية تتجاوز الخلاف حول شكل الدولة إلى مأساة إنسانية شاملة. ويؤكد المقال أن استمرار بعض القوى في رفض التسوية السياسية، سواء لأسباب عسكرية أو أيديولوجية، يرفع الكلفة البشرية للصراع بصورة تفوق بكثير أي مكاسب سياسية محتملة.

ويربط المقال كذلك بين التوظيف السياسي للدين وبين العزلة الدولية. فاستضافة الجماعات المتشددة خلال عهد الإنقاذ، وتبني سياسات إسلامية متشددة، أسهما في العقوبات والعزلة التي أضعفت الاقتصاد السوداني وأعاقت اندماجه الدولي. وفي الحرب الراهنة، أدى ارتباط بعض التيارات الإسلامية بالحرب وبقوى إقليمية أو دولية إلى تعرض شخصيات وكتائب مرتبطة بها لعقوبات وضغوط خارجية. ويرى المقال أن استمرار نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة يمكن أن يمثل عقبة أمام العدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن إقصاء الإسلاميين بصورة مطلقة قد ينتج استقطاباً مضاداً ويعيد إنتاج الصراع على أساس ديني. ولذلك فإن التحدي ليس في استبدال هيمنة دينية بهيمنة أيديولوجية مضادة، بل في بناء نظام سياسي يسمح بالمشاركة لجميع التيارات ضمن قواعد دستورية تمنع احتكار الدولة باسم الدين أو باسم أي هوية أخرى.

وفي المقارنة الدولية، يميز المقال بين نماذج مختلفة للعلاقة بين الدين والدولة. فماليزيا تقدم نموذجاً يجمع بين الهوية الإسلامية الرسمية ووجود نظام قانوني مدني عام، مع تخصيص بعض مجالات الشريعة للمسلمين من خلال مؤسسات قضائية دينية محددة. وتركيا تمثل نموذجاً تاريخياً للعلمانية المفروضة من أعلى، ثم عودة تدريجية للرمزية الدينية إلى المجال السياسي دون إلغاء الإطار الدستوري العلماني بصورة رسمية. أما إيران فتمثل نموذج الدولة الدينية المؤسسية الشاملة، التي استطاعت الحفاظ على بنية نظام مستقرة نسبياً لكنها دفعت ثمناً مرتفعاً في الحريات والعلاقات الدولية والاقتصاد. ويستخدم المقال هذه المقارنات لإظهار أن السؤال لا ينحصر في الاختيار الثنائي بين دولة دينية ودولة معادية للدين، وإنما يتعلق بكيفية بناء علاقة دستورية تضمن حرية الاعتقاد والممارسة الدينية، وتحول دون استخدام الدين لاحتكار الدولة.

ويخلص التحليل المقارن إلى أن الصيغة الأكثر ملاءمة للسودان هي دولة محايدة دينياً، لا تعادي الدين ولا تفرض ديناً أو تفسيراً دينياً واحداً على المواطنين، وإنما تحمي حرية الاعتقاد والممارسة وتؤسس المواطنة على المساواة القانونية الكاملة. وتنبع أهمية هذه الصيغة من الطبيعة المتعددة للسودان دينياً وإثنياً وثقافياً ومن التجارب التاريخية المكلفة التي أظهرت أن تحويل الدين إلى معيار حصري للانتماء السياسي يؤدي إلى استبعاد قطاعات من المجتمع ويفتح الباب أمام صراعات جديدة. ووفق هذا التصور، يمكن للدين أن يحتفظ بدوره الأخلاقي والاجتماعي والثقافي في المجتمع، بينما تُمنع الدولة من استخدامه كأداة للهيمنة السياسية أو التمييز القانوني.

وتؤكد الخاتمة أن التجربة السودانية منذ المهدية مروراً بقوانين سبتمبر والإنقاذ وثورة ديسمبر والحرب الراهنة تشير إلى أن المشكلة الأساسية لم تكن في التدين الإسلامي نفسه، ولا في حضور الإسلام بوصفه مرجعية روحية وأخلاقية للأغلبية، وإنما في تحويل الدين إلى مصدر حصري للشرعية السياسية وإلى أداة لاحتكار السلطة والثروة وإقصاء المخالفين. فقد ظهرت أشد صور توظيف الشريعة السياسي في مراحل اتسمت بأزمات شرعية وضعف مؤسسات الدولة والصراع على السلطة، بينما ارتبطت نتائج هذا التوظيف بحروب وانقسامات وعزلة دولية وتدهور اقتصادي وانتهاكات للحقوق. وفي المقابل، أثبتت محاولات الإصلاح بعد الثورة أن إزالة بعض العقوبات والنصوص الرمزية لا تكفي ما لم تُعالج البنية القانونية والمؤسسية التي تسمح بإعادة إنتاج التمييز والتوظيف السياسي للدين.

وبناءً على ذلك، يرى المقال أن مستقبل السودان يتطلب عقداً دستورياً جديداً يفصل بين حرية الدين وبين احتكار الدولة باسم الدين، ويضمن المساواة الكاملة بين المواطنين، ويعيد بناء القضاء المستقل والمؤسسات المدنية، ويمنع إعادة إنتاج التمكين، ويضع الجيش والقوات المسلحة المختلفة تحت سلطة مدنية موحدة، ويتيح للقوى السياسية ذات المرجعيات الدينية المشاركة بوصفها أحزاباً مدنية لا بوصفها ممثلة حصرياً للإرادة الدينية. كما يتطلب هذا المسار معالجة جذور التهميش الاقتصادي والجغرافي والإثني، لأن القضاء على أسباب الصراع البنيوية أكثر أهمية من مجرد تغيير الشعارات الدينية التي تستخدم لتبريرها. وفي النهاية، يترك المقال مستقبل السودان معلقاً على قدرة القوى المدنية والمجتمعية والسياسية على تحويل تجربة الحرب إلى نقطة قطيعة مع دورة توظيف الدين والهوية في الصراع على السلطة، وبناء دولة تستوعب التدين الشعبي والإسلام السياسي وغيرهما ضمن قواعد ديمقراطية متساوية، بحيث يصبح الدين جزءاً من المجال المجتمعي والأخلاقي، لا سلاحاً لاحتكار الدولة، وتصبح المواطنة والمساواة وسيادة القانون أساس الشرعية السياسية الجديدة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

يطرح هذا المقال إشكالية مركزية ظلت تتكرر عبر تاريخ العالم الإسلامي الحديث دون أن تجد حسماً نهائياً: هل التمسك بالشريعة الإسلامية ظاهرة دينية-أخلاقية خالصة تعبّر عن التزام المجتمعات المسلمة بمرجعيتها العقدية، أم أنها في جوهرها التاريخي والوظيفي أداة سياسية توظَّف لإنتاج الشرعية واحتكار السلطة والثروة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست إجابة واحدة صالحة لكل زمان ومكان، بل هي إجابة مركّبة تتغير بحسب البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل مجتمع على حدة. وتمثل الحالة السودانية، بتعقيدها التاريخي الفريد وتشابك خيوطها الدينية والإثنية والاقتصادية والجيوسياسية، مختبراً بالغ الغنى لفهم هذه الديناميكية، إذ شهد السودان منذ عام 1983 وحتى اللحظة الراهنة من الحرب الأهلية المستعرة منذ أبريل 2023 كل أطياف العلاقة الممكنة بين الشريعة والدولة: من التطبيق القسري الفوقي، إلى الانقلاب العسكري باسم الدين، إلى محاولات الإصلاح الديمقراطي المحدودة، إلى الانتكاسة القضائية والعودة إلى تطبيق الحدود الشرعية في خضم انهيار مؤسسات الدولة وأثناء أسوأ أزمة إنسانية مسجَّلة في العالم اليوم، والتي أوقعت وفق تقديرات المبعوث الأمريكي والمنظمات الدولية ما يقارب 150 ألف قتيل حتى نهاية عام 2025، وقدّرت دراسات أكاديمية أخرى صادرة عن كلية لندن للصحة والطب الاستوائي أن الرقم الحقيقي في الخرطوم وحدها بين أبريل 2023 ويونيو 2024 قد يتجاوز 61 ألف قتيل، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الرقم الموثق رسمياً من قبل مشروع بيانات الصراعات المسلحة (ACLED)، مع تهجير أكثر من 11.8 مليون سوداني قسراً حتى نهاية 2024 وأكثر من 20 مليوناً يعانون الجوع الحاد بحلول 2025 (OCHA, 2024؛ NRC, 2024؛ Dabanga, 2025؛ ACAPS, 2026). هذه الأرقام الصادمة ليست تفصيلاً هامشياً بل هي الدليل الكمي الأوضح على أن توظيف الدين في الصراع على السلطة له كلفة إنسانية باهظة تتجاوز بمراحل حدود الجدل الفقهي المجرد.

يعتمد هذا المقال منهجية بحثية تجمع بين التحليل التاريخي-المقارن والتأطير النظري السوسيولوجي والسياسي، معتمداً على مصادر أولية وثانوية متنوعة: تقارير مراكز الفكر والسياسات الدولية (International Crisis Group، Chatham House، Brookings، Carnegie Endowment)، تقارير الوكالات الأممية الإنسانية (OCHA، UNHCR، ACAPS، WFP)، الدراسات الأكاديمية العربية والغربية في علم الاجتماع الديني والسياسي، الوثائق القانونية السودانية الرسمية، وتغطية وسائل الإعلام السودانية والدولية للأحداث الجارية حتى منتصف عام 2026. وقد رُتبت فصول المقال الاثنا عشر وفق منطق سردي-تحليلي تصاعدي يبدأ بالتأطير المفاهيمي العام، ثم ينتقل إلى السياق العالمي، فالتاريخ السوداني المتسلسل زمنياً من المهدية إلى الحرب الراهنة، وينتهي بتحليل التداعيات والمقارنات الدولية والدروس المستفادة، تماشياً مع أفضل ممارسات الكتابة العلمية التي توصي بالانتقال من العام إلى الخاص، ومن الخلفية إلى النتيجة، ومن الوصف إلى التحليل النقدي (Creswell & Poth, 2018؛ Yin, 2018).

الفصل الأول: من “الشريعة” فقهاً إلى “الشرعنة” سياسة — الإطار المفاهيمي والنظري

يستلزم أي تحليل علمي جاد لظاهرة “التمسك بالشريعة الإسلامية” التمييز المنهجي الدقيق بين ثلاثة مستويات متمايزة غالباً ما يُخلط بينها في الخطاب العام: المستوى العقدي-الأخلاقي الذي يشير إلى التزام الفرد المسلم بمنظومة القيم والعبادات في حياته الشخصية، والمستوى الفقهي-التشريعي الذي يشير إلى مدونة الأحكام المستنبطة من القرآن والسنة عبر قرون من الاجتهاد الفقهي المتعدد المذاهب، والمستوى السياسي-الأيديولوجي الذي يشير إلى توظيف هذه المرجعية الدينية في الصراع على السلطة والموارد داخل الدولة الحديثة. وقد طوّرت الأدبيات الغربية مصطلح “الأصولية” (Fundamentalism) لوصف هذا المستوى الثالث تحديداً، وهو مصطلح انتقل تاريخياً من سياقه الأمريكي البروتستانتي في مطلع القرن العشرين (1903-1914)، ثم من الحقل الكاثوليكي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، إلى حقل العلوم السياسية والاجتماعية عموماً، حيث استخدمه الباحث الفرنسي جاك ديبور لوصف “جماعة الكاثوليك الذين يرفضون كل تطور وجديد ويعلنون تمسكهم بالتراث” (المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 2023؛ Almond, Appleby & Sivan, 2003).

وتتقاطع في تفسير هذه الظاهرة أربع مقاربات نظرية رئيسة تستحق التوقف عندها بتفصيل أكبر. المقاربة الأولى هي نظرية الحرمان النسبي (Relative Deprivation Theory) التي صاغها عالم الاجتماع الأمريكي صموئيل ستوفر في أربعينيات القرن العشرين، ثم طوّرها لاحقاً تيد روبرت غور في كتابه المرجعي “لماذا يثور الناس” (Why Men Rebel)، وخلاصتها أن الحرمان المشترك، الفعلي أو المتخيَّل، حين تعجز المؤسسات الرسمية عن معالجته، ينتج سعياً جماعياً نحو التغيير عبر أطر بديلة تمنح الفاعلين إحساساً بالعدالة المفقودة، وتصبح الخطابات الدينية في هذا السياق أداة تعبئة فعّالة لأنها تعد بعدالة إلهية مطلقة تتجاوز عجز الدولة الوضعية (غربي، 2020؛ Gurr, 1970). المقاربة الثانية هي علم اجتماع الأصوليات كما طوّرها الباحث الفرنسي جان-غي فيلانكور، والتي تربط صعود الحركات الأصولية بحالة تهديد بالانحدار الاجتماعي أو تبدد آمال الترقي الطبقي، مصحوبة بشعور ثقافي بالإذلال أمام “الآخر” الحداثي، بحيث تتحول الأصولية إلى أداة لاستعادة الكرامة الجمعية عبر الرجوع إلى نموذج ديني متخيَّل نقي وخالٍ من شوائب الحاضر (تنوير، 2021؛ Fillieule, 2001). المقاربة الثالثة هي أطروحة “صراع الحضارات” التي بلورها صمويل هنتنغتون، والتي تشير الدراسات النقدية لها إلى أنها، رغم الجدل الأكاديمي الواسع حول صحتها التفسيرية، تحولت إلى نموذج فكري يرفع الأصوليون سقف تأثيرهم السياسي كلما استبطنوه، بحيث يغذي الاستقطاب العالمي التطرف المحلي في حلقة تغذية راجعة متبادلة (مسبار، 2022؛ Huntington, 1996). أما المقاربة الرابعة فهي تحليل النشأة الاجتماعية لمنظّري الإسلام السياسي، وعلى رأسهم سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، والتي تُظهر أن قواعد هذه الحركات التاريخية انحدرت غالباً من طبقة وسطى محافظة تشعر بالتهميش أمام التحول الاستهلاكي غير العادل الذي رافق الانفتاح الاقتصادي في مجتمعاتها، فتحول خطاب “العودة إلى الشريعة” إلى أداة احتجاج على الفساد والتفاوت الطبقي بقدر ما هو مشروع ديني خالص (نلكا، 2023؛ حفريات، 2022؛ Kepel, 2002).

من المهم التأكيد هنا على أن هذه الأطر النظرية الأربعة ليست متنافية بل متكاملة، إذ يمكن لعامل الحرمان الاقتصادي وعامل الهوية الثقافية وعامل الاستقطاب الجيوسياسي وعامل التعبئة التنظيمية أن تتفاعل معاً في آن واحد داخل السياق الواحد، وهو ما سيتضح بجلاء بالغ عند تحليل الحالة السودانية في الفصول اللاحقة، حيث تتداخل هذه العوامل الأربعة جميعها بصورة يصعب فصل بعضها عن بعض.

الفصل الثاني: جذور عالمية — كيف تحولت الهزيمة والنفط والثورة إلى وقود لصعود الإسلام السياسي

لا يمكن فهم صعود ظاهرة التمسك السياسي بالشريعة في العالم الإسلامي المعاصر بمعزل عن سلسلة من المنعطفات التاريخية الكبرى التي تضافرت لتصنع بيئة خصبة لهذا الصعود. فقد مثّلت هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل في يونيو 1967 لحظة تحول رمزية حاسمة، إذ دفعت قطاعات واسعة من المثقفين والجماهير العربية إلى التشكيك في جدوى المشاريع الأيديولوجية القومية والعلمانية التي هيمنت على المشهد السياسي منذ الاستقلال، وفتحت الباب أمام صعود الخطاب الإسلاموي بوصفه بديلاً “أصيلاً” غير مستورد من الغرب أو الشرق الشيوعي على السواء (نلكا، 2023؛ Kepel, 2002). وقد تعزز هذا المسار التاريخي بفعل ثلاثة عوامل متزامنة تقريباً: الطفرة النفطية التي أعقبت حظر النفط العربي عام 1973، والتي مكّنت المملكة العربية السعودية من تمويل تصدير نموذجها الديني الوهابي-السلفي عبر شبكة هائلة من المساجد والمدارس والمنح الدراسية والمؤسسات الخيرية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ والثورة الإيرانية عام 1979 التي أثبتت عملياً، وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، إمكان إسقاط نظام علماني قوي مدعوم غربياً (نظام الشاه) بواسطة خطاب ديني ثوري جماهيري، الأمر الذي شكّل صدمة إلهام لحركات إسلامية سنية وشيعية على حد سواء رغم الخلاف المذهبي العميق بينها؛ والجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفياتي (1979-1989) الذي أنتج شبكة عابرة للحدود الوطنية من المقاتلين والدعاة تلقوا تدريباً عسكرياً وتمويلاً غربياً وخليجياً، ثم عادوا إلى بلدانهم الأصلية حاملين معهم أيديولوجيا جهادية متشددة وخبرة قتالية ستشكل لاحقاً نواة تنظيمات مثل تنظيم القاعدة (نلكا، 2023؛ Rashid, 2000).

وتكشف استطلاعات الرأي العلمية الدقيقة أن التمسك بالشريعة، رغم انتشاره الواسع، ليس ظاهرة متجانسة أو ثابتة عبر العالم الإسلامي، بل يتفاوت تفاوتاً حاداً بحسب البنية السياسية التاريخية لكل دولة. فقد أظهر مسح شامل أجراه مركز بيو الأمريكي للأبحاث، شمل أكثر من 38 ألف مسلم في 39 دولة بين عامي 2008 و2012، أن أغلبية المسلمين حول العالم يعتقدون أن الإسلام هو الدين الحق الموصل إلى الحياة الأبدية، وأن الإيمان بالله ضروري ليكون الإنسان أخلاقياً، وأن كثيرين يرغبون في أن تصبح الشريعة القانون الرسمي لبلدانهم، لكن نسب هذا التأييد تتباين بصورة صارخة: من 78% في باكستان، الجمهورية الإسلامية ذات التاريخ الطويل من دسترة الشريعة، إلى 13% فقط في تركيا العلمانية تاريخياً منذ إصلاحات مصطفى كمال أتاتورك (Pew Research Center, 2013؛ NPR, 2013). وفي دراسة لاحقة أجراها المركز ذاته عام 2023، تبيّن أن 86% من مسلمي ماليزيا يؤيدون جعل الشريعة القانون الرسمي، مقارنة بـ64% فقط في إندونيسيا المجاورة، رغم التشابه الثقافي والجغرافي النسبي بين البلدين، ما يؤكد أن العامل الحاسم ليس التدين الفردي بحد ذاته بل البنية الدستورية التاريخية لكل دولة، إذ ينص الدستور الماليزي صراحة على أن الإسلام “دين الاتحاد”، بينما تتبنى إندونيسيا مبدأ “بانتشاسيلا” التعددي (Malay Mail, 2023). وترتفع نسب هذا التأييد بصورة استثنائية في الدول التي سبق أن رسّخت نظاماً دينياً مؤسسياً كأفغانستان والعراق، وهو ما يعكس ديناميكية “الاعتياد المؤسسي” حيث تتحول الشريعة المطبقة فعلياً إلى معيار مرجعي طبيعي في وعي الأجيال اللاحقة (Statista, 2023).

الفصل الثالث: من المهدية إلى مهرجان سبتمبر — السودان يكتب فصله الأول في معادلة الدين والسلطة

تمتد جذور علاقة السودان الخاصة والمعقدة بمسألة الشريعة إلى ما هو أبعد بكثير من العقود الأخيرة، إذ تعود بداياتها التاريخية إلى الثورة المهدية (1881-1898) بقيادة محمد أحمد المهدي، الذي استند في تعبئته الجماهيرية إلى رؤى صوفية-جهادية ممزوجة بادعاء المهدوية الدينية لمواجهة الاستعمار التركي-المصري الذي حكم السودان منذ عام 1821، مؤسساً بذلك نموذجاً مبكراً وبالغ التأثير لتوظيف الشريعة والخطاب الديني الجهادي في بناء الشرعية السياسية ومقاومة الهيمنة الأجنبية (سودانايل، 2025). غير أن الدولة المهدية سقطت عام 1898 أمام الحملة الأنجلو-مصرية بقيادة اللورد كيتشنر، لتدخل السودان مرحلة الحكم الثنائي البريطاني-المصري (1899-1956) التي حافظت على النظام القضائي المدني إلى جانب محاكم شرعية محدودة الاختصاص في قضايا الأحوال الشخصية فقط، دون أن تمسّ جوهر المنظومة القانونية العلمانية الموروثة عن الإدارة الاستعمارية.

بيد أن اللحظة الفاصلة حقاً في التاريخ السوداني الحديث، والتي تشكل نقطة الانطلاق الفعلية لهذا المقال، كانت إعلان الرئيس جعفر محمد نميري، في السادس من سبتمبر عام 1983، ما عُرف لاحقاً بـ”قوانين سبتمبر”، حين طبّق حدود الشريعة الإسلامية على مستوى الدولة كافة، بما فيها المناطق الجنوبية ذات الأغلبية غير المسلمة، ونصّب نفسه “إماماً للمسلمين” في احتفالية وُصفت بأنها “مهرجانية” الطابع أكثر منها التزاماً فقهياً متأنياً (سودان تربيون، 2016؛ سودانايل، 2025). وقد أجمعت الدراسات التحليلية اللاحقة على أن هذا القرار لم يكن نابعاً في جوهره من التزام عقدي صرف بقدر ما كان محاولة يائسة من نظام سياسي فَقَد شرعيته الشعبية بعد أكثر من عشر سنوات من الحكم الفردي المتصاعد الاستبداد، للبحث عن مصدر بديل للشرعية في الخطاب الديني، وهو ما عبّر عنه الكاتب السوداني المحبوب عبد السلام بقوله إن “قوانين سبتمبر لم تكن لتكون شيئاً في تاريخ السودان لولا أن حكم النميري يومها قد فقد مبررات وجوده بالكامل وطفق يلتمسها في الدين” (سودان تمورو، 2025). وقد انقسم المشهد السياسي السوداني حينها انقساماً حاداً: فبينما أيّد الشيخ حسن الترابي، زعيم الجبهة الإسلامية القومية، هذه القوانين ورأى فيها إنجازاً تاريخياً لمشروعه، عارضها الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، الذي ألّف من معتقله السياسي كتاباً بعنوان “العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي السوداني” نقد فيه أسلوب تطبيق النميري وتسرعه دون تهيئة اجتماعية أو قانونية كافية (إضاءات، 2019).

وقد بلغت مأساة هذه المرحلة ذروتها المفجعة في إعدام المفكر الإصلاحي محمود محمد طه، مؤسس تيار “الإخوان الجمهوريين” الذي دعا إلى قراءة تجديدية للنص الديني تميّز بين “الرسالة المكية” و”الرسالة المدنية”، وناصر التعايش السلمي مع الأديان الأخرى، والمساواة الكاملة بين الجنسين، وانتقد الوهابية، ودعا إلى حكم ديمقراطي اشتراكي فيدرالي، ورفض تطبيق العقوبات الجنائية الإسلامية (الحدود الشرعية) بصيغتها التاريخية الحرفية. فقد حكمت محكمة سودانية بردة محمود محمد طه عام 1968، وتكرر الحكم عام 1984 استناداً إلى قوانين سبتمبر التي عارضها بقوة طوال حياته، لينفَّذ فيه حكم الإعدام في يناير 1985، في واقعة أثارت سخطاً شعبياً وعالمياً واسعاً لا يزال صداه حاضراً في الذاكرة الجمعية السودانية حتى اليوم، ويُستشهد بها دائماً كأوضح مثال على الاستخدام القمعي للنص الديني في تصفية الخصوم الفكريين (إضاءات، 2019؛ منتدى العلماء، 2019). وبعد الإطاحة بحكم النميري في انتفاضة السادس من أبريل 1985، تجدد الجدل السياسي حول مصير قوانين سبتمبر، حين حاول الصادق المهدي، بصفته رئيس وزراء الحكومة الديمقراطية المنتخبة عام 1986 وصاحب الأغلبية البرلمانية، تعليق هذه القوانين المثيرة للجدل، إلا أن الترابي وحركته الإسلامية، رغم حصولهم على المرتبة الثالثة فقط بـ54 مقعداً في تلك الانتخابات، نجحوا في العمل كحزب معارضة ضاغط عطّل هذه المحاولة الإصلاحية بفعالية (منتدى العلماء، 2019).

الفصل الرابع: الإنقاذ تصنع دولة الحدود — القانون الجنائي 1991 وهندسة “التمكين”

شكّل انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، الذي قاده العميد عمر حسن أحمد البشير بالتحالف الوثيق مع الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي، وأطاح بالحكومة الديمقراطية المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، النقطة الفاصلة التي حوّلت المشروع الإسلامي السوداني من خطاب معارض إلى مشروع دولة شامل مكتمل الأركان (ويكيبيديا، 2019). فقد أرست حكومة “الإنقاذ الوطني” الوليدة مشروعاً طموحاً لأسلمة الدولة والمجتمع بكل مستوياته، تجسّد تشريعياً في القانون الجنائي لسنة 1991، الذي أصدره مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني في 31 يناير 1991 ليحل محل قانون العقوبات الموروث لسنة 1983، بهدف معلن هو “مواءمة القانون السوداني بشكل أوثق مع المبادئ الإسلامية ودمج عناصر الشريعة الإسلامية” (ويكيبيديا، 2024). وقد تضمّن هذا القانون ثلاث فئات رئيسة من الجرائم والعقوبات وفق التصنيف الفقهي التقليدي: جرائم الحدود الخطيرة التي حددها النص الشرعي مسبقاً كالسرقة والزنا والردة، وجرائم القصاص التي تُطبَّق غالباً في حالات القتل أو الإيذاء الجسدي وتسمح بالانتقام المتساوي أو التعويض المالي (الدية)، وجرائم التعزير الأقل خطورة والتي تُترك للسلطة التقديرية للقاضي (ويكيبيديا، 2024؛ مكتب اليسير، 2021).

ولم يقتصر مشروع الأسلمة على الجانب الجنائي فحسب، بل امتد إلى إعادة هيكلة شاملة للخدمة المدنية والعسكرية السودانية لتصبح محكومة بشكل كامل بشعارات الحركة الإسلامية ومنقادة تماماً بمنسوبيها، فيما عُرف لاحقاً بسياسة “التمكين”، وهي عملية منهجية لإحلال الكوادر الموالية للحركة الإسلامية في كل مفاصل الدولة الحساسة (الجيش، الأمن، القضاء، الخدمة المدنية، القطاع المصرفي، الجامعات)، بحيث تحول التمسك الرسمي بالشريعة عملياً إلى غطاء أيديولوجي شرعي لاحتكار السلطة والثروة الاقتصادية على مدى ثلاثة عقود كاملة، لا مجرد التزام تعبدي خالص كما كان يُروَّج له رسمياً (المصلح، 2022). كما امتدت جهود الأسلمة إلى القطاع المصرفي عبر محاولات تخليص المصارف من نظام الفوائد الربوية وإقرار الصيغ المصرفية الإسلامية البديلة كالمرابحة والمضاربة محلها، وإن كانت هذه المحاولات، بشهادة قادة التيار الإسلامي أنفسهم، لم ترتقِ إلى مستوى الطموحات المعلنة، إذ اعترف المهندس سليمان صديق بأن “تعلقت آمال كثير من الشعوب والحركات الإسلامية بالتجربة وقدمت لها الدعم المادي والمعنوي، غير أن الخلاف الذي حدث في صف الحركة بعد ذلك وكثافة الحملة الغربية أصاب البعض بخيبة الأمل” (سودان تمورو، 2025). ويكشف هذا الاعتراف الداخلي حقيقة جوهرية مفادها أن الخلاف السياسي على السلطة، لا الخلاف الفقهي حول تفاصيل تطبيق الشريعة، هو ما كان يتحكم فعلياً في مسار “ثورة الإصلاح القانوني” المعلنة، والتي توقفت عملياً عند حدود القانون الجنائي لسنة 1991 وبعض القوانين الاقتصادية المحدودة (سودان تمورو، 2025).

وقد أرست هذه الحقبة أيضاً علاقة السودان المضطربة مع المجتمع الدولي، حيث استضافت الخرطوم أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996 قبل طرده تحت ضغوط دولية متصاعدة، الأمر الذي أدى إلى إدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية عام 1993، وفرض عقوبات اقتصادية أمريكية شاملة استمرت لأكثر من عقدين من الزمن، ألحقت ضرراً بالغاً بمسار التنمية الاقتصادية وعزلت البلاد دبلوماسياً عن كثير من شركائها التقليديين خلال حقبة حاسمة من تاريخها الاقتصادي (Brookings, 2019).

الفصل الخامس: ثمن الأسلمة القسرية — كيف قادت الشريعة الموحدة إلى انفصال الجنوب

لعل أكثر التداعيات مأساوية وطولاً في الأمد لمشروع فرض الشريعة الموحدة على دولة سودانية متعددة الأديان والإثنيات والثقافات، هو دورها الحاسم في تأجيج الحرب الأهلية بين الشمال المسلم أغلبيةً والجنوب ذي الأغلبية المسيحية والوثنية التقليدية، والتي استمرت بصورتها الثانية (1983-2005) بالتوازي زمنياً تقريباً مع إعلان قوانين سبتمبر ذاتها، قبل أن تنتهي عملياً بانفصال جنوب السودان دولة مستقلة في التاسع من يوليو 2011 عقب استفتاء تقرير مصير تاريخي. وقد أوضحت الدراسات التحليلية أن الدين الإسلامي، وتحديداً محاولات فرضه القسري كمصدر وحيد للتشريع الوطني، استُغل كعنصر مغايرة سياسي واجتماعي مثّل وقوداً فعالاً لاشتعال هذه الحرب واستمرارها ستة عشر عاماً كاملة، وهي حرب استُنزفت خلالها موارد نفطية هائلة تجاوزت عائداتها سبعين مليار دولار أمريكي، دون أن ينعكس هذا الثراء النفطي تحسناً يُذكر في مستويات معيشة السودانيين، بل على العكس تماماً، إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 36% للفترة الممتدة بين عامي 1999 و2009، بينما لم تنخفض نسبة الفقر في أوساط السكان إلا بصورة طفيفة من 68% إلى 62% خلال الفترة ذاتها، وهو ما يكشف عن مفارقة صارخة بين الثراء الريعي واستمرار الحرمان الشعبي (سودانايل، 2026أ).

وفي مرحلة لاحقة، عشية توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بالخرطوم عام 2005 التي وضعت حداً لهذه الحرب الطاحنة ومنحت الجنوب حق تقرير المصير، تحول مركز الصراع تلقائياً نحو غرب السودان الغني بالذهب والثروة الحيوانية، وجنوب دارفور الغني بالنفط، عبر تبني جدلية الهوية الإثنية بديلاً عن جدلية المغايرة العقدية-الدينية هذه المرة، نظراً لأن غرب السودان كان قد سبق تاريخياً إنسان الوسط والشمال السوداني في اعتناق الإسلام، وتحديداً النسخة الصوفية المتسامحة منه، فتشكلت بذلك حرب دارفور (منذ 2003) على أساس عرقي-إثني أكثر منه ديني صريح، وإن ظل الاستقطاب الديني حاضراً في خلفيتها الأيديولوجية العامة (سودانايل، 2026ب). ويمثل هذا التحول درساً بالغ الأهمية في فهم ديناميكية الصراعات السودانية المتعاقبة: فحين تُغلق قناة توظيف عامل دين معين لانتفاء فعاليته (بعد انفصال الجنوب المسيحي)، يعاد إنتاج المعادلة ذاتها عبر عامل هوياتي بديل (الإثنية والقبلية)، ما يشير إلى أن جذر الأزمة السودانية العميق ليس الدين بحد ذاته، بل بنية اقتصاد سياسي مركزي إقصائي يحرم الأطراف الجغرافية من التنمية والمشاركة العادلة في السلطة والثروة، ويوظّف أي متغير هوياتي متاح (ديني كان أم إثنياً) لتبرير هذا الإقصاء وتغليفه أيديولوجياً.

الفصل السادس: ثورة ديسمبر وسراب الإصلاح — تعديلات حمدوك بين الرمزية والقصور البنيوي

مثّلت ثورة ديسمبر 2018 الشعبية، التي انطلقت شرارتها من مدينة عطبرة احتجاجاً على ارتفاع أسعار الخبز قبل أن تتحول إلى حراك وطني شامل أطاح بنظام البشير في أبريل 2019 بعد ثلاثين عاماً من الحكم، لحظة أمل تاريخية لإعادة النظر جذرياً في العلاقة بين الدين والدولة في السودان. فقد شهدت الفترة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء المدني عبدالله حمدوك موجة من الإصلاحات القانونية الجوهرية التي طالت بصورة مباشرة جوهر القانون الجنائي لسنة 1991، وأعلن عنها وزير العدل الانتقالي نصرالدين عبدالباري في يوليو 2020 ضمن حزمة سُميت “قانون التعديلات المتنوعة (الحقوق والحريات الأساسية) لسنة 2020″: إلغاء حد الردة كعقوبة جنائية واستبداله بمادة تجرّم التكفير فحسب، إلغاء عقوبة الجلد كنمط عام من العقوبة البدنية، تجريم ختان الإناث بعقوبات تصل إلى السجن ثلاث سنوات إضافة إلى غرامة مالية، منح المرأة السودانية حق اصطحاب أطفالها في السفر خارج البلاد دون اشتراط موافقة الزوج المسبقة، إلغاء المادة القانونية المتعلقة بـ”الزي الفاضح” التي كانت تُستخدم تاريخياً لملاحقة النساء تعسفياً، والسماح لغير المسلمين السودانيين بتداول المشروبات الكحولية وحيازتها وصناعتها واستهلاكها دون مساءلة جنائية، شريطة عدم تعاونهم مع مسلمين في هذا التداول (اليوم السابع، 2020؛ القدس العربي، 2020؛ Middle East Online, 2020؛ هوية بريس، 2020). ووصف رئيس الوزراء حمدوك هذه التعديلات في تغريدة رسمية بأنها “خطوة هامة في طريق إصلاح المنظومة العدلية”، مؤكداً استمرار عملية المراجعة الشاملة لإصلاح “كافة التشوهات في النظم القانونية السودانية” (اليوم السابع، 2020).

بيد أن هذا الإصلاح، رغم أهميته الرمزية التاريخية بوصفه أول تراجع تشريعي جوهري عن إرث الإسلام السياسي المؤسسي منذ عام 1983، ظل عند تقييم الجماعات الحقوقية والنسوية السودانية “غير كافٍ” بأي معيار جوهري، إذ أبقى بصورة لافتة على جوهر قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991 دون مساس يُذكر، وهو القانون الذي لا يزال، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، يحصر حق الطلاق حصراً بيد الرجل عبر كلمة واحدة يرميها في وجه زوجته (“أنتِ طالق”)، بينما يتعين على المرأة الراغبة في الطلاق، مهما بلغت معاناتها الزوجية، اللجوء إلى دعوى قضائية معقدة قد تستغرق سنوات طويلة دون ضمان الحصول على النتيجة المرجوة، وقد تتعرض خلالها لابتزاز الزوج الذي قد يماطل عمداً حتى يتأكد من تجاوز الزوجة سن الزواج مرة أخرى، فضلاً عن استمرار التمييز الصارخ في قضايا حضانة الأطفال (العربي الجديد، 2021). وقد أعربت الناشطة الحقوقية الدكتورة إحسان فقيري صراحة عن هذا الموقف بقولها إن “الأكثر إلحاحاً هو التغيير الكامل للقانون، بما يمنح المرأة كل حقوقها التي سلبت منها طوال العقود الماضية”، رافضة الاكتفاء بتعديلات سطحية جزئية (العربي الجديد، 2021). ويكشف تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن أعوان نظام البشير السابق، والجماعات السلفية المتحالفة معهم تاريخياً، والقوى اليمينية والتقليدية داخل المشهد السياسي السوداني، عرقلوا بصورة منهجية أي تعديل جذري لقانون الأحوال الشخصية “لمكاسب سياسية، ولتبقى النساء في قبضة مفاهيم دينية خاطئة”، وهو ما يفسر الفجوة الكبيرة بين سقف طموحات الثورة الشعبية وحصيلة الإصلاح التشريعي الفعلي المتحقق خلال الفترة الانتقالية القصيرة (Carnegie Endowment, 2021).

الفصل السابع: ازدواجية الروح السودانية — التصوف الشعبي في مواجهة تنظيم الإخوان السياسي

يستحيل فهم المحددات الخاصة بالحالة السودانية دون التوقف مطولاً عند حقيقة بنيوية جوهرية: تعايش نسقين دينيين متمايزين تاريخياً وسوسيولوجياً داخل المجتمع السوداني الواحد، وإن تقاطعا وتصادما أحياناً. النسق الأول هو نسق التدين الشعبي الصوفي الذي دخل السودان مع موجات الإسلام الأولى عبر التجار والصوفية الوافدين من مصر وشمال إفريقيا خلال القرون الوسطى، ووجد بيئة اجتماعية خصبة في مجتمع سوداني متعدد الثقافات، وترسّخ عبر عشرات الطرق الصوفية الكبرى التي تُقدّر بنحو أربعين طريقة، أشهرها القادرية التي جاء بها من العراق الشيخ تاج الدين البهاري، والشاذلية التي دخلت عبر مدينة بربر شمال السودان، والسمانية التي أسسها محمد بن عبد الكريم السمان في القرن الثامن عشر، والختمية التي أسسها محمد عثمان الميرغني وارتبطت لاحقاً سياسياً بحزب “الاتحاد الديمقراطي”، والتجانية التي وفدت من المغرب وعمّت إقليمي دارفور وكردفان في غرب السودان (ميداد، 2024؛ حفريات، 2023؛ سودانايل، 2025). وقد عملت الزوايا والخلاوي الصوفية تاريخياً كمراكز تعليمية وروحية واجتماعية متكاملة، حيث حُفظ القرآن الكريم، ودُرِّس الفقه، وأُديرت النزاعات المحلية عبر ما يُعرف بـ”المحاكم الصوفية” غير الرسمية، وقُدّم الدعم للفقراء عبر نظام تبرعات منظم، بحيث شكّل هذا النسق الديني اليومي هوية سودانية جامعة قائمة على التسامح والولاء الفطري للشيوخ والأولياء الصالحين، خالية نسبياً من العصبية والعنصرية والتحزب الحاد (رصيف22، 2020؛ حفريات، 2023).

أما النسق الثاني فهو نسق الإسلام السياسي التنظيمي الذي مثّلته الحركة الإسلامية السودانية بقيادة حسن الترابي، والمستمدة فكرياً وتنظيمياً من جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي تأسست عام 1928، والساعية إلى فرض تصور شمولي هرمي للدولة والمجتمع من أعلى عبر السيطرة على مفاصل السلطة والتشريع، خلافاً للنسق الصوفي اللامركزي القائم على الفعل الاجتماعي التطوعي من أسفل. وقد فشلت الحركة الإسلامية تاريخياً وبصورة قاطعة في اختبار صناديق الاقتراع الحر، إذ لم يفز الإخوان المسلمون بأي مقعد برلماني في انتخابات 1986 التعددية، بينما حصل فرع منشق عنهم (الجبهة الإسلامية القومية) على المركز الثالث فقط بـ54 مقعداً بعد الحزبين التقليديين الأمة والاتحادي، وهي نتيجة متواضعة دفعت قيادة الحركة، وفق تحليلات عدة، إلى اعتماد الانقلاب العسكري في 1989 بديلاً استراتيجياً عن المسار الديمقراطي البطيء لفرض مشروعها السياسي على مجتمع لم يمنحها تفويضاً انتخابياً كافياً (الراكوبة، 2025أ). وتشير دراسة حديثة نشرتها سودانايل حول “الانغلاق المؤسسي والحرمان النسبي” إلى أن كثيراً من التنظيمات السياسية السودانية، بما فيها ذات المرجعية الإسلامية نفسها، تشهد انشقاقات داخلية متكررة تفسَّر بإطار تحليلي يجمع بين غياب قنوات المشاركة الداخلية الديمقراطية والشعور الجمعي بالحرمان من فرص التأثير التنظيمي، وهي ديناميكية تنطبق بدقة على انقسامات الحركة الإسلامية السودانية ذاتها، والتي انشقت لاحقاً إلى فرعين رئيسين: حزب المؤتمر الوطني الحاكم بزعامة البشير، وحزب المؤتمر الشعبي المعارض بزعامة الترابي بعد خلافهما عام 1999 (بشرى، 2026).

الفصل الثامن: الحرب تعيد إنتاج الكيزان — كيف استثمر الإسلاميون فوضى 2023 لاستعادة النفوذ

يمثل اندلاع الحرب الكارثية بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) في الخامس عشر من أبريل 2023 منعطفاً حاسماً أعاد فتح الباب واسعاً أمام عودة التيار الإسلامي السوداني، المعروف شعبياً بـ”الكيزان”، إلى مواقع نفوذ فاعلة داخل مؤسسات الدولة، مستغلاً حالة الفوضى المؤسسية والاحتياج العسكري الماسّ للجيش النظامي إلى قوى بشرية مقاتلة إضافية، في حرب وصفتها المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بأنها تسببت، بحلول نهاية 2024، في تهجير أكثر من 11.8 مليون سوداني قسراً، منهم نحو 9.3 مليون نازح داخلي و2.5 مليون لاجئ خارج الحدود، فيما ارتفع عدد المتضررين بحاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية إلى ما يقارب 30 مليون شخص، أي نحو ثلثي سكان البلاد (OCHA, 2024؛ ACAPS, 2026). فقد وثّقت تقارير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) بدقة كيف عاد إسلاميو حقبة البشير المهمّشون سياسياً منذ ثورة 2019 ليهيمنوا على الوزارات الحساسة ومؤسسات الأمن داخل حكومة البرهان، وكيف عبّأوا ميليشيات مدربة جيداً، غالبيتها من ولايات نهر النيل والولاية الشمالية وكسلا، للقتال إلى جانب الجيش النظامي خصوصاً في معارك الخرطوم وأم درمان، حتى أن حلفاء البرهان أنفسهم أبدوا قلقهم من تصاعد فقدان الجيش السيطرة على تحالفه العسكري المتشظي، نظراً للعدد الهائل من الميليشيات المساندة له (Crisis Group, 2024).

وقد أكدت تحليلات معهد تشاتام هاوس البريطاني (Chatham House) هذا التوجه بتفصيل أكبر، مشيرة إلى أن الجنرال البرهان يخضع لضغوط متصاعدة من إسلاميين متشددين لمواصلة الحرب وعدم قبول أي تسوية سياسية، وعلى رأسهم علي كرتي، الأمين العام لحركة “الإسلاميين السودانيين” ووزير الخارجية الأسبق في عهد البشير، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه “العقل المدبر” الفعلي للحرب من الناحية الاستراتيجية، وقد أعلن صراحة رفضه القاطع لأي هدنة مع قوات الدعم السريع، بينما توفر الكتائب الإسلامية قوة بشرية مقاتلة أساسية للجيش، وتُحكم سيطرة التيار الإسلامي على وزارة الخارجية السودانية موقف الحكومة الدبلوماسي المتشدد في مسارات التفاوض الدولية (Chatham House, 2024). وقد وثّق التقرير ذاته أن أي مؤشر يبديه البرهان على استعداد للتفاوض “يُنسَف فوراً من قبل عناصر إسلامية في نظام البشير السابق، والتي تأمل بالعودة إلى السلطة على وقع انتصار عسكري للجيش” (Chatham House, 2024)، وهو نمط تكرر بوضوح حين رحّب البرهان حذراً بمقترح هدنة رمضانية أممية في مارس 2024، قبل أن تُجهض المبادرة عبر شروط تعجيزية أعلنتها وزارة الخارجية الخاضعة لنفوذ إسلامي والفريق أول ياسر العطا (Chatham House, 2024).

وعلى المستوى المحلي، وثقت صحيفة الراكوبة السودانية بتفصيل واسع عودة القضاة المحسوبين على حقبة “التمكين” إلى مواقعهم القضائية السابقة، وإعادة تعيين البرهان لعبدالله محمد الدرف، الناشط في حزب المؤتمر الوطني الإسلامي والذي شغل مناصب عدة في حكومة البشير، وزيراً للعدل، فضلاً عن إعادة جميع الموظفين المفصولين من المحكمة الدستورية خلال الحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك، ورفض تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير نفسه (معهد السياسة والمجتمع، 2025). وقد بلغ هذا التوجه ذروته الخطابية حين صرّح الداعية عبدالحي يوسف علناً، في تصريح أثار جدلاً واسعاً، بأن “هذه الحرب ساقها الله ليعيد للحركة الإسلامية ألقها وقوتها”، وهو تصريح فسّره العديد من المحللين السودانيين وأعضاء الأحزاب المعارضة بوصفه مؤشراً واضحاً على وجود تيارات إسلامية ترى في استمرار الحرب فرصة استراتيجية لإعادة إنتاج حضورها السياسي المفقود منذ 2019، ودعت هذه القراءات القوى المدنية إلى بناء جبهة سياسية موحدة تحدّ من عودة نفوذ الإسلاميين في مسار الصراع المستمر (معهد السياسة والمجتمع، 2025). وفي المقابل، تشير تقارير أخرى إلى وجود توترات ومفاوضات سرية بين جناح داخل الجيش بقيادة البرهان نفسه وقوات الدعم السريع، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية تُقصي التيار الإسلامي كلياً من المشهد المستقبلي، ما يعكس هشاشة هذا التحالف الظرفي وتوتره الداخلي البنيوي (Im Arabic، 2025).

الفصل التاسع: جمهورية نيالا الموازية — الدعم السريع وسؤال الشرعية البديلة

في مقابل مسار “أسلمة” الجيش الوصفي، سلك الطرف الآخر من الصراع، قوات الدعم السريع، مساراً مغايراً تماماً في بناء شرعيته البديلة، إذ أعلن تحالف “تأسيس” الذي تقوده هذه القوات وحلفاؤها المدنيون والمسلحون، في السادس والعشرين من يوليو 2025، تشكيل “حكومة تأسيس” الموازية ومقرها مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، في خطوة هدفت صراحة إلى ترسيخ شرعية سياسية بديلة في مناطق سيطرتها الواسعة بإقليم دارفور (الجزيرة نت، 2026؛ صوت الأمة، 2026). وقد اتخذت هذه الحكومة الموازية خطوات فعلية لإرساء بنية حكم مدني وقضائي مستقل، شملت تعيين رؤساء إدارات مدنية مسؤولين عن شؤون السكان والأسواق والإيرادات المالية في الولايات الثلاث لدارفور، ومحاكمات رمزية استهدفت قيادات الجيش النظامي، وعلى رأسهم البرهان والفريق أول ياسر العطا، في مقابل محاكمات مماثلة أجرتها حكومة بورتسودان الرسمية بحق قيادات الدعم السريع، فيما وصفه محللون بأنه “استخدام القضاء كأداة ضمن الصراع السياسي والعسكري أكثر من كونه مؤسسة مستقلة لتحقيق العدالة” (صوت الأمة، 2026).

والجدير بالتوضيح أن هذه الحكومة الموازية، خلافاً لمشروع الأسلمة الذي ميّز الحركة الإسلامية السودانية تاريخياً، لا تتبنى خطاباً شرعياً إسلامياً صريحاً بالمعنى الفقهي الدقيق، بل تسعى لبناء شرعية سياسية بديلة قائمة على خطاب “المواطنة المتساوية” و”العلمانية” في مقابل الجيش المتحالف مع الإسلاميين، وهو ما يفسر انضمام حزب المؤتمر الشعبي (الفرع المنشق عن الحركة الإسلامية بزعامة الترابي سابقاً، والمؤيد للحكم المدني) كمراقب في مؤتمر تحالف “تقدم” المدني بأديس أبابا في مايو 2024، في إشارة رمزية إلى أن الإسلاميين المؤيدين للحكم المدني يمكن أن ينضموا أيضاً إلى معسكر مناهضة الحرب (Chatham House, 2024). بيد أن تقارير أممية عديدة، نقلتها قناة DW الألمانية عن مسؤولين أمميين لم تُذكر أسماؤهم، أعربت عن مخاوف جدية من أن تشكيل هذه الحكومة الموازية قد يُفاقم تفتيت السودان جغرافياً وسياسياً بصورة دائمة، ويُقوّض الجهود الدبلوماسية الرامية لإحلال السلام الشامل، وهو تحذير يستدعي بالضرورة مقارنته بمصير الصومال بعد انهياره الدولاتي المريع في مطلع تسعينيات القرن الماضي (ويكيبيديا، 2019؛ Crisis Group, 2024). وقد شهد المشهد الداخلي لتحالف “تأسيس” ذاته توترات متصاعدة، إذ اعتقلت قوات الدعم السريع في أغسطس 2026 رؤساء الإدارات المدنية الثلاثة الذين عيّنتهم بنفسها في دارفور، وأودعتهم سجن كوريا بنيالا، وسط تساؤلات واسعة عن صراع نفوذ داخلي يعكس هشاشة بناء المؤسسات المدنية تحت سلطة عسكرية بحتة، مقترناً بتراجع ميداني ملموس لقوات الدعم السريع في شمال كردفان وغرب دارفور وتعثر حملات الاستنفار القبلية التي قادها نائب قائد الدعم السريع عبدالرحيم دقلو (الجزيرة نت، 2026).

الفصل العاشر: من فتوى إلى رجم — عودة الحدود الشرعية على وقع انهيار سلطة القضاء

تُجسّد الأشهر الأخيرة من عام 2025 ومطلع عام 2026 التجلي الأخطر والأوضح لعودة تطبيق الحدود الشرعية بحرفيتها التاريخية القصوى في السودان الراهن، إذ أصدرت محكمتان جنائيتان سودانيتان منفصلتان حكمين بإعدام امرأتين رجماً، استناداً إلى المادة 146 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 الخاصة بجريمة الزنا. فقد قضت المحكمة الجنائية بالحاج يوسف في شرق النيل بولاية الخرطوم بحري، في السادس عشر من ديسمبر 2025، بإعدام امرأة رجماً بعد دعوى رفعها زوجها متهماً إياها بإنجاب طفل ليس من صلبه، فيما أشارت تقارير حقوقية موثقة إلى أن المتهمة تعرضت لضغوط نفسية للاعتراف، وأن الحكم استند حصراً إلى اعترافها الوحيد دون إبلاغها بحقوقها القانونية الأساسية بحضور محامٍ (الغد السوداني، 2026). وصدر حكم مماثل في ولاية النيل الأزرق بمدينة الدمازين، لتُنقل السيدتان معاً إلى سجن النساء في أم درمان تمهيداً لتنفيذ الحكم (الصيحة، 2026).

وقد أثارت هذه الأحكام موجة استنكار حقوقي محلي ودولي واسعة النطاق، إذ أعرب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان وولفرام فيتر عن قلقه العميق من هذه التقارير، مؤكداً أن تنفيذ مثل هذه الأحكام “سيعكس تراجعاً خطيراً في أداء المنظومة القضائية السودانية”، وأن اعتماد هذا النوع من العقوبات “يشير إلى عجز المؤسسات العدلية عن حماية النساء والفتيات بما يتوافق مع الالتزامات الدولية التي صادق عليها السودان” (السودان اليوم، 2026). كما أفادت شبكة نساء القرن الإفريقي بأن هذه الأحكام تعكس “استمرار العمل بنصوص في القانون الجنائي لسنة 1991 تُستخدم بصورة متكررة ضد النساء والفتيات”، مشيرة إلى أن ظروف الحرب الراهنة تزيد من هشاشة أوضاعهن القانونية والاجتماعية بصورة مضاعفة (الصيحة، 2026). وقد حذّرت المحامية السودانية منى الطيب من أن أخطر ما قد يواجه القضاء السوداني في هذه المرحلة الحرجة هو اتهامه بإصدار أحكام تحت تأثير سياسي مباشر، مؤكدة أن الإصلاح الحقيقي يتطلب “تعديل التشريعات وليس الاكتفاء بالعفو”، وأن “غياب سلطة قضائية موحدة في ظل الحرب يزيد من مخاطر صدور أحكام دون ضمانات كافية” (الصيحة، 2026). وأمام هذا الضغط الحقوقي الدولي المتصاعد، وجّه رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان الجهات القضائية بـ”معالجة” أحكام الرجم، وهو ما أُعلن لاحقاً عن نقضه فعلياً عبر آلية قضائية استئنافية (الغد السوداني، 2026؛ عزة برس، 2026).

بيد أن رد الفعل الأبرز والأكثر دلالة على الديناميكية العميقة لهذه الأزمة جاء من الداعية الإسلامي البارز الشيخ الدكتور عبدالحي يوسف، الذي أكد في أول تعليق علني له أن “حكم القاضي لا يُلغيه الحاكم، وإنما يتم نقضه عبر قاضٍ مماثل له وفقاً للإجراءات القضائية المعروفة”، في تعبير صريح عن تمسك تيار ديني نافذ بحرفية استقلال القضاء الشرعي حتى في مواجهة تدخل رأس الدولة نفسه (النورس نيوز، 2026؛ الزاوية نت، 2026). ويكشف هذا الموقف بجلاء بالغ الأهمية عمق التوتر البنيوي القائم بين سلطة تنفيذية عسكرية تسعى لإدارة صورتها الدولية وسط حرب مستمرة، وبين تيار ديني-قضائي راسخ يرفض أي مساس بما يعتبره تطبيقاً حرفياً واجباً للنص الشرعي، بصرف النظر عن الكلفة الحقوقية أو الدبلوماسية المترتبة على ذلك.

الفصل الحادي عشر: تداعيات بلا حدود — المرأة والعزلة الدولية وكلفة توظيف الدين

تتوزع التداعيات المركّبة لظاهرة التمسك السياسي بالشريعة في السودان على مستويات متعددة ومتشابكة يصعب فصل بعضها عن بعض. فعلى المستوى الحقوقي المباشر، ظلت المرأة السودانية على الدوام الحلقة الأكثر تضرراً من استمرار العمل بنصوص القانون الجنائي لسنة 1991 وقانون الأحوال الشخصية، حيث لا تزال قضايا الطلاق والحضانة والميراث محكومة بعدم مساواة قانونية صريحة، ولا تزال عقوبات الحدود، كما تُظهر أحكام الرجم الأخيرة بجلاء مأساوي، قابلة للتفعيل الفوري في أي لحظة انفلات مؤسسي أو ضعف رقابي، خصوصاً في ظل الغياب شبه التام لاستقلال القضاء أثناء ظروف الحرب الراهنة (العربي الجديد، 2021؛ الصيحة، 2026). وعلى المستوى الوطني الأوسع، أسهم توظيف الشريعة كأداة أسلمة قسرية فوقية، كما فصّلنا في الفصل الخامس، في تأجيج الحرب الأهلية مع الجنوب غير المسلم إلى حد بعيد، وانتهى الأمر بانفصال جنوب السودان عام 2011، في أوضح دليل تاريخي ملموس على أن فرض تصور ديني أحادي على مجتمع متعدد الأديان والإثنيات يقود عملياً إلى تفكك الدولة لا توحيدها، وهو درس تاريخي بالغ الأهمية يبدو أنه لم يُستوعب بعد بصورة كافية من قبل الفاعلين السياسيين السودانيين الحاليين.

وتشهد الحرب الراهنة أرقاماً إنسانية غير مسبوقة تعكس الكلفة الفعلية لاستمرار الاستقطاب السياسي-الديني: فقد قدّرت دراسة علمية أجرتها كلية لندن للصحة والطب الاستوائي أن عدد الوفيات في الخرطوم وحدها بين أبريل 2023 ويونيو 2024 تجاوز 61 ألف حالة، منها أكثر من 26 ألف حالة عنف مباشر، بينما لم يتجاوز 90% من مجموع الوفيات في عموم البلاد حدود التوثيق الرسمي، ما يشير إلى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا أكبر بكثير من الأرقام المعلنة (NRC, 2024). وبحلول نهاية عام 2025، قدّر المبعوث الأمريكي الخاص والمنظمات الدولية عدد القتلى الإجمالي منذ اندلاع الحرب بما يقارب 150 ألف قتيل، فيما أشارت تقديرات أكاديمية أخرى إلى أرقام أعلى تتراوح بين 150 و400 ألف قتيل، مع تسجيل زيادة بنسبة 500% في حالات القتل والعنف الجنسي والتجنيد الموثقة داخل الجماعات المسلحة (Dabanga, 2025؛ Wikipedia, 2026). وبلغ عدد النازحين داخلياً واللاجئين خارج الحدود ما يقارب 12 مليون شخص بحلول نهاية 2025، فيما بلغ عدد الأطفال خارج المدارس 17 مليون طفل للعام الثالث على التوالي، وعانى نحو 4.9 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، في أزمة وصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم (OCHA, 2024؛ Dabanga, 2025). وتكشف هذه الأرقام الصادمة أن استمرار تغذية الحرب أيديولوجياً من قبل قوى ترفض أي تسوية سياسية، كما وثّقت تقارير تشاتام هاوس موقف علي كرتي الرافض قطعياً لأي هدنة، له كلفة إنسانية مباشرة تتجاوز بمراحل أي مكسب سياسي أو أيديولوجي يمكن تصوره.

وعلى المستوى الدولي والدبلوماسي، أدى تبني السودان تاريخياً لقوانين الحدود واستضافته الجماعات المتشددة في تسعينيات القرن الماضي إلى عزلة دبلوماسية طويلة الأمد وعقوبات اقتصادية أمريكية استمرت لعقود كاملة، ألحقت ضرراً بالغاً بمسار التنمية الاقتصادية والاندماج الدولي للبلاد (Brookings, 2019)؛ وتتكرر اليوم ديناميكية مشابهة بصورة لافتة، إذ فرضت الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر 2025 عقوبات مباشرة على شخصيات وكتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، وعلى رأسها جبريل إبراهيم وكتيبة البراء، بتهمة علاقتهم المباشرة بالحرس الثوري الإيراني وعرقلتهم المتعمدة لمسار السلام (الراكوبة، 2026). وعلى مستوى العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار المستقبلية، يمثل استمرار نفوذ التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة القضائية والأمنية والدبلوماسية عائقاً بنيوياً حقيقياً أمام أي مسار مصالحة وطنية شامل بعد انتهاء الحرب، إذ تخشى قوى مدنية سودانية عديدة، مجتمعة في تحالفي “تقدم” و”صمود”، أن يعيد الإسلاميون إنتاج نموذج “التمكين” السابق تحت غطاء عسكري جديد ومموّه، بينما يخشى الطرف المقابل من أن يفضي إقصاؤهم الكامل والقسري إلى استقطاب ديني-أيديولوجي إضافي يعمّق الانقسام الوطني بدلاً من تجاوزه (معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، 2025؛ Sudanleaks, 2025).

الفصل الثاني عشر: أي مستقبل للدين والدولة في السودان؟ من ماليزيا إلى تركيا ودروس المرحلة الانتقالية

يكشف التحليل المقارن العالمي لنماذج التوفيق بين الشريعة الإسلامية والدولة الحديثة عن تباين جوهري بالغ الدلالة يمكن أن يستضيء به المسار السوداني المستقبلي. فالنموذج الماليزي، الذي يحظى بتأييد شعبي واسع (86% وفق مسح بيو) لتطبيق الشريعة كقانون رسمي، نجح مع ذلك في تحقيق استقرار سياسي واقتصادي نسبي طويل الأمد عبر آلية دستورية دقيقة تُبقي تطبيق أحكام الشريعة الجنائية الصارمة محصوراً في نطاق الولاية القضائية للمحاكم الشرعية الخاصة بالمسلمين فقط، مع الحفاظ على منظومة قانون مدني عام موحد يحكم بقية المواطنين والمعاملات التجارية والدستورية العامة، وهو ما مكّن البلاد من الجمع بين هوية دينية معلنة واقتصاد حديث منفتح على الاستثمار الأجنبي (Malay Mail, 2023). في المقابل، يمثل النموذج التركي الأتاتوركي التاريخي أقصى نقيض ممكن، حيث فُرضت العلمانية الصارمة من أعلى عبر إصلاحات جذرية ألغت الخلافة العثمانية والمحاكم الشرعية معاً عام 1924، وإن شهدت تركيا لاحقاً، منذ صعود حزب العدالة والتنمية عام 2002، عودة تدريجية ومثيرة للجدل لتوظيف الرمزية الدينية في الخطاب السياسي دون المساس رسمياً بجوهر الدستور العلماني، ما يعكس أن العلمانية المفروضة قسراً من أعلى قد تخلق بدورها احتقاناً كامناً يعاود الظهور عند أول فرصة سياسية متاحة (Pew Research Center, 2013).

أما الحالة الإيرانية، فتمثل النموذج المقابل تماماً للنموذج التركي: دولة دينية شاملة مؤسسياً منذ ثورة 1979، أنتجت استقراراً سياسياً نسبياً على مستوى بنية النظام لكن على حساب انعزال دولي حاد وعقوبات اقتصادية خانقة استمرت لعقود، وقمع منهجي لحريات سياسية واجتماعية واسعة، وهو نموذج بالغ التكلفة الإنسانية والاقتصادية رغم متانته المؤسسية الظاهرية. وبالنظر إلى السودان تحديداً، فإن الصياغة الأكثر دقة لوصف واقعه الراهن والمرغوب مستقبلياً ليست “دولة ضد الدين” ولا “دولة دينية” بالمعنى الصلب لأي من النموذجين الإيراني أو السعودي، بل ما وصفته إحدى القراءات التحليلية الحديثة بـ”دولة محايدة دينياً تحمي حرية الاعتقاد وتمنع التوظيف السياسي للدين، وتبني المواطنة على أساس المساواة الكاملة بين جميع المكونات”، وهي صيغة تبدو الأكثر انسجاماً مع التعددية الدينية والإثنية والثقافية العميقة التي يتميز بها السودان تاريخياً، ومع تاريخه الطويل والمكلف من الصراع حول قضيتي الشرعية والهوية الوطنية الجامعة (سودانايل، 2026ج). ويخلص هذا التحليل المقارن إلى نتيجة جوهرية بالغة الأهمية: أن المشكلة السودانية التاريخية لم تكن يوماً في وجود التدين بحد ذاته أو في حضور الإسلام كمرجعية أخلاقية-روحية للأغلبية الساحقة من السكان، بل كانت دائماً في تحويل هذا الدين إلى معيار احتكار سياسي حصري للسلطة والثروة يُقصي الآخر المختلف دينياً أو إثنياً أو سياسياً، وهو تشخيص يحمل دلالات عملية بالغة الأهمية لأي مسار تفاوضي أو دستوري سوداني مستقبلي بعد انتهاء الحرب الراهنة.

خاتمة نقدية

يخلص هذا المقال، بعد استعراض تحليلي شامل ومفصل لتاريخ العلاقة بين الشريعة والدولة في السودان منذ الثورة المهدية وحتى الحرب الراهنة، إلى أن ظاهرة التمسك بالشريعة الإسلامية، في سياقها السوداني على وجه الخصوص، لا يمكن فهمها بمعزل عن معادلة الصراع على السلطة والموارد التي هيمنت على المشهد السياسي السوداني منذ الاستقلال عام 1956. فقد أثبتت الأدلة التاريخية والكمية المتراكمة، من قوانين سبتمبر 1983 إلى القانون الجنائي 1991 إلى أحكام الرجم في 2025-2026، مروراً بأرقام الضحايا والنازحين المهولة التي تجاوزت 150 ألف قتيل وأكثر من 11 مليون نازح منذ 2023، أن اللحظات التي شهدت أشد تشدد في تطبيق الحدود الشرعية أو أطول أمداً في تغذية الصراع المسلح كانت غالباً لحظات ضعف سياسي وأزمة شرعية عميقة للأنظمة الحاكمة أو الفاعلين المسلحين، لا لحظات صعود ديني أصيل نابع من إرادة شعبية جماعية متجددة. كما أثبتت التجربة السودانية بجلاء بالغ الوضوح أن كلفة توظيف الدين كأداة سياسية إقصائية باهظة للغاية: انفصال جنوب البلاد، حروب أهلية متعاقبة استنزفت أجيالاً كاملة من السودانيين، عزلة دولية طويلة الأمد وعقوبات اقتصادية خانقة، وأخيراً حرب أهلية شاملة منذ 2023 لا تزال تتغذى جزئياً على استقطاب أيديولوجي-ديني يرفض فيه بعض أطرافه أي تسوية سلمية.

بيد أن الإنصاف العلمي يقتضي أيضاً الإقرار بأن الحل ليس بالضرورة في نفي الدين كلياً عن الفضاء العام، وهو مسار قد يخلق احتقاناً مضاداً كما أظهرت التجربة التركية، بل في بناء صيغة دستورية توافقية تحترم التعددية الدينية والإثنية العميقة للمجتمع السوداني، وتمنع تحويل أي مرجعية دينية أو هوياتية إلى أداة احتكار سياسي إقصائي، على غرار ما نجحت فيه، بدرجات متفاوتة، تجارب دستورية مقارنة كالتجربة الماليزية. ويبقى السؤال الأهم مفتوحاً أمام السودانيين أنفسهم: هل ستنجح القوى المدنية السودانية، من “تقدم” إلى “صمود” إلى قوى إعلان المبادئ، في بناء تحالف سياسي واسع قادر على إنهاء الحرب وصياغة عقد اجتماعي جديد يتجاوز إرث سبعة عقود من توظيف الدين كسلاح في الصراع على السلطة، أم أن دورة العنف والاستقطاب الديني-الهوياتي ستتكرر مرة أخرى كما تكررت مراراً منذ استقلال البلاد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير السودان لأجيال قادمة، وستبقى قيد الاختبار العملي طوال المرحلة الانتقالية التي ستعقب حتماً انتهاء هذه الحرب المدمرة.

المراجع

المراجع العربية

  1. إضاءات. تاريخ الحركة الإسلامية في السودان. موقع إضاءات؛ 2019. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  2. الجزيرة نت. اعتقال رؤساء الإدارات المدنية بدارفور: صراع نفوذ داخل الدعم السريع؟ الجزيرة نت؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  3. الراكوبة. من البشير إلى البرهان: دور الكيزان في حرب السودان. صحيفة الراكوبة؛ 2025أ. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  4. الراكوبة. عودة الكيزان في السودان: تمكين جديد تحت غطاء الحرب أم تحالف هش نهايته الصدام؟ صحيفة الراكوبة؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  5. الزاوية نت. أول تعليق من عبد الحي يوسف على إلغاء حكم الرجم على سيدتين بتوجيه من البرهان. الزاوية نت؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  6. السودان اليوم. هل يعود التطرف في السودان؟ الاتحاد الأوروبي يعلّق على تقارير الرجم. السودان اليوم؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  7. الصيحة. أحكام رجم تشعل الجدل في السودان. صحيفة الصيحة؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  8. العربي الجديد. حقوق السودانيات: تعديل غير كافٍ لقانون الأحوال الشخصية. العربي الجديد؛ 2021. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  9. القدس العربي. قوانين جديدة في السودان تتضمن إلغاء حكم الردة والسماح للمرأة بالسفر مع أطفالها. القدس العربي؛ 2020. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  10. المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية. الأصولية. بغداد: المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية؛ 2023. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  11. المركز الديمقراطي العربي. غربي ه. نظرية الحرمان النسبي وأسباب التطرف والعنف. مجلة الدراسات الاستراتيجية للكوارث وإدارة الفرص. 2020؛ 1(4). تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  12. المركز الكردي للدراسات. حمو ط. منظرو الإسلام السياسي: الأفكار والنشأة الاجتماعية؛ 2023. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  13. المصلح. تجربة السودان في تطبيق الشريعة الإسلامية. مؤسسة المصلح؛ 2022. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  14. النورس نيوز. أول تعليق من عبد الحي يوسف على إلغاء حكم الرجم بحق سيدتين بتوجيه من عبدالفتاح البرهان. النورس نيوز؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  15. اليوم السابع. قرارات تاريخية لحكومة السودان: إلغاء قانون الردة وعقوبة الجلد وتجريم التكفير وختان الإناث. اليوم السابع؛ 2020. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  16. بشرى أ. الانغلاق المؤسسي والحرمان النسبي: نحو تفسير تشظي التنظيمات السياسية في السودان. سودانايل؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  17. حفريات. الإسلام السياسي: كيف تحولت آراء الفقهاء السياسية إلى شريعة؟ موقع حفريات؛ 2022. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  18. حفريات. الإسلام السياسي في السودان: خريطة الانتشار ومستقبل الخيارات. موقع حفريات؛ 2021. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  19. حفريات. صوفية السودان: نشر الدين وقيم التسامح والمحبة. موقع حفريات؛ 2023. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  20. سودان تربيون. السودان يعتزم تفعيل قانون يعود لحقبة قوانين سبتمبر في عهد جعفر نميري. سودان تربيون؛ 2016. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  21. سودان تمورو. الشريعة الإسلامية في السودان: من الشعار إلى التطبيق. Sudan Tomorrow؛ 2025. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  22. سودانايل. التصوف في السودان: بين التاريخ والتحديات المعاصرة. سودانايل؛ 2025. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  23. سودانايل. الدين والدولة في السودان: تاريخ طويل من الصراع الدستوري وتحولات الشرعية من منتصف الستينيات إلى تحالفات ما بعد الحرب. سودانايل؛ 2026أ. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  24. سودانايل. الهوية والدين: عللُ الصراع أم أدواته؟ سودانايل؛ 2026ب. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  25. سودانايل. السيد النور ن. السودان بين علمانية الدولة وعلمانية الحرب. سودانايل؛ 2026ج. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  26. صوت الأمة. عندما يحاكم الخصوم بعضهم بعضاً: قراءة في محاكمات قادة الدعم السريع. صوت الأمة؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  27. عزة برس. تدخل سيادي يوقف أحكام رجم أشعل نقاشاً واسعاً. عزة برس؛ 2026. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  28. كارنيغي للسلام الدولي. السودان: قانون الأحوال الشخصية وصراع الجماعات السلفية والقوى اليمينية. مؤسسة كارنيغي؛ 2021. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  29. مركز شؤون الأمن العالمي والدفاع. السودان بين خطاب الجيش وواقع الكيزان: كيف يُعاد إنتاج الإسلام السياسي بزي عسكري؟ IGSDA؛ 2025. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  30. معهد السياسة والمجتمع. الحركة الإسلامية داخل الصراع السوداني: إعادة هندسة النفوذ؛ 2025. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  31. مركز المسبار للدراسات والبحوث. صراع الأصوليات والحداثة الأوروبية. مركز المسبار؛ 2022. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  32. مكتب اليسير. القانون الجنائي السوداني لسنة 1991. Al Yassir Office؛ 2021. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  33. ميداد. التصوف في السودان: مظاهر حياة وتأثير على الشارع السياسي. موقع ميداد؛ 2024. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  34. منتدى العلماء. تاريخ الحركة الإسلامية في السودان. منتدى العلماء؛ 2019. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  35. نلكا. منظرو الإسلام السياسي: الأفكار والنشأة الاجتماعية. المركز الكردي للدراسات؛ 2023. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  36. هوية بريس. السودان: إلغاء حكم الردة وإباحة الدعارة والخمر. هوية بريس؛ 2020. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  37. ويكيبيديا. انقلاب 1989 في السودان. ويكيبيديا الموسوعة الحرة؛ 2019. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  38. ويكيبيديا. القانون الجنائي 1991 (السودان). ويكيبيديا الموسوعة الحرة؛ 2024. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  39. ويكيبيديا. قوانين سبتمبر 1983م. ويكيبيديا الموسوعة الحرة؛ 2010. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  40. ويكيبيديا. قوات الدعم السريع. ويكيبيديا الموسوعة الحرة؛ 2019. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  41. Im Arabic. الجيش السوداني والحركة الإسلامية: تحالف يتهاوى في زمن المساومات. Im Arabic؛ 2025. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  42. Middle East Online. السودان يقر قوانين ثورية منها إلغاء الردة وتجريم الختان. MEO؛ 2020. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026.
  43. Sudanleaks. تورط ممنهج: الحركة الإسلامية السودانية في قلب معادلة الفوضى والحرب. Sudanleaks؛ 2025. تاريخ الوصول: 18 أغسطس 2026. English References
  44. ACAPS. Explore Sudan’s Conflict, Displacement and Humanitarian Needs. Geneva: ACAPS; 2026. Accessed August 18, 2026.
  45. Almond GA, Appleby RS, Sivan E. Strong Religion: The Rise of Fundamentalisms around the World. Chicago: University of Chicago Press; 2003.
  46. Brookings Institution. Seizing Sudan’s Moment of Change: How Congress Can Help. Washington, DC: Brookings; 2019. Accessed August 18, 2026.
  47. Carnegie Endowment for International Peace. Sudan’s Personal Status Law and the Struggle of Salafi Groups and Right-Wing Forces. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2021. Accessed August 18, 2026.
  48. Chatham House. Sudan’s Forgotten War: A New Diplomatic Push Is Needed. London: Chatham House; 2024. Accessed August 18, 2026.
  49. Chatham House. A Strong Civilian Coalition Is Vital to Avert Sudan’s Disintegration. London: Chatham House; 2024. Accessed August 18, 2026.
  50. Chatham House. The War in Sudan Is Intensifying: Coordinated Pressure Is Needed to Prevent the Country’s Fragmentation. London: Chatham House; 2024. Accessed August 18, 2026.
  51. Creswell JW, Poth CN. Qualitative Inquiry and Research Design: Choosing among Five Approaches. 4th ed. Thousand Oaks: SAGE Publications; 2018.
  52. Dabanga Radio TV Online. The Tragedy of the Sudan War as Reflected in the Numbers for 2025. Amsterdam: Radio Dabanga; 2025. Accessed August 18, 2026.
  53. Fillieule O. Interview: Religious Fundamentalisms from the Perspective of Political Sociology. Tanwir; 2001. Accessed August 18, 2026.
  54. Gurr TR. Why Men Rebel. Princeton: Princeton University Press; 1970.
  55. Huntington SP. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster; 1996.
  56. International Crisis Group. Sudan: A Year of War. Brussels: International Crisis Group; 2024. Accessed August 18, 2026.
  57. International Crisis Group. Sudan’s Calamitous War: Finding a Path toward Peace. Brussels: International Crisis Group; 2025. Accessed August 18, 2026.
  58. International Crisis Group. Divided Sudan, Elusive Peace. Brussels: International Crisis Group; 2026. Accessed August 18, 2026.
  59. Kepel G. Jihad: The Trail of Political Islam. Cambridge: Harvard University Press; 2002.
  60. Malay Mail. Pew Survey: Nearly Nine in 10 Muslims Back Making Shariah Code Malaysia’s Official Law. Kuala Lumpur: Malay Mail; 2023. Accessed August 18, 2026.
  61. Norwegian Refugee Council. Sudan: World Ignores Countdown to Famine. Oslo: NRC; 2024. Accessed August 18, 2026.
  62. NPR. Pew Study: Many Muslims Believe in Mixing Mosque and State. Washington, DC: National Public Radio; 2013. Accessed August 18, 2026.
  63. Pew Research Center. The World’s Muslims: Religion, Politics and Society. Washington, DC: Pew Research Center; 2013. Accessed August 18, 2026.
  64. Rashid A. Taliban: Militant Islam, Oil and Fundamentalism in Central Asia. New Haven: Yale University Press; 2000.
  65. Statista. Where Do the Majority of Muslims Want Sharia? Hamburg: Statista; 2023. Accessed August 18, 2026.
  66. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. Sudan Humanitarian Update. Geneva: OCHA; 2024. Accessed August 18, 2026.
  67. Wikipedia. Sudanese Civil War (2023–present). Wikipedia, the Free Encyclopedia; 2026. Accessed August 18, 2026.
  68. Yin RK. Case Study Research and Applications: Design and Methods. 6th ed. Thousand Oaks: SAGE Publications; 2018.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

هل هانت روح الانسان الى هذا الحد؟ .. بقلم: حسن أبوزينب عمر
منبر الرأي
راحت عليكم .. بقلم: الفاتح جبرا
حتى لا يفقد الشعب الجزء المؤلم من ذاكرته .. بقلم: عبدالرحمن حسين دوسة
زاوية أخرى: حول الصراعات والنزاعات في السودان .. بقلم: البراق النذير الوراق
منبر الرأي
أصبحت أشتهي”الدلكة” و”الدخان” .. بقلم: نورالدين مدني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

طوارىء السلاح الطبى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان

محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي

٥ سنين اخري علي مصير الطالب محمد بقاري .. بقلم: حسن اسحق

طارق الجزولي
منبر الرأي

فوضى الأسواق قبل ان تتحول لقضية يصعب حلها

أمل أحمد تبيدي
منبر الرأي

الإنحياز الفاعل واجب الساعة .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss