حين يصمت القلم مؤقتًا: حاشية في علم الفرائض وتعصيب الأنثى

aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

صباح اليوم وصلتنا رسالة نصية من مولانا حسين الفكي، قاضي المحكمة العليا، والكاتب الراتب في كثير من المنصات، أفادنا فيها بأنه قرر التوقف عن الكتابة اعتبارًا من تاريخ 27/12/2025م، وذلك لحين إجراء عملية إزالة المياه البيضاء من عينه الكريمة بمستوصف دبي الدولي الطبي الخاص.

وفي هذا المقام، نسأل الله له تمام العافية، ونجاح العملية، والشفاء العاجل، وأن يعود سريعًا إلى محرابه المحبب: الدواية والقلم، ليواصل كتاباته الراتبة التي ألفناها واستفدنا منها كثيرًا.
اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقمًا، قادر يا كريم.

وخلال الفترة الأخيرة، حدّثنا مولانا حديث العالِم الخبير عن علم الفرائض (المواريث)، ذلك العلم الجليل الذي ورد في الأحاديث النبوية أنه أول علم يُنسى أو يُرفع من الأمة، وهو العلم المختص بقسمة التركات بين الورثة. وقد حثّ النبي ﷺ على تعلّمه وتعليمه، واعتبره نصف العلم، لما له من أهمية عظيمة في تحقيق العدل وصيانة الحقوق.

وفي آخر مداخلة لي حول كتاباته في هذا الخصوص، تقدّمتُ إلى مولانا بطلبٍ خاص أن تتضمن مقالاته أمثلة عملية تُقرّب مسائل الميراث للقارئ، وقد وعدنا بذلك مشكورًا. وبما أنه سيتوقف عن الكتابة لبعض الوقت، نستأذنه – بما لدينا من معارف محدودة في هذا العلم الواسع – أن نكتب حاشيةً توضيحية على مقالته الراتبة حول الميراث، مع إيراد بعض الأمثلة المتعلقة بمسألة تعصيب الأنثى.

فهل ترث الأنثى بالتعصيب؟
نعم، يجوز أن ترث الأنثى بالتعصيب في حالات محددة في الفقه الإسلامي، وهذا أمر مقرر عند جمهور الفقهاء، وليس استثناءً أو خطأً شائعًا.

التعصيب هو أن يرث الوارث ما بقي من التركة بعد أصحاب الفروض، أو يرث كل التركة إذا لم يوجد صاحب فرض، دون تقدير نصيب محدد.

صور تعصيب الأنثى:
ترث الأنثى بالتعصيب في ثلاث صور رئيسية:

أولًا: التعصيب بالغير
وهو أشهر الحالات، مثل:

  • البنت مع الابن
  • الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق
  • الأخت لأب مع الأخ لأب
    وفي هذه الحالة يكون الحكم:
    للذكر مثل حظ الأنثيين
    فتكون الأنثى عاصبة مع الذكر.
    ثانيًا: التعصيب مع الغير
    وهو خاص بالإناث، مثل:
  • الأخت الشقيقة مع البنت
  • الأخت لأب مع البنت
    وهنا:
  • تأخذ البنت فرضها (النصف أو الثلثين)،
  • وتصبح الأخت عاصبة وتأخذ الباقي.
    ثالثًا: التعصيب بالنفس (وهو نادر بالنسبة للإناث)
    والأصل أن التعصيب بالنفس للذكور، غير أن هناك حالة واحدة للأنثى، وهي:
  • المرأة المعتِقة (التي أعتقت عبدًا)، فترثه بالتعصيب عند عدم وجود ورثة.

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن هذا الأمر أصبح غير متاح الآن، إذ انتهت العبودية في السودان سنة 1924م.

أمثلة توضيحية

  • توفي شخص وترك: بنت + أخت شقيقة
    ➝ البنت تأخذ النصف
    ➝ الأخت الشقيقة تأخذ الباقي تعصيبًا مع الغير
  • توفي شخص وترك: ابن + بنت
    ➝ يرثان بالتعصيب بالغير
    ➝ للذكر مثل حظ الأنثيين
    وبذلك يمكننا أن نقرر أن:
  • الأنثى قد ترث بالتعصيب،
  • فتكون:
  • عاصبة بالغير،
  • أو عاصبة مع الغير،
  • ونادرًا: عاصبة بالنفس.
    وعليه، فإن التعصيب ليس حكرًا على الذكور، بل هو نظام ميراثي دقيق يحقق العدالة وفق مقاصد الشريعة.

نسأل الله مجددًا لمولانا حسين الفكي الشفاء العاجل، وأن يعود قريبًا إلى عطائه العلمي والقلمي، فقد أحوجتنا الأيام إلى هذا العلم وأهله

عن امين الجاك عامر

امين الجاك عامر

شاهد أيضاً

الإِبري وليلة النصف من شعبان في الذاكرة السودانية: طقوس البركة واللَّمّة التي افتقدناها

بقلم: امين الجاك عامر المحاميaminoo.1961@gamil.com قبل نهاية شهر رجب من كل عام،تكون كل الأعمال التحضيرية …