حين يصبح الضحية مجرمًا في أعين الإعلام: الجنوب سودانيون تحت مقصلة الخطاب السوداني بقلم: لوال كوال لوال يعيش الخطاب الإعلامي السوداني – على الأقل في شقه السائد على منصات التواصل الاجتماعي – أزمة أخلاقية وفكرية عميقة حين يتناول إنسان جنوب السودان. فمعظم الكتّاب والصحفيين، بمن فيهم أسماء كبيرة على “التايم لاين”، انخرطوا في حملات تحريض مكشوفة ضد الجنوبيين، تحت ذريعة أنهم يقاتلون في صفوف قوات الدعم السريع، متناسين – أو متجاهلين عمدًا – أن الجنوبيين يقاتلون اليوم في صفوف الطرفين المتحاربين معًا. هذه ليست ظاهرة طارئة. فمنذ حرب الجنوب، عمل الجيش السوداني على تأسيس ميليشيات جنوبية موالية له، قاتلت جنبًا إلى جنب مع القوات الحكومية ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان. أسماء مثل فاولينو ماتيب، عبد الله أشوال، محمد شول الأحمر، صموئيل قاي توت، كلمنت واني، وعبد الباقي أكول… كلها شواهد على مرحلة كان فيها لهذه الميليشيات مكاتب رسمية داخل القيادة العامة في الخرطوم، تحت إشراف الاستخبارات العسكرية، وقادت معارك شرسة ضد قوات الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان SPLM/ SPLA. بعد اتفاقية السلام الشامل، واصل الجيش السوداني تمويل هذه المجموعات بالسلاح والمال لزعزعة استقرار جنوب السودان. أحداث إستاد ملكال عام 2006 بقيادة الميليشي قبريال تانقنيانق لم تكن إلا واحدة من حلقات هذا المخطط، وأسهمت في تكريس عدم الاستقرار الأمني بولاية أعالي النيل. وبعد الانفصال، لم يتوقف المشهد؛ إذ دعمت الخرطوم ميليشيات عبد الباقي أكول وأبنائه، وبافنج منتويل، وفيتر قديت ياك، في إذكاء الصراع بين الرئيس سلفاكير ونائبه د. رياك مشار، بل قدمت دعماً لوجستيًا لمشار في حربه ضد حكومة جوبا. حتى بعد اتفاقية سلام 2018، واصل الجيش السوداني احتضان فيتر قديت ياك وتمويله، بل أرسل ميليشياته للقتال في اليمن ضمن القوات السودانية المشاركة في التحالف العربي بقيادة السعودية، حيث لا تزال هذه العناصر هناك حتى اليوم. ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان بين الجيش والدعم السريع، انقسمت هذه الميليشيات بين الطرفين: فالأغلبية مالت نحو الدعم السريع بأسلحتها التي وفرها لها الجيش السوداني، بينما انحاز جزء آخر للجيش بقيادة اللواء توماس ثيل ملوال أواك (التوم الزين) المنحدر من ولاية واراب. الخلاصة أن كل هذه الميليشيات هي من صناعة نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية والاستخبارات العسكرية السودانية، وأن الشعب السوداني اليوم يحصد ثمار ما زرعته مؤسساته الأمنية. لكن بدلاً من الاعتراف بهذه الحقيقة، يواصل بعض الصحفيين والمعلقين إشعال النيران بخطابات عنصرية واستعلائية، وصلت حد وصف الجنوبيين بـ”العبيد”. إن الإعلام الذي يختار شيطنة الآخر وتبرئة الذات، لا يصنع وعيًا، بل يغذي دائرة الدم والكراهية. وإذا كان إنسان جنوب السودان قد تحرر سياسيًا من سلطة الخرطوم، فإن التحرر من عقدة الاستعلاء والوصاية لا يزال معركة لم يخضها الإعلام السوداني بجدية حتى الآن. إن التجارب المريرة بين الشمال والجنوب علمتنا أن الحرب لا تبدأ من فوهة البندقية فحسب، بل من الكلمة التي تحرض، والصورة التي تشوّه، والخطاب الذي يزرع الكراهية في العقول. وما لم يتوقف الإعلام السوداني عن إعادة إنتاج خطاب الاستعلاء وشيطنة الآخر، فإننا سنظل أسرى تاريخٍ يعيد نفسه بأشكال جديدة، حيث تتحول الضحية إلى متهم، ويُبرَّأ الجلاد باسم الوطنية الزائفة. السلام الحقيقي يبدأ حين نعترف بالحقائق، ونكف عن صناعة الأعداء من جيراننا، وندرك أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ.
lualdengchol72@gmail.com
لوال كوال لوال
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم