باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 16 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل ود سهل
عادل ود سهل عرض كل المقالات

حين يرحل من لا يُعوَّض: مرثية الفارس و “دفّان الفقر‎”‎

اخر تحديث: 16 يوليو, 2026 3:40 مساءً
شارك

السوداني عادل ود سهل — المقيم ثلاثين عاماً في قطر —‏
‏ يُعزّي الشعب القطري في رحيل الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني
طيّب الله ثراه ورفع درجاته في الفردوس الأعلى

حين يرحل من لا يُعوَّض: مرثية الفارس و “دفّان الفقر‎”‎
‎
اللحظة التي توقف فيها نبض الحياة:‏
في صبيحة يومٍ من أيام يوليو 2026، توقّف قلبٌ كان يخفق منذ أكثر من سبعة عقود بحبٍّ ‏‏صادق لهذه الأرض، لشعبها، ولأمتها الإنسانية. وحين تتلقّى دولة بأسرها النبأ، وتتحوّل في ‏‏ساعاتٍ منصات التواصل كلها إلى دفتر عزاء مفتوح لا تنضب صفحاته، فاعلم أن الذي رحل ‏‏لم يكن حاكماً مرّ في دفاتر البروتوكول فحسب، بل كان ظاهرة إنسانية نادرة، وبانياً عظيماً لا ‏‏يُعوَّض غيابه، ولا يُسد فراغه بسهولة‎.‎

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني — طيّب الله ثراه — وخلّف في كل عين ‏‏دمعة، وفي كل صدر نفثة من حزن لا تُبدّده السلوى، ولا يُطفئه النسيان‎.‎

شهادتي الشخصية: سوداني في “كعبة المضيوم‎”‎
وأنا —عادل ود سهل — السوداني الذي حملته الأقدار إلى هذه البلاد قبل ثلاثين عاماً (عام ‏‏‏1996)، ووجد فيها وطناً ثانياً وأسرة ممتدة وكرماً لا ينضب، وعاش على هذه الأرض الطيبة، ‏‏وتنفس هواءها، وشرب من معين إنسانيتها ثلاثة عقود كاملة، راي خلالها بعينيه كيف يمكن ‏‏لرجل واحد أن يغيّر مصير وطن بأكمله، لا أملك في هذه اللحظة الحزينة إلا أن أُسجّل ‏‏شهادتي للتاريخ؛ شهادة مواطن أفريقي رأى بعينيه ما صنعه هذا الرجل العظيم، شهادة من ‏‏عاش لا من سمع، وشاهد معجزة التحوّل الكبرى خطوة بخطوة، ورأى كيف صعدت قطر ‏‏بثقةٍ وثبات نحو قمة مجدها‎.‎

حين قدمتُ إلى قطر عام 1996، كنت أحمل في داخلي — كأي وافد غريب — هواجس ‏‏الترقب وحذر المجهول، غير أنني اكتشفت سريعاً أن هذه البلاد ليست مجرد دولة حققت ‏‏الثراء والنهضة، بل هي مدرسة في احترام الإنسان وصون كرامته. وجدت شعباً مؤدباً، حيياً، ‏‏كريماً بطبيعته، يرحب بالوافد ويحتفي به ويتعامل معه بإخاء وتقدير، حتى يشعر أنه بين ‏‏أهله لا بعيداً عنهم‎.‎

ولم تكن تلك الأخلاق وليدة المصادفة، بل ثمرة نهجٍ رسخه قادة كبار آمنوا بأن قيمة ‏‏الأوطان تُقاس بمدى احترامها للإنسان، أياً كان أصله أو جنسيته أو لونه. ولذلك لم نشعر ‏‏نحن السودانيين يوماً أننا غرباء في قطر، بل وجدنا مكانة واحتراماً وتقديراً جعل كثيرين منا ‏‏يعتبرونها وطناً ثانياً بحق‎.‎

نحن أبناء السودان — الذين ساقتنا الأقدار إلى هذه الأرض الطيبة — جئنا إلى قطر ضيوفاً، ‏‏فوجدنا أنفسنا في مقام الإخوة، لم نشعر يوماً أننا غرباء، ورأينا بأعيننا كيف تُحفظ كرامة ‏‏الإنسان، وكيف يُصان حقه، وكيف يُعامل بما يليق بآدميته لا بجنسيته‎.‎

كان لنا مع هذا الرجل حكاية مختلفة، نعم كان لنا مع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة ‏آل ‏ثاني حكاية خاصة، لا يعرف تفاصيلها إلا من عاشها. فعلى كثرة أصدقاء السودان من ‏الحكام ‏والدول بين العرب والعجم، لم نعهد حاكماً أحب السودان والسودانيين وأحبوه، كما ‏أحبه ‏السودانيون. فقد كان السودان بالنسبة إليه أكثر من ملف سياسي أو قضية عابرة؛ كان ‏قضية ‏إنسانية حاضرة في وجدانه ورؤيته‎.‎

وقد تجلى ذلك في مواقف عملية ستظل محفورة في ذاكرة السودانيين، لا سيما في ملف ‏‏دارفور، حيث وقفت قطر سنوات طويلة إلى جانب أهل الإقليم، وبذلت من مالها وجهدها ‏‏ووقتها ما لم تبذله أياً من الدول الأخرى، فقد أنفقت ما يزيد على ملياري دولار في مشاريع ‏‏الإعمار والتنمية، ورعت مفاوضات السلام حتى تُوّجت بالتوقيع على وثيقة الدوحة للسلام ‏‏عام 2011‏‎.‎

ولقد رأينا بأعيننا الوفود السودانية وهي تقيم أشهراً طويلة، بل سنوات كاملة، في الدوحة، ‏‏تتنقل بين قاعات الحوار وموائد التفاوض، وبعضهم جاء بأسرته ورُزق بأبنائه على هذه ‏‏الأرض المباركة، وكل ذلك في ظل رعاية كريمة وضيافة لا تعرف المنّ ولا الأذى، ولا الإقرار ‏‏والمقابل، بل بصدر رحب وأمل لا ينقطع في أن يعود السلام إلى السودان ـ وإيمان صادق بأن ‏‏السلام يستحق الصبر والتضحية‎.‎

واليوم حين أتأمل تلك السنوات، أدرك أن ما كان يفعله الأمير الوالد لم يكن مجرد سياسة ‏‏خارجية أو دور دبلوماسي تقليدي، بل كان انعكاساً لمعدن إنساني نادر، وفلسفة راسخة ‏‏آمنت بأن الإنسان أولاً، وأن خير الأمم لا يقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تمنحه من أمل ‏‏للآخرين‎.‎

وللمواطن السوداني على هذه الأرض قيمة، واحترام، وقدر كبير. كيف لا، وقطر كانت بالفعل ‏‏ملاذاً ومأوى للمحتاج، وعوناً للمكروب، وسنداً للضعيف، وارضاً للسلام والمحبة، ولهذا لم ‏‏يكن غريباً أن تُعرف بين الناس بـ (كعبة المضيوم) فحقا هي كذلك، وقد وجد فيها ‏‏السودانيون من المحبة والتقدير ما جعل ذكراها مرتبطة في وجدانهم بمعاني الوفاء والكرم ‏‏والنبل‎.‎

لقد أحبّ الأمير الوالد السودان حباً صادقاً تجلّى في المواقف لا في البيانات الرسمية. كان ‏‏السودان في قلبه قضية إنسانية وشعباً يستحق السند. فكم وقفت قطر مع السودان في ‏‏أحلك لحظاته التاريخية! وكم بذلت لأجل دارفور من مالها، وجهدها، ووقتها سنوات طويلة ‏‏تحت رعاية الأمير الوالد مباشرة‎!‎

ما كان يصنعه الأمير الوالد لم يكن مجرد سياسة خارجية، بل كان فيضاً من معدن إنساني ‏‏نادر وعقيدة راسخة تقول إن “الإنسان أولاً‎”.‎

‏”دفّان الفقر”: الاسم الذي أطلقه الفقراء لا الدواوين:‏
الألقاب الرسمية يمنحها السلاطين وتصيغها بروتوكولات القصور، أما الألقاب التي يُطلقها ‏‏الضعفاء، والفقراء، ومجهولو الأسماء في أقاصي الأرض، فتلك هي النياشين الحقيقية التي ‏‏تبقى خالدة بعد أن تُنسى كل الأوسمة والدروع‎.‎

ولهذا، حين أطلق الناس على الأمير الوالد لقب “دفّان الفقر”، فإنهم لم يكونوا يمدحون ‏‏منصباً، بل كانوا يصفون حقيقة عاشوها في بيوتهم، وأجسادهم، وأرواحهم. فقد دفن الأمير ‏‏الراحل فقر بيوت وأسر وعوائل لا يعلم بها إلا الله؛ امتدت يداه البيضاء بسخاء إلى أقاصي ‏‏أفريقيا، وأحراش غاباتها، ومواطن العوز فيها، بلا منٍّ ولا أذى، وبلا صخب ولا ضجيج ‏‏إعلامي.

وتشاركت معه في هذا النبل وهذا المشروع الحضاري الإنساني رفيقة دربه وشريكة عمره، ‏‏سموّ الشيخة موزة بنت ناصر المسند، التي رعت التعليم المجاني في أرجاء القارة السمراء، ‏‏وأسّست المدارس والمستشفيات ودور رعاية الأطفال في المجتمعات المعدمة، لتنتشل ‏‏آلاف الأسر من وهدة الحرمان والجهل إلى ضوء المعرفة ونور الأمل‎.‎

قطر قبل وبعد الأمير الراحل: ‏‎”‎قصة تحوّل نادرة في التاريخ المعاصر‎”‎‏:‏
شهد التاريخ عبر حقبه المتلاحقة حُكّاماً ورثوا ممالك شاسعة، وإمبراطوريات تمتد على ‏‏آلاف الأميال، فأضاعوها بالاستبداد وقِصَر النظر والانفصال عن نبض الشعوب، حتى ‏‏صغرت — على اتساع رقعتها الجغرافية — في دفتر الإنجاز والحضارة. وفي المقابل، يأتي قِلّة ‏‏من القادة الكبار إلى أرض ضيّقة المساحة، وشعب يُعدّ بالألوف، فيعوّضون ضيق الجغرافيا ‏‏باتساع الرؤية، ويحوّلونها بالعلم، والجسارة، والقيم، وحبّ الآخرين إلى منارة كبرى للخير ‏‏والتلاقي والتأثير العالمي.

كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحداً من هؤلاء النادرين، بل كان في ‏‏طليعتهم وعنوان مجدهم‎.‎

تولّى مقاليد الحكم عام 1995 وقطر تبحث عن مكانها تحت الشمس، تكافح من أجل ‏‏الحضور والبقاء في عالم لا يرحم الضعفاء. وحين سلّم الأمانة لنجله الأمير تميم عام 2013 ‏‏‏— بإرادة ذاتية حرّة، في نموذج سياسي وأخلاقي نادر لم تعرفه منطقتنا — كانت قطر قد ‏‏تحوّلت إلى قوة إقليمية ودولية مؤثّرة، وإلى اسم يُهابه السياسيون، ويحترمه الزعماء، ‏‏ويقصده المظلومون والمحتاجون من كل أصقاع الأرض‎.‎

خلال ثمانية عشر عاماً من حكمه، حوّل الأمير الوالد “الغاز” إلى نفوذ، و “التعليم” إلى قوة، ‏‏و “الإعلام” إلى رسالة كبرى. وتقول الاحصائيات، خلال هذه الفترة فقد تضاعف الناتج ‏‏المحلي الإجمالي لقطر أكثر من أربعة وعشرين مرة، وارتفع دخل الفرد ست مرات، وقفزت ‏‏قيمة قطاع الهيدروكربونات (الغاز) من 11 مليار ريال إلى 403 مليارات ريال، ولكن، الأرقام ‏‏‏— مهما ضخمت — لا تحكي قصة حمد بن خليفة الحقيقية؛ لأن قصته الكبرى كانت دائماً ‏‏في “الإنسان”، لا في البترول ولا في الغاز‎.‎

البناء المؤسسي، كانت رؤيته هي فلسفة دولة لا مجرد مشروع حاكم:‏
ما يميّز الأمير الوالد عن كثير من القادة التاريخيين، أنه لم يبنِ لنفسه مجداً زائلاً، بل بنى ‏‏لدولته بقاءً شامخاً. لم يعمل لعصره وحسب، بل خطّ بيمينه مستقبل الأجيال القادمة عبر ‏‏فلسفة تجمع بين ثلاثة أركان: الإنسان أولاً … المعرفة أداة … والتأثير غاية‎.‎

ما شهدته بأم عيني خلال ثلاثين عاماً في قطر يمكن اختصاره في محطات كبرى ‏جسّدت رؤية الأمير الوالد لبناء الدولة الحديثة‎:‎

في الإعلام: أطلق قناة الجزيرة عام 1996، فصارت واحدة من أكثر المنصات الإعلامية تأثيراً ‏في العالم‎.

في التعليم: أسّس مؤسسة قطر والمدينة التعليمية، واضعاً الاستثمار في الإنسان والمعرفة ‏في مقدمة أولويات الدولة‎.

في الاقتصاد: حوّل ثروة الغاز إلى قاعدة للتنمية والرفاه وبناء المؤسسات‎.

في الدستور والقانون: أرسى دعائم الدولة الحديثة بإصدار أول دستور دائم للبلاد عام ‏‏2004‏‎.

وفي الرياضة: آمن مبكراً بقوة الرياضة في بناء صورة الأمم، فكان الطريق الذي قاد إلى ‏استضافة كأس العالم، وصولاً إلى مونديال 2022 الذي قدّم قطر للعالم في أبهى صورة ‏كعاصمة للرياضة والسلام. وحين ارتدى بطل العالم الارجنتيني “البشت القطري” أمام أنظار مليارات ‏البشر، تجسدت رؤية الأمير الوالد في أوضح صورها؛ حضور عالمي واسع مع اعتزاز كامل ‏بالهوية العربية والإسلامية، وكأن الرسالة تقول‎: ‎قطر منفتحة على العالم دون أن تنسى ‏جذورها‎.‎

كان – رحمه الله – حمامة سلام بأجنحة عملاقة: فانتهج فلسفة الوساطة الهادئة:‏
كان يمكن لقطر — بحجمها الجغرافي — أن تكتفي بحدودها وتستمتع بثروتها الهائلة وتنأى ‏‏بنفسها عن نزاعات المنطقة الصاخبة. لكن الأمير الوالد اختار لها دوراً مختلفاً وعظيماً؛ دور ‏‏حمامة السلام القوية الواثقة‎.‎

تنقّلت الدبلوماسية القطرية الإنسانية من دارفور إلى بيروت، ومن غزة إلى أفغانستان، ‏‏و تشاد، و جيبوتي، و إريتريا، و الصومال، و الكونغو، و رواندا، و بوروندي. كانت تتحرك بلا ‏‏أجندات خفية، تبني الجسور حيث تهاوت الجسور، وتعالج جذور المشكلات لا أعراضها ‏‏السطحية‎.‎

وفيما يخصّ فلسطين —درة القضايا التي سكنت قلبه ووجدانه — لم تكن مواقفه ‏‏شعارات برّاقة، بل حراكاً فعلياً على الأرض. وكان أول زعيم عربي يكسر حصار غزة عام ‏‏2012 ‏حاملاً منحة إعمار وبناء وتثبيت للأهالي. وظلت قولته الشهيرة في أحلك الظروف: ‏‏”حسبنا ‏الله ونعم الوكيل” صرخة حق في وجه الظلم، نابعة من قلب مؤمن لا يهاب في ‏الحق لومة ‏لائم‎.‎

تسليم السلطة: الدرس الأنبل في عالم الكراسي:‏
في يوم الخامس والعشرين من يونيو 2013، وقف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة ‏‏أمام شعبه والعالم، ليُعلن — من تلقاء نفسه، وبإرادة حرة زاهدة — تسليم مقاليد الحكم ‏‏لولي عهده الأمين الشيخ تميم بن حمد‎‎.‎

أعلن في كلمته التاريخية أنه لم يُرد السلطة غاية في ذاتها، وأن مصلحة الوطن تقتضي فتح ‏‏صفحة جديدة يقودها الشباب بآفاقهم وطاقاتهم. في عالم يتشبث فيه القادة بكراسيهم ‏‏حتى تنهار الأوطان من حولهم، جاء هذا الموقف ليكون درساً سياسياً وأخلاقياً بليغاً وعميقاً؛ ‏‏أثبت فيه هذا الرجل الكبير أنه بنى دولة لتبقى، لا حكماً ليدوم‎.‎

لا يغيب الحاكم ولا يزول أثره ما دام قد سلّم الأمانة ليدٍ أمينة تحفظ العهد وتكمل ‏‏المسير‎.‎

‎
الوداع الأخير: دموع أمة، رصدها شاهد على العصر:‏
لم يكن بكاء القطريين والوافدين يوم رحيله بكاء العادة والبروتوكول، لقد كان بكاءً ‏حقيقياً ‏يفيض بالمرارة والامتنان، بكاء من يودّع والداً وأباً حانياً بسباطته، ودماثته، وصبره، ‏وعطائه ‏بلا تكلّف‎، تحوّلت منصات التواصل في ساعات إلى دفتر عزاء يفيض بالمحبة والامتنان ‏والصدق، قد ترى شباب لم يعاصروا بدايات النهضة، لكنهم كتبوا عنه كمن كانوا شهوداً على ‏كل قرار، لأنهم يعيشون اليوم في جامعاتهم ومستشفياتهم وطرقاتهم وعلى أرضيّة الأمن ‏والكرامة التي بناها لهم، وهذا هو الميزان الحقيقي للقادة العظماء: لا يُقاس إرثهم بعدد ‏سنوات الحكم، بل بقدرة الأجيال اللاحقة على رؤية آثار قراراتهم في تفاصيل حياتها اليومية‎.‎

فالأرقام مهما عظمت تبقى أرقاماً، أما الرجال فيقاسون بالأثر الذي يتركونه في القلوب، ولهذا ‏بكى القطريون ذلك اليوم مرحلةً كاملة من حياتهم، بكوا الرجل الذي رأوا في عهده أحلامهم ‏تتحول إلى واقع، والذي جعل أبناء قطر يشعرون بالفخر حين يذكرون اسم بلادهم في أي ‏مكان من العالم‎.‎

لقد رحل الفارس المعطاء المسماح الصالح، وتوقف ذلك القلب الكبير الذي احتمل في جلد ‏‏وصبر مشهود كل عذابات هذا العصر، وأرهقته وعثاء الحروب، والمؤامرات، وظلم الأقارب ‏‏والأباعد، فما لانت له قناة، وما وهنت له عزيمة، ولم يرتفع صوته يوماً بمغاضبة أو شكوى‎.‎

إن عزاءنا الموشح بالصبر الجميل، أن الأمير الوالد لم يترك خلفه فراغاً؛ لقد ترك دولة ‏‏شامخة، ومؤسسات راسخة، وشعباً متلاحماً، وأبقى من ورائه حضرة صاحب السمو الشيخ ‏‏تميم بن حمد آل ثاني — حفظه الله — الفياض بالعلم، والحكمة، والتواضع، ليكمل ‏‏المسيرة ويحمل الراية بكل أمانة واقتدار، فكأنما الأب الراحل يقول لنا: “أنا لا أرحل ما دام ‏‏الأثر باقياً، والوريث حاملاً للأمانة‎”.‎

وعندما انفضّ الجمع عن ذلك القبر الطاهر المبارك، ورُسم على الشاهد بخط واضح جميل: ‏‏‏”هنا يرقد المغفور له الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني”، جللت الآية الكريمة ذلك المشهد ‏‏المهيب لتلخَص سيرة رجل غيّر التاريخ‎:‎

‏ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ‏‏وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)‏

وداع من أحبّ السودان ولم يطلب شكراً:‏
يا أيها الأمير الوالد الراحل، لم يكن السودان على امتداد تاريخه المرير يعرف حاكماً خارجياً ‏أحبّه كما أحبّك، ولم يعرف مُعطياً أعطاه كما أعطيته — بلا شرط ولا ثمن ولا رفع صوت ‏بعتاب أو حساب. وأنا — ابن السودان المقيم على أرضك ثلاثين عاماً — لا أستطيع إلا أن ‏أشهد بما رأيت وما عشت وما وجدت، وجدت في قطر شعباً يكرم الوافد كما يكرم ابنه، ‏ووجدت دولة تُنصف المظلوم قبل أن يطلب، ووجدت في سيرة هذا الرجل برهاناً على أن ‏الأرض — مهما ضاقت — تتسع للعطاء حين يسكنها قلب كبير‎.‎

اللهم اغفر للشيخ الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني وارحمه، وتقبّله بواسع رحمتك، ‏‏وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأسكنه فسيح جناتك مع الصديقين ‏‏والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، واجزه عن قطر، وعن العرب وعن أفريقيا وعن السودان، وعن ‏‏فلسطين وعن الأمة العربية والإسلامية، وعن كل نفس مكلومة مدّ لها يده بالخير، خير ‏‏الجزاء‎.‎

وإن كانت الأوطان تُقاس برجالها، فإن قطر اليوم تقول للعالم: قد مرّ من هنا رجلٌ صنع ‏‏التاريخ‎.‎

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‎.‎

✍️ بقلم: عادل ود سهل ‏
‏ (مواطن سوداني مقيم في قطر منذ ثلاثين عاماً)‏
يوليو 2026‏
💥💥💥
دكتور عادل سهل أستاذ الكيمياء بجامعة قطر

mamdouh@althanilawfirm.com

الكاتب
عادل ود سهل

عادل ود سهل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الشعب السوداني مهمش ، مغيب ومحتقر من القيادات .. بقلم: شوقي بدري
منبر الرأي
زمان الفقاعات المنفجرة … بقلم: د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم
منبر الرأي
الإرهاق الخلاق: الإنقاذ تطفئ شمعة (1990) والمعارضة تلعن الظلام. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
منبر الرأي
المنسيون في كريهة السودان
منبر الرأي
كتاب البشير ؟ .. بقلم: ثروت قاسم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مجلس الأمن يناقش التعجيل في سحب بعثة يوناميد من دارفور: سلامة وأمن المدنيين في دارفور لا ينبغي ان يكون عرضة للمساومات السياسية

طارق الجزولي
منبر الرأي

المواطنة ومنهجية التحول الديموقراطي (31) .. بقلم: عبدالله محمد أحمد الصادق

طارق الجزولي
منبر الرأي

النيابة والشرطة والقضاء علاقات تناحر ام تعاون؟ .. بقلم: عبد العزيز التوم ابراهيم

طارق الجزولي
منبر الرأي

إلى أين تسوقنا الجبهة الثورية ؟؟ .. بقلم: د. علي بابكر الهدي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss