ليست كلُّ اللحظات التاريخية قابلةً لأن تُقرأ بالضوء ذاته الذي وُلدت فيه؛ فثمة لحظاتٌ يتقدّم فيها الصخب على المعنى، وتتراكم فيها الوقائع حتى تُربك أدوات الفهم نفسها. والسودان، في منعطفه الراهن، لا يعيش مجرد أزمةٍ سياسية أو حربٍ ممتدة، بل يقف على تخوم لحظةٍ كثيفةٍ يتداخل فيها الممكن بالمستحيل، ويغدو فيها السؤال عن الطريق أكثر إلحاحًا من السير فيه. هنا، لا يعود الهتاف كافيًا لإضاءة الدرب، ولا تكفي اليقينيات القديمة لفهم ما استجدّ؛ إذ يتطلب المشهد وعيًا من نوعٍ آخر، وعيًا يعيد تعريف نفسه وهو يواجه تعقيدًا بلغ حدّ الفخ. من هذا الأفق، تنفتح هذه المقاربة لا لتنازع الوعي الثوري، بل لتعيد مساءلته من داخله، وتبحث عن امتداده الأكثر قدرة على العبور: «السلام من قريب» بوصفه لحظة الوعي التي تسبق الانهيار، وتؤسس لإمكانية النجاة قبل فوات الأوان.
في اللحظة التي يشتد فيها صخب الشعارات وتعلو فيها نبرة الهتاف، قد يبدو للوعي الجمعي أن الطريق أوضح من أي وقت مضى. غير أن الحالة السودانية، وقد وُسمت هنا بـ«فخّ الصراع»، تكشف مفارقة عميقة: كلما ارتفع الصوت، ازداد التشابك؛ وكلما اشتدّ اليقين، اتسعت دوائر الالتباس. فهل الوعي الثوري وحده كافٍ لاستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي؟ أم أن ثمة وعيًا آخر، أكثر هدوءًا وأشد نفاذًا، يمكن أن يفتح كُوّة في جدار الأزمة؟
إن الحاجة إلى هذه المقاربة لا تنبع من ترفٍ فكري، بل من حالة انسدادٍ حادّ في الأفق السياسي، فرضتها تعقيدات حرب أبريل 2023، حيث بلغ الصراع درجة «الفخّ»؛ تلك المرحلة التي تبدو فيها كلفة الخروج باهظة، رغم أنها –في ميزان الخسارة الكلية– أقلّ كلفة من الاستمرار فيه[1]. هنا يتحدد «مربط الفَرَط» في دعوة الكاتب إلى «السلام من قريب»، بوصفه محاولة لالتقاط لحظة الوعي الممكن قبل اكتمال الانهيار.
لقد مثّل «الوعي الثوري» منذ انطلاق ثورة ديسمبر طاقة أخلاقية وتاريخية هائلة، أعادت تعريف الممكن السياسي، وحرّكت ساكن البنية الاجتماعية، وأطلقت وعدًا بوطنٍ جديد قوامه الحرية والسلام والعدالة. غير أن هذا الوعي، في سياق التعقيد الراهن، بات يواجه مأزقًا مركبًا؛ إذ تحوّل الصراع من حالة مواجهة واضحة إلى شبكة متداخلة من الفواعل والسرديات والمصالح، بحيث لم يعد الهتاف وحده قادرًا على تفكيكها أو حتى توصيفها بدقة[2].
هنا تبرز مقاربة «السلام من قريب» التي أسس لها كاتب هذا المقال في قراءاته السابقة، لا بوصفها نقيضًا للوعي الثوري، بل باعتبارها امتداده العميق وتحوله الناضج. تستند هذه المقاربة إلى فهم دلالي وأخلاقي للآية الكريمة:
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 17)
حيث يُفهم «القريب» لا كزمنٍ فقط، بل كحالة وعيٍ تتشكل قبل استحكام الخطأ، وتفتح باب الرجوع قبل أن يتحول المسار إلى قدرٍ مغلق[3].
في هذا الأفق، تصبح «التوبة من قريب» استعارة أخلاقية وسياسية لـ«السلام من قريب»؛ أي ذلك السلام الذي لا ينتظر اكتمال الانهيار، ولا يُبنى على ركام الهزائم الكاملة، بل يُستدعى في لحظة الإدراك الحيّ بخطورة الاستمرار في المسار الخاطئ. إنه سلامٌ يُبنى من داخل الأزمة، لا من خارجها؛ ومن داخل الوعي، لا من إملاءات الخارج[4].
وعليه، فإن «الوعي بالسلام من قريب» ليس خروجًا عن الوعي الثوري، بل هو ذاته في صورته الأكثر تركيبًا ونضجًا؛ فكلاهما يلتقيان في هدف واحد هو تأليف الوطن بالمعاني الحسان (حرية – سلام – وعدالة). غير أن طريقهما –في الظاهر– متضاد: أحدهما يعلو فيه الصوت ويحتشد الشارع، والآخر يخفت فيه الإيقاع ويشتغل في العمق؛ لكنهما –في الجوهر– متناغمان، إذ لا ثورة بلا أفق سلام، ولا سلام بلا طاقة ثورية كامنة[5].
ويرى كاتب هذا المقال أن طبيعة «فخّ الصراع» الراهن لا تحتمل الصيغ التقليدية للتعبير الثوري؛ فالهتاف، على ضرورته الرمزية، قد لا يكون الأداة الأنسب في لحظة التعقيد القصوى، بل قد يتحول –دون قصد– إلى جزء من ضجيج الأزمة. في المقابل، تقتضي المرحلة «خَفَاءً استراتيجيًا» في الفعل، و«عُمْقًا أخلاقيًا» في التفكير، بحيث يتحول الدعاء –بالمعنى الوجودي– إلى فعلٍ ثوري موازٍ، يعيد ترتيب الداخل قبل مواجهة الخارج.
إنها دعوة لإطلاق «الخيال الأخلاقي» بوصفه المدخل الحقيقي لهندسة المستقبل؛ إذ يرى الكاتب أن تحرير الخيال الأخلاقي هو المفضي إلى السلام، والسلام هو المفضي إلى العدالة. وبهذا المعنى، لا تُبنى العدالة مباشرة، بل تمرّ عبر وسيط السلام، ولا يتحقق السلام إلا بقدرة الوعي على تخيّل ما لم يتحقق بعد[6].
إن السودان، في هذه اللحظة الحرجة، لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات بقدر ما يحتاج إلى نوع مختلف من الوعي؛ وعيٍ يجمع بين حرارة الثورة وبرودة الحكمة، بين اندفاع التغيير وتأمل العواقب، بين الحلم بوطنٍ ممكن، والعمل الدؤوب على جعله واقعًا.
ذلك هو «السلام من قريب»: ليس هدنة مؤقتة، ولا تسوية هشة، بل فعل وعيٍ مبكر، يقطع الطريق على اكتمال المأساة، ويفتح أفقًا لتأليف وطنٍ ضاقت به مخيّلة المؤلفين، ولم تسعفه بعدُ نصوصهم ولا يقيناتهم.
هامش بسط المفاهيم:
فخّ الصراع: حالة يصل فيها النزاع إلى درجة من التعقيد والتشابك بحيث يصبح كل فاعل جزءًا من استدامته.
الوعي الثوري: إدراك جمعي بضرورة التغيير الجذري وفق قيم الحرية والسلام والعدالة.
السلام من قريب: مقاربة تدعو إلى بناء السلام من داخل الأزمة عبر وعي مبكر يسبق الانهيار.
التوبة من قريب: رجوع مبكر عن الخطأ قبل تحوّله إلى مسار مغلق.
الخيال الأخلاقي: قدرة على تصور مستقبل قيمي بديل وإعادة تشكيل الواقع على ضوءه.
تأليف الوطن بالمعاني الحسان: بناء الدولة على هوية جامعة ومواطنة متساوية وعدالة شاملة.
هامش المراجع والمصادر:
[1] أدبيات تحليل النزاعات المركبة ونظرية «فخ الصراع». [2] دراسات التحول الديمقراطي في السياقات الهشة. [3] كتب التفسير: تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، في بيان معنى «من قريب». [4] أدبيات بناء السلام من الداخل (Local Peacebuilding). [5] أدبيات الفكر الثوري وعلاقته بالتحول السلمي. [6] جون بول ليدراخ، بناء السلام: مصالحة مستدامة في المجتمعات المنقسمة.تنويه لازم:
ننوه إلى أن هذه المقاربة لا تعطي إجابات نهائية للأسئلة، ولا تدّعي تمام الصحة لما ورد فيها، وإنما تندرج في إطار الاجتهاد الفكري المفتوح على النقد والمراجعة.
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم