خيط النور
هل يمكن للكلمات أن تعبر كل تلك المسافات الشاسعة وتبلغ قلب من نحب؟
في لحظات الأزمات، يتحوّل التواصل من مجرد تبادل للعبارات إلى جسر خفي يمتد بين الأرواح، جسر تبنيه نبرة صوت دافئة أو رسالة قصيرة تُقال بصدق، فيحمل الطمأنينة كما تحمل الريح العليلة برد المساء. فالكلمات التي تخرج من القلب لا تحتاج إلى مقدمات؛ يكفي أن تلمس الوتر الصحيح داخل نفسٍ مُرهَقة، حتى تستعيد تلك النفس شيئًا من توازنها.
أحيانًا، جملة بسيطة مثل: “أنا معك… لن تمرّ وحدك” تصبح أثقل وزنًا من الخوف نفسه، وتمنح الشخص قوة لم يكن يظن أنه يمتلكها. فالكلمة الصادقة قد تُسكِن عاصفة داخل روح أحدهم، وقد تعيد ترتيب فوضى يوم كامل، لأنها ليست مجرد أصوات، بل حضور معنوي يتجسّد رغم الغياب.
وفي لحظة هشاشة، يكفي صوت خافت في مكالمة سريعة، أو رسالة ناعمة تُرسل على عجل، لتُشعر الإنسان بأن هناك من ينتبه لارتجاف قلبه، ومن يضع يده على كتفه حتى ولو من بعيد. هذا النوع من التواصل النفسي يتجاوز حدود المكان، ويتقدّم بخطوات هادئة إلى عمق الروح، ليصبح دعامة خفية تُسندنا عندما تتكاثر التحديات، وتذكّرنا بأننا، رغم كل شيء، لسنا وحدنا.
حتى في أقسى اللحظات، حين تثقل الكواهِل ويبدو الألم أوسع من قدرة الروح على الاحتمال، يظل الأمل يتوهج كخيط ضوء لا يخضع للعتمة. إنه ذلك الهمس الخفي في أعماق الإنسان الذي يقول له إن الغد يحمل احتمالًا مختلفًا، وأن الليل مهما طال، لا بد أن يسلّم المفاتيح للفجر. فالأمل ليس شعورًا عابرًا، بل موهبة داخلية تمنحنا رؤية ما وراء الأزمة، وقدرة على اقتناص بصيص حياة وسط الدخان الكثيف الذي يسبّبه القلق والخوف.
وعندما تتشابك الشدائد وتضيق السبل، يتحوّل الأمل إلى رفيق صامت يربّت على الكتف بطمأنينة، فيخفف من ثِقَل اللحظة، ويوقظ فينا رغبة البحث عن مخرج ولو كان صغيرًا. هو القوة التي تغذّي الصبر، وتمنح الإرادة صلابتها، وتعيد للثقة جذورها في النفس، مذكّرة بأن لكل محنة نهاية مهما خُيّل لنا أنها لا تنتهي.
أحيانًا، يكفي أن يستحضر الإنسان لحظة أمل مرّت به، أو صورة وجهٍ أحبّه، أو ذكرى عابرة لسلام داخلي، حتى ينتعش القلب من جديد. ففي مثل هذه اللحظات، تُعاد كتابة أولويات الروح، وتنمو القوة الداخلية بهدوء، قوةٌ يولد معظمها من مواجهة المحن بعزم، ومن الإيمان بأن النور لا يُهزم، حتى لو بدا الطريق طويلًا.
وحين تتقاطع الضغوط وتتكاثر الأزمات حتى يبدو اليوم أثقل مما يحتمله الجسد والروح، يصبح الاعتناء بالنفس ضرورة لا يمكن إرجاؤها. فالإنسان يحتاج مساحة يتنفس فيها بعيدًا عن ضجيج المسؤوليات، مساحة تعيده إلى ذاته وتذكّره بأن قوته الداخلية لا تنمو إلا حين يجد لها وقتًا لتستريح. وقد تكون هذه المساحة بسيطة: لحظة صمت تُغلق فيها الأبواب على العالم، كتابة تفتح نوافذ القلب وتسمح للمشاعر بأن تُسمَع، تنفّسًا عميقًا يعيد ترتيب الفوضى في الداخل، أو وقوفًا قصيرًا أمام السماء وكأنك تستمد منها سكينة إضافية.
والاعتناء بالنفس لا يعني الانسحاب من الآخرين أو الانفصال عنهم؛ بل هو حالة توازن دقيقة بين ما نعطيه للعالم وما نمنحه لذواتنا. فكما يحتاج الآخرون دعمنا، تحتاج أرواحنا أن نُصغي إليها نحن أيضًا، وأن نعيد شحن طاقتها حتى تستطيع مواصلة الطريق بقلب مطمئن.
إن النفس التي تُمنح حقها من الراحة والهدوء هي وحدها القادرة على مجابهة التحديات بثبات، وعلى أن تقف في وجه الظروف الصعبة دون أن تنكسر. فهي تستمد قوتها من الداخل أولًا، ومن ذلك الاهتمام الصادق الذي نمنحه لها حين نقول لأنفسنا: “أنتِ تستحقين الراحة… أنتِ أولويتي الآن”.
وحين نلتفت إلى ما يحيط بنا في خضم العناية بأنفسنا، ندرك أن من أكثر ما يختبر تماسكنا هو البعد، ذلك الامتحان الصامت الذي يأتي إمّا على هيئة مسافات جغرافية تفصل بين الأحبة، أو مسافات نفسية تتكوّن داخل القلوب. ورغم ما يحمله من ألم، فإن البعد يخفي في طياته دروسًا ثمينة. فمن خلاله نتعلم الصبر، ونعرف قيمة اللحظات الصغيرة التي كنا نعتبرها عابرة، ونختبر عمق الروابط التي تظل نابضة بالحياة رغم الغياب.
ومن المسافة نتعلم أيضًا كيف نحافظ على توازننا الداخلي دون الاتكاء المستمر على قرب الآخرين، وكيف نمنح محبتنا بطرق أكثر نضجًا وصدقًا، بكلمة مشجعة، أو رسالة دافئة، أو دعاء يحمل أسماءهم في جوف الليل. ومع الوقت، نكتشف أن الوجود الروحي قد يكون أعمق أثرًا من الوجود الجسدي، وأن القلوب قادرة على تبادل الطمأنينة حتى لو لم يجمعها مكان واحد.
وهكذا يصبح البعد، رغم قسوته، مساحة لاختبار قوة العلاقات، وللإيمان بأن ما يُحفظ في القلب لا يبهت بالغياب، بل يزداد رسوخًا وتأثيرًا في حياة من نحب.
ووسط كل ما نحمله من علاقات ومسافات وتجارب متراكمة، يبقى جوهر توازننا الحقيقي في الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة نفسها. ففي خضم الأزمات، تلعب موازين الإيجابية والسلبية دورًا حاسمًا في تشكيل مشاعرنا وكيفية تعاملنا مع ما نمرّ به. فالإيجابية ليست لحظة عابرة من الفرح، بل قوة داخلية عميقة تدفعنا نحو رؤية الحلول بدل التوقف عند العقبات، وتمنحنا القدرة على الصبر، وإشعال شرارة التفاؤل، والمحافظة على تواصل متزن مع من يحيطون بنا.
وبإعادة تنظيم أفكارنا اليومية، يستطيع الإنسان أن يحوّل كل تحدٍ إلى فرصة للنمو، وكل لحظة خوف إلى مساحة يكتشف فيها قدرته على التحمّل والثبات. أما السلبية، فهي كظلٍ ثقيل يغذّي القلق، ويزرع بذور اليأس، ويزيد القلب عبئًا فوق عبئه، حتى يصبح القرار المرتبِك هو سيد الموقف، والرؤية ضبابية لا تتجاوز حدود الخوف.
وبينما نواجه تحديات الحياة ونتعلم كيف نوجه أفكارنا ومشاعرنا نحو الإيجابية، يبرز بعد آخر من القوة الداخلية: البعد الروحي الذي يغذّيه الدعاء والنية الطيبة. فالدعاء ليس مجرد كلمات تُقال، بل تجربة حية تربط القلب بالسماء، وتجعل الروح تتنفس الأمان والسكينة. إنه معبر عميق يسمح للإنسان باستشعار الرسائل الإلهية التي تتسلل عبر كلمة طيبة، إشارة دقيقة، أو لحظة عابرة تحمل معنى خاصًا، فتفتح في القلب نافذة للطمأنينة، وتذكّره بأن الرحلة مهما اشتدت، فالله معه دائمًا.
ومن هذا الاتصال الروحي، يستمد الإنسان شجاعة لإعادة ترتيب أولوياته، ويجد في الدعاء طاقة تهدئ فوضى الداخل، وتثبت القلب وسط العواصف. إنه يذكرنا بأن لكل أزمة نهاية، وأن نور الفرج ينتظر دائمًا بعد كل ظلمة، وأن السكينة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تتحد القوة الداخلية مع الإيمان الصادق والدعاء الخالص.
ومع شعورنا بالقوة التي يمنحها الدعاء وعمق الاتصال الروحي في حياتنا، نُدرك أن هذه الطاقة ليست معزولة عن علاقتنا بأنفسنا أو بمن نحب. فهي تمنحنا القدرة على البقاء قريبين من القلوب البعيدة، وعلى إشعال بصيص الأمل حتى في أحلك اللحظات، رغم الضغوط والابتلاءات.
وهنا، أتركك عزيزي القارئ مع سؤال يختتم رحلتنا التأملية:
كيف يمكن لقلبٍ بعيد أن يظل قريبًا، ولأملٍ ضعيف أن يضيء في أحلك الأوقات، ونحن مع كل هذا البعد والتحديات؟
هل تعلم أننا، رغم المسافات والشدائد، قادرون على البقاء متواصلين مع أحبائنا، وعلى الاعتناء بأنفسنا، واستشعار الرسائل الإلهية التي تمنحنا القوة والثبات؟
اللهم اجعل قلوبنا مطمئنة، وقلوب أحبائنا في حفظك ورعايتك، وارزقنا القوة على مواجهة كل محنة، واهدِنا إلى كل خير. آمين.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم