وجدي كامل
الدَّمارُ الذي أَحْدَثَتْهُ الحربُ في السودان، يذهبُ العينُ أولًا إلى ما يمكنُ رؤيتُهُ من المدنِ التي تحوَّلَتْ إلى أنقاضٍ، والبيوتِ التي نُهِبَتْ أو أُحرِقَتْ، والمؤسساتِ التي أُغلِقَتْ، والجامعاتِ والمستشفياتِ التي فقدَتْ وظائفَها، والملايينِ الذين اقتُلِعوا من أماكنِهم. ثمَّ من بعدِ ذلك يأتي الحديثُ عن الخسائرِ البشريةِ، وعن القتلِ والجوعِ والانتهاكاتِ المباشرةِ وغيرِ المباشرةِ التي أصبحَتْ جزءًا من الحياةِ اليوميةِ.
لكن هناك دمارًا آخرَ أقلَّ ظهورًا، في آثارِه. ألا وهو تدميرُ الذاكرةِ.
فالأمرُ هنا لا يتعلَّقُ فقط بالمباني التي كانت تحتوي على الأرشيفاتِ، ولا بالأوراقِ والصورِ والتسجيلاتِ وأشرطةِ الإذاعةِ وأعدادِ الصحفِ التي احترقَتْ أو نُهِبَتْ. فالأرشيفُ، مهما كانت قيمتُهُ، ليس هو الذاكرةَ كلَّها. الذاكرةُ موجودةٌ أيضًا في الطريقةِ التي تُروى بها الأحداثُ، وفي الأشخاصِ الذين يستطيعونَ الشهادةَ عليها، وفي الصحفِ التي تحفظُ تفاصيلَها، وفي الصورِ التي تمنحُها شكلًا بصريًّا، وفي التسجيلاتِ التي تحفظُ أصواتَ أصحابِها، وفي المؤسساتِ التي تربطُ بين حدثٍ وآخرَ وتضعُهُ داخلَ سياقِه التاريخيِّ.
وعندما تتعرَّضُ هذه الشبكةُ كلُّها للتدميرِ، لا نفقدُ وثائقَ عن الأمسِ فحسب، بل نفقدُ القدرةَ على استعادتها أو عودتِها إلى ما كانت عليه.
وهنا يصبحُ السؤالُ عن الإعلامِ في الحربِ أوسعَ من سؤالِ الصدقِ والكذبِ.
فالإعلامُ لا يُخبرُنا فقط بما يحدثُ الآن. إنَّهُ يُحدِّدُ، بصورةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ، ما الذي سيبقى من هذا الحاضرِ عندما يتحوَّلُ إلى ماضٍ.
وهذا هو المدخلُ الذي يجعلُ تدميرَ الإعلامِ السودانيِّ جزءًا من ظاهرةٍ يمكنُ تسميتُها بالتوحُّشِ الإعلاميِّ للحربِ.
فالحربُ لا تكتفي بتدميرِ المكانِ. تكشفُ التقاريرُ التي صدرت خلالَ الحربِ وبعدَها أنَّ المؤسساتِ الإعلاميةَ السودانيةَ تعرَّضَتْ لدمارٍ واسعٍ. فقد تحدَّثَ تقريرٌ عن تحوُّلِ المشهدِ الإعلاميِّ في الخرطومِ إلى مكاتبَ منهوبةٍ واستوديوهاتٍ مدمَّرةٍ وأرشيفاتٍ مفقودةٍ وأبراجِ بثٍّ محطَّمةٍ. ولم يكن الأمرُ مجرَّدَ خسارةٍ في المعداتِ؛ فقد وصفَ مديرُ إذاعةِ «هلا 96» ما حدثَ بأنَّهُ فقدانٌ للصوتِ والحضورِ في حياةِ آلافِ السودانيين. كما دُمِّرَ مركزُ العلقِ للتدريبِ والإنتاجِ الإعلاميِّ، الذي تأسَّسَ بعدَ ثورةِ ديسمبرَ وكان يعملُ على تدريبِ الصحفيينَ وتوثيقِ الثورةِ وتعزيزِ صحافةِ السلامِ ومواجهةِ خطابِ الكراهيةِ. (Sudan Tribune)
وهذه التفصيلةُ الأخيرةُ مهمَّةٌ للغايةِ.
فالمؤسسةُ التي دُمِّرَتْ لم تكن مجرَّدَ مكتبٍ صحفيٍّ. لقد كانت، من حيثُ وظيفتِها، جزءًا من عمليةِ بناءِ ذاكرةٍ جديدةٍ للسودانِ.
كان المركزُ يوثِّقُ الثورةَ، ويدرِّبُ صحفيينَ على صحافةِ السلامِ، ويحاولُ أن يفتحَ المجالَ أمامَ جيلٍ جديدٍ من الإعلاميينَ. أي أنَّهُ كان يعملُ في الاتِّجاهِ المعاكسِ تمامًا للإعلامِ الذي أنتجتْهُ دولةُ الإنقاذِ، حيثُ كانت السيطرةُ على الروايةِ جزءًا من السيطرةِ على المجالِ العامِّ.
ومن هنا تصبحُ دلالةُ تدميرِ المؤسسةِ أوسعَ من فقدانِ أجهزةِ الكمبيوترِ والكاميراتِ والاستوديوهاتِ.
لقد دُمِّرَتْ أداةٌ من أدواتِ إنتاجِ الذاكرةِ الجديدةِ.
إنَّ الحربَ على الإعلامِ تبدأُ، بالطبعِ، بالصحفيِّ نفسِه.
فالصحفيُّ هو شاهدٌ. وحينَ يُقتلُ الشاهدُ أو يُعتقلُ أو يُجبرُ على الفرارِ أو يصمتُ خوفًا، فإنَّ الحربَ لا تسلبُهُ حياتَهُ أو حريتَهُ فقط، إنَّها تسلبُ المجتمعَ جزءًا من قدرتِه على معرفةِ ما حدثَ.
وقد وثَّقَ منتدى الإعلامِ السودانيِّ مقتلَ صحفيينَ، واعتقالَ آخرينَ، وتهديدَهم وتعذيبَهم، إضافةً إلى اضطرارِ أعدادٍ كبيرةٍ منهم إلى النزوحِ. كما أشارتِ اليونسكو في يونيو 2025 إلى أنَّ نحوَ 90% من البنيةِ التحتيةِ الإعلاميةِ في السودانِ قد دُمِّرَتْ، وأنَّ قرابةَ ألفِ صحفيٍّ قد أصبحوا نازحينَ، تاركةً أجزاءَ واسعةً من السكانِ في فراغٍ معلوماتيٍّ. (Sudan Media Forum)
والفراغُ المعلوماتيُّ ليس فراغًا محايدًا.
فحينَ تغيبُ الصحافةُ المهنيةُ، لا يتوقَّفُ إنتاجُ المعلوماتِ؛ الذي يحدثُ هو أنَّ مصادرَ أخرى تملأُ الفراغَ. وهنا تبدأُ المرحلةُ الثانيةُ من التوحُّشِ الإعلاميِّ.
إنَّها المرحلةُ التي يمتلئُ الفراغُ فيها بالدعايةِ.
فقد أظهرتِ الدراساتُ والتقاريرُ المتعلِّقةُ بالإعلامِ السودانيِّ أثناءَ الحربِ أنَّ طرفَي النزاعِ استخدما وسائلَ التواصلِ الاجتماعيِّ والإعلامَ التقليديَّ في نشرِ الدعايةِ والمعلوماتِ المضلِّلةِ وخطابِ الكراهيةِ، وفي محاولةِ فرضِ الروايةِ الخاصَّةِ بكلِّ طرفٍ على الجمهورِ. كما استُخدمتْ حساباتٌ كثيرةٌ لمراقبةِ المحتوى غيرِ المرغوبِ فيهِ، وظهرتْ حتَّى موادُّ مزيَّفةٌ مولَّدةٌ بالذكاءِ الاصطناعيِّ في سياقِ الحربِ. (European Union Agency for Asylum)
وهكذا تنتقلُ الحربُ من ميدانِ القتالِ إلى ميدانٍ آخرَ:
من السيطرةِ على الأرضِ إلى محاولةِ السيطرةِ على معناها.
فالطرفُ الذي يسيطرُ على مدينةٍ لا يريدُ فقط أن يسيطرَ على شوارعِها ومؤسساتِها؛ يريدُ أيضًا أن يقولَ ماذا حدثَ فيها، ومن كان الضحيةَ، ومن كان المعتديَ، ومن دخلَها منتصرًا، ومن خرجَ منها مهزومًا.
وهنا تصبحُ الصورةُ والفيديو والخبرُ والمنشورُ والشائعةُ أدواتٍ في معركةٍ لا تقلُّ أهميةً عن المعركةِ العسكريةِ.
إنَّها معركةُ من يملكُ روايةَ الحربِ.
والأخطرُ أنَّ هذه الروايةَ لا تعملُ فقط على تفسيرِ الحاضرِ، وإنَّما تبدأُ تدريجيًّا في إعادةِ تفسيرِ الماضي.
الذاكرةُ ليست مستودعًا ساكنًا
ربَّما نحتاجُ هنا إلى التخلُّصِ من تصوُّرٍ بسيطٍ للذاكرةِ باعتبارِها صندوقًا نضعُ فيه الأحداثَ ثم نعودُ إليه متى شئنا.
إنَّ الذاكرةَ عمليةٌ اجتماعيةٌ. إنَّها تُنتَجُ باستمرارٍ، وتُستعادُ وتُنسى وتُعادُ صياغتُها. الصحافةُ جزءٌ من هذه العمليةِ؛ لأنَّها لا تحفظُ الحدثَ فقط، وإنَّما تمنحُهُ لغةً وصورةً وترتيبًا وتسلسلًا وأسماءً.
ولهذا فإنَّ فقدانَ الصحفِ القديمةِ، والتسجيلاتِ الإذاعيةِ، وموادِّ التلفزيونِ، وصورِ الصحفيينَ، ودفاترِهم، ومراسلاتِهم، ليس مجرَّدَ فقدانٍ لموادَّ تاريخيةٍ.
إنَّهُ فقدانٌ للبنيةِ التي كان يمكنُ من خلالها إعادةُ بناءِ الحدثِ.
وهذا بالضبطِ ما تكشفُهُ شهاداتُ الصحفياتِ السودانياتِ اللواتي فقدنَ أرشيفاتِهنَّ.
تقولُ حواءُ رحمةُ إنَّ ما فقدَهُ العاملونَ في الإعلامِ «لا يُقدَّرُ بثمنٍ»، وتتحدَّثُ عن الصحفِ النادرةِ وأرشيفاتِ مراكزِ الفكرِ والموادِّ التي يصعبُ استعادُتُها، وعن ملفاتٍ تتَّصلُ بالفسادِ والانتهاكاتِ وفضِّ الاعتصامِ. وتقولُ، في عبارةٍ شديدةِ الدلالةِ: «أشعرُ وكأنَّني فقدتُ جزءًا منِّي.» (Sudan Media Forum)
فالصحفيُّ الذي يفقدُ أرشيفَهُ يفقدُ جزءًا من سيرتِه، لكنَّ المجتمعَ يفقدُ معه شيئًا أكبرَ: ذاكرةً عن نفسِه.
أرشيفُ الثورةِ بوصفِه ذاكرةً سياسيةً
وهنا نصلُ إلى ثورةِ ديسمبرَ.
لم تكن ثورةُ ديسمبرَ 2018 مجرَّدَ سلسلةٍ من المظاهراتِ التي انتهتْ بسقوطِ عمرَ البشيرِ في أبريلَ 2019. لقد كانت، من بينِ أشياءَ أخرى، عمليةً ضخمةً لإنتاجِ الذاكرةِ السياسيةِ السودانيةِ.
كان السودانيونَ يصوِّرونَ أنفسَهم بأنفسِهم.
الهتافاتُ، الجدارياتُ، اللافتاتُ، الأغاني، الشعاراتُ، الفيديوهاتُ، البثُّ المباشرُ، الصورُ، شهاداتُ المعتصمينَ، كتاباتُ النساءِ والشبابِ، وملايينُ المنشوراتِ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ؛ كلُّ ذلك صنعَ أرشيفًا موازيًا للروايةِ الرسميةِ.
وهذا مهمٌّ؛ لأنَّ النظامَ السابقَ كان قد امتلكَ، طوالَ عقودٍ، قدرةً واسعةً على إنتاجِ الروايةِ الرسميةِ للأحداثِ.
وقد بيَّنتْ دراسةٌ عن ثورةِ ديسمبرَ أنَّ الإعلامَ الذي كان خاضعًا للدولةِ حاولَ في بداياتِ الثورةِ تأطيرَ الاحتجاجاتِ باعتبارِها أعمالَ شغبٍ يقومُ بها «مخرِّبونَ» و«لصوصٌ» و«عملاءُ أجانبُ»، بينما ظهرتْ وسائلُ إعلامٍ بديلةٌ لمواجهةِ هذا التأطيرِ وتوثيقِ النضالِ الاجتماعيِّ وتخليدِه. (Taylor & Francis Online)
إذن، كانت ديسمبرُ أيضًا معركةً على الذاكرةِ.
كان السؤالُ: من يملكُ حقَّ تعريفِ ما حدثَ؟
هل كانتِ الثورةُ «شغبًا»؟
أم كانتْ ثورةً؟
هل الذينَ خرجوا إلى الشوارعِ «مخرِّبونَ»؟
أم مواطنونَ أعادوا اكتشافَ قدرتِهم على الفعلِ السياسيِّ؟
هل كانتِ الصورةُ التي تنتجُها الدولةُ هي الحقيقةَ؟
أم أنَّ ملايينَ الصورِ والشهاداتِ التي أنتجَها الناسُ بأنفسِهم تستطيعُ أن تبنيَ روايةً أخرى؟
لقد كانتِ الثورةُ، بهذا المعنى، ثورةً في إنتاجِ الذاكرةِ بقدرِ ما كانتْ ثورةً في الشارعِ.
ثم جاءتِ الحربُ:
هنا تحديدًا تبدأُ المسألةُ التي تستحقُّ أن نضعَها في قلبِ بحثِنا.
ماذا يحدثُ لذاكرةِ ثورةِ ديسمبرَ عندما تندلعُ حربٌ بهذا الحجمِ بعدَ أربعِ سنواتٍ فقط من سقوطِ النظامِ؟
لا ينبغي أن نقولَ، من دونِ أدلَّةٍ مباشرةٍ، إنَّ الحربَ اندلعتْ لكي تمحوَ ذاكرةَ ديسمبرَ. فهذا ادِّعاءٌ سببيٌّ يحتاجُ إلى إثباتٍ.
لكن يمكنُنا أن نقولَ شيئًا أكثرَ دقَّةً وأقوى بحثيًّا:
لقد أنتجتِ الحربُ شروطًا هائلةً لإعادةِ ترتيبِ الذاكرةِ التي صنعتْها ديسمبرُ.
فالحدثُ الذي كان يملأُ المجالَ العامَّ قبلَ الحربِ لم يعد قادرًا على منافسةِ صورِ الموتِ والنزوحِ والاغتصابِ والجوعِ والدمارِ.
أصبحَ السودانيُّ الذي كان يتذكَّرُ شارعَ الستينِ، والاعتصامَ، والهتافاتِ، والجدارياتِ، وشعاراتِ الحريةِ والسلامِ والعدالةِ، يستيقظُ بعدَ الحربِ على صورِ مدينةٍ مدمَّرةٍ، وقريةٍ محروقةٍ، وأسرةٍ نازحةٍ، وجنديٍّ يحملُ سلاحًا، وطابورٍ طويلٍ من الفارِّينَ.
وهكذا لا تحتاجُ الذاكرةُ القديمةُ إلى أن تُمحى كي تتراجعَ.
يكفي أن تُغمرَ.
هذه ربَّما هي إحدى أخطرِ صورِ تخريبِ الذاكرةِ.
أن يصبحَ الماضي موجودًا، لكنَّهُ غيرُ قادرٍ على منافسةِ الحاضرِ في احتلالِ الوعيِ.
فمن «الثورةِ» إلى الحربِ يمكنُ ملاحظةُ هذا التحوُّلِ في الطريقةِ التي أصبحَ بها السودانُ يُسوَّقُ خارجيًّا.
إنَّ ثورةَ ديسمبرَ التي جذبتْ اهتمامَ العالمِ بوصفِها تجربةً سلميةً لافتةً، بدأتْ تتحوَّلُ تدريجيًّا في التغطيةِ الدوليةِ إلى مقدِّمةٍ لحربٍ منسيَّةٍ. وقد وصفتْ تقاريرُ صحفيةٌ وأعمالٌ وثائقيةٌ حديثةٌ هذه المفارقةَ صراحةً، بما في ذلك فيلمُ «Sudan, Remember Us» الذي حاولَ استعادةَ قصةِ الثورةِ في الوقتِ الذي أصبحتْ فيهِ الحربُ تطغى عليها. (AP News)
وهذه النقلةُ في التسميةِ ليستْ مسألةً لغويةً بسيطةً.
حينَ يصبحُ السودانُ في الوعيِ العالميِّ «بلدَ الحربِ»، تتراجعُ صورةُ السودانِ الذي صنعَ الثورةَ.
وحينَ يصبحُ السودانيُّ في الإعلامِ الدوليِّ «نازحًا» أو «لاجئًا» أو «ضحيةَ حربٍ»، تتراجعُ صورةُ المواطنِ الذي خرجَ إلى الشارعِ مطالبًا بتغييرِ الدولةِ.
وهنا يحدثُ شيءٌ بالغُ الخطورةِ:
إنَّ الثورةَ تتحوَّلُ من مستقبلٍ محتملٍ إلى ماضٍ بعيدٍ.
فالحربُ تعيدُ تعريفَ البطولةِ أيضًا.
قبلَ الحربِ، كانتْ إحدى الصورِ الأكثرِ قوَّةً في الذاكرةِ السودانيةِ هي صورةُ المواطنِ الأعزلِ الذي يواجهُ السلطةَ.
أمَّا في الحربِ، فتتغيَّرُ منظومةُ الرموزِ.
يصبحُ السلاحُ في مركزِ الصورةِ.
الجنديُّ يصبحُ بطلًا.
المعركةُ تصبحُ معيارَ الوطنيةِ.
الانتصارُ العسكريُّ يصبحُ معيارَ الشرعيةِ.
والخوفُ من انهيارِ الدولةِ يصبحُ لغةً جامعةً.
وهنا تأتي أهميةُ الدراسةِ الحديثةِ التي أعدَّتْها ويلو بيريدج حولَ الإعلامِ العسكريِّ والذاكرةِ والشرعيةِ في حربِ السودانِ. فهي ترى أنَّ القواتِ المسلَّحةَ استخدمتِ الإعلامَ العربيَّ لإعادةِ تقديمِ نفسِها باعتبارِها المؤسسةَ الوطنيةَ الشرعيةَ الوحيدةَ، مستندةً إلى انتقاءِ أجزاءٍ من الذاكرةِ التاريخيةِ واستعارةِ خطابٍ من قاموسِ الثورةِ، وإلى الحنينِ والوطنيةِ والصمتِ الانتقائيِّ. وتخلصُ الدراسةُ إلى أنَّ إعادةَ تقديمِ الجيشِ لا تتمُّ بقطعِ الصلةِ بالماضي، بل بانتقائِه وإعادةِ تنظيمِه. (PeaceRep)
وهنا نصلُ إلى نقطةٍ شديدةِ الأهميةِ بالنسبةِ إلى مفهومِ التوحُّشِ الإعلاميِّ:
التوحُّشُ ليس فقط أن تقولَ الدعايةُ شيئًا كاذبًا.
أحيانًا يكونُ التوحُّشُ في ما تختارُ ألَّا تقولَهُ.
وفي من تمنحُهُ حقَّ الظهورِ في التاريخِ.
وفي من تحذفُهُ من الصورةِ.
وفي أيِّ ماضٍ تستدعيهِ لتفسيرِ الحاضرِ، وأيِّ ماضٍ تدفنُهُ في الصمتِ.
انتقاءُ الذاكرةِ
حينَ تُستدعى الوطنيةُ القديمةُ لخدمةِ الحربِ، يمكنُ أن تتحوَّلَ الذاكرةُ إلى سلاحٍ.
تُستدعى الدولةُ، لكن لا تُستدعى دائمًا تجربةُ الدولةِ نفسُها.
تُستدعى الوطنيةُ، لكن يمكنُ أن تُستبعدَ منها الديمقراطيةُ.
يُستدعى الجيشُ باعتبارِه مؤسسةً وطنيةً، لكن يمكنُ أن تُدفعَ إلى الخلفِ ذاكرةُ مقاومةِ العسكريينَ للحكمِ المدنيِّ أو مقاومةِ المدنيينَ للانقلاباتِ.
ويُستدعى تاريخُ السودانِ، لكن من الممكنِ أن يُنتقى منه ما يخدمُ روايةً معيَّنةً بينما تختفي أجزاءٌ أخرى.
هذه ليستْ صناعةَ تاريخٍ جديدٍ بالمعنى التقليديِّ.
إنَّها إعادةُ ترتيبٍ للتاريخِ الموجودِ.
لأنَّها تجعلُ الذاكرةَ نفسَها جزءًا من عمليةِ بناءِ الشرعيةِ العسكريةِ. (PeaceRep)
لقد انحدرتْ بنا الحربُ من تدميرِ الأرشيفِ إلى تدميرِ إمكانيةِ الشهادةِ. هنا تأخذُنا شهاداتُ الصحفياتِ إلى مستوىً أكثرَ عمقًا.
فأميرةُ محجوب تتحدَّثُ عن أرشيفٍ جمعَهُ مركزُ العلقِ خلالَ الفترةِ 2003–2022، وعن آلافِ القصاصاتِ الصحفيةِ التي جرى تحويلُها من الورقِ إلى الشكلِ الإلكترونيِّ، وعن مجلَّداتٍ نادرةٍ لموادَّ صحفيةٍ، وعن أوراقٍ تغطِّي نشاطَ المركزِ منذ تأسيسِه حتى 2023، ثم فقدانِ كلِّ ذلك بسببِ نهبِ المقرِّ. (Sudan Media Forum)
إنَّنا أمامَ شيءٍ يتجاوزُ «أرشيفَ صحيفةٍ».
إنَّهُ أرشيفٌ لمرحلةٍ كاملةٍ من تاريخِ السودانِ.
والأكثرُ إثارةً للقلقِ أنَّ جزءًا من هذه الموادِّ يتعلَّقُ بالسنواتِ التي قادتْ إلى الثورةِ نفسِها.
أي أنَّ الحربَ لا تدمرُ فقط ذاكرةَ الحربِ.
إنَّها يمكنُ أن تدمرَ ذاكرةَ ما قبلَ الحربِ التي تساعدُنا على فهمِ لماذا حدثتِ الحربُ أصلًا.
وهنا يصبحُ تخريبُ الذاكرةِ دائريًّا:
نُفقدُ وثائقَ الماضي، ثم ننتجُ حاضرًا إعلاميًّا مشبعًا بالدعايةِ، ثم نأتي بعدَ سنواتٍ لنحاولَ فهمَ الماضي من خلالَ الموادِّ التي بقيتْ لنا.
لكن من يضمنُ أنَّ ما بقي هو ما كان الأكثرَ أهميةً؟
حينَ يفقدُ الصحفيُّ أرشيفَهُ يفقدُ المجتمعُ شاهدَهُ
تقولُ سميةُ المطبعجي إنَّ فقدانَ الصحفيِّ لأرشيفِه ليس خسارةً شخصيةً فقط، بل خسارةٌ للمجتمعِ كلِّه، لأنَّ ذلك الأرشيفَ يحتوي على الأحداثِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ، وعلى رؤى قطاعاتٍ مختلفةٍ من المجتمعِ في ظروفٍ تاريخيةٍ متعدِّدةٍ. وتشبهُ فقدانَها لهذا الأرشيفِ بفقدانِ طفلٍ كانت ترعاهُ وتنمِّيهِ بين يديها. (Sudan Media Forum)
هذه الشهادةُ تستحقُّ أن نتوقَّفَ عندَها.
فالصحفيُّ لا يملكُ أرشيفَهُ بالمعنى الشخصيِّ الكاملِ.
الأرشيفُ الصحفيُّ ملكٌ للمجتمعِ أيضًا.
لأنَّهُ يحتوي على أصواتٍ لم تعدْ موجودةً.
وعلى أحداثٍ لا يمكنُ إعادةُ تصويرِها.
وعلى تفاصيلَ صغيرةٍ قد تبدو بلا أهميةٍ لحظةَ وقوعِها، ثم تصبحُ بعدَ عشرينَ عامًا مفتاحًا لفهمِ حدثٍ كبيرٍ.
ولذلك فإنَّ حرقَ الأرشيفِ أو نهبَهُ ليس جريمةً ثقافيةً فحسبُ.
إنَّهُ اعتداءٌ على حقِّ الأجيالِ القادمةِ في المعرفةِ.
الحربُ لا تمحو الذاكرةَ فقط؛ إنَّها تنتجُ ذاكرةً بديلةً
وهذه، في رأيي، هي النقطةُ التي ينبغي أن نصلَ إليها.
إذا قلنا فقط إنَّ الحربَ دمَّرتِ الأرشيفَ فنحن نصفُ جانبًا من المشكلةِ.
أمَّا إذا قلنا إنَّ الحربَ دمَّرتْ بعضَ شروطِ الذاكرةِ، وفي الوقتِ نفسِه أطلقتْ ماكينةً ضخمةً لإنتاجِ ذاكرةٍ بديلةٍ، فإنَّنا نقتربُ من جوهرِ التوحُّشِ الإعلاميِّ.
فالطرفانِ المتحاربانِ لا يكتفيانِ بإخفاءِ المعلوماتِ.
إنَّهما يعملانِ على إنتاجِ روايةٍ.
وقد خلصتْ دراسةٌ حديثةٌ عن الدعايةِ الإلكترونيةِ أثناءَ الحربِ إلى أنَّ معركةَ الدعايةِ بينَ الجيشِ والدعمِ السريعِ في الإعلامِ التقليديِّ ووسائلِ التواصلِ تجعلُ التمييزَ بينَ الحقيقيِّ والزائفِ والمُتلاعَبِ بهِ أكثرَ صعوبةً، وأنَّ نقصَ الصحافةِ الميدانيةِ يتيحُ للمعلوماتِ الكاذبةِ والمضلِّلةِ الانتشارَ بسهولةٍ أكبرَ. كما رأتِ الدراسةُ أنَّ حملاتِ الدعايةِ أثَّرتْ في المجتمعِ والمشهدِ السياسيِّ، وأضعفتِ الوحدةَ الوطنيةَ وأعاقتْ جهودَ السلامِ وساهمتْ في إطالةِ الحربِ. (Ifri)
وهنا يتَّضحُ معنى «التوحُّشِ» بصورةٍ مختلفةٍ.
التوحُّشُ الإعلاميُّ لا يقتلُ الحقيقةَ فقط.
إنَّهُ يقتلُ قدرةَ المجتمعِ على الاتِّفاقِ على ما حدثَ.
وحينَ يفقدُ المجتمعُ هذه القدرةَ، يصبحُ كلُّ شيءٍ قابلًا لإعادةِ التأويلِ.
من ذاكرةِ ديسمبرَ إلى ذاكرةِ الحربِ
لهذا فإنَّ السؤالَ الذي ينبغي طرحُهُ ليس فقط:
ماذا حدثَ لثورةِ ديسمبرَ بعدَ اندلاعِ الحربِ؟
بل:
ماذا حدثَ لذاكرةِ ديسمبرَ؟
كانت ديسمبرُ تقولُ إنَّ السودانيينَ يستطيعونَ، عبرَ الفعلِ الجماعيِّ السلميِّ، أن يعيدوا تعريفَ علاقتِهم بالدولةِ.
أمَّا الحربُ فتدفعُ يوميًّا بصورةٍ أخرى: لا أمانَ من دونِ قوَّةٍ، ولا دولةَ من دونِ سلاحٍ، ولا حمايةَ من دونِ جيشٍ أو مليشيا، ولا مستقبلَ إلَّا بالانتصارِ في الحربِ.
وبينَ هاتينِ الصورتينِ يقعُ صراعٌ هائلٌ على الذاكرةِ.
صورةُ المواطنِ.
وصورةُ المقاتلِ.
صورةُ الشارعِ.
وصورةُ الثكنةِ.
صورةُ الهتافِ.
وصورةُ السلاحِ.
صورةُ المستقبلِ.
وصورةُ البقاءِ.
ولا يعني ذلك أنَّ ذاكرةَ الحربِ زائفةٌ أو أنَّ معاناةَ السودانيينَ ينبغي أن تُختزلَ في مشروعٍ سياسيٍّ سابقٍ. على العكسِ؛ فالحربُ أنتجتْ ذاكرةً حقيقيةً وقاسيةً لا يمكنُ إنكارُها.
لكنَّ المشكلةَ تبدأُ عندما تبتلعُ ذاكرةُ الحربِ كلَّ ما عداها.
عندما يصبحُ ما حدثَ بعدَ 15 أبريلَ 2023 هو العدسةَ الوحيدةَ التي ننظرُ من خلالها إلى السودانِ، فإنَّ السنواتِ التي سبقَتْهُ تبدأُ في الظهورِ كأنَّها هامشٌ.
وهنا يمكنُ أن تتحوَّلَ الحربُ، من دونِ أن يكونَ ذلك بالضرورةِ نتيجةَ خطةٍ واحدةٍ متعمَّدةٍ، إلى آلةٍ لإعادةِ ترتيبِ الذاكرةِ الوطنيةِ.
ما الذي تخشاهُ الذاكرةُ؟
إنَّ أكثرَ ما تخشاهُ الذاكرةُ ليس النسيانَ الكاملَ.
فالنسيانُ الكاملُ يمكنُ اكتشافُهُ.
أمَّا الخطرُ الحقيقيُّ فهو أن نتذكَّرَ بطريقةٍ جديدةٍ.
أن نتذكَّرَ الحدثَ، لكن ننسى سياقَهُ.
أن نتذكَّرَ سقوطَ البشيرِ، لكن ننسى لماذا خرجَ الناسُ ضدَّهُ.
أن نتذكَّرَ الاعتصامَ، لكن ننسى اللغةَ السياسيةَ والاجتماعيةَ التي وُلِدَتْ داخلَهُ.
أن نتذكَّرَ فضَّ الاعتصامِ، لكن نفقدَ الموادَّ والشهاداتِ التي تساعدُنا على فهمِه.
أن نتذكَّرَ الحربَ، لكن ننسى أنَّ الحربَ لم تبدأْ في فراغٍ.
وأن نتذكَّرَ الانقسامَ العسكريَّ، لكن ننسى السنواتِ التي سبقتِ الانقسامَ، والاحتجاجاتِ، والتفاوضَ، والانقلابَ، والصراعَ على الدولةِ، وكلَّ ما جعلَ 15 أبريلَ ممكنًا.
وهنا يصبحُ الأرشيفُ أكثرَ من ذاكرةٍ للماضي.
إنَّهُ حاجزٌ ضدَّ إعادةِ اختراعِ الماضي.
ولذلك فإنَّ إنقاذَ الأرشيفِ جزءٌ من مقاومةِ التوحُّشِ.
في مقابلِ هذا التخريبِ، تظهرُ أهميةُ المبادراتِ التي تعملُ على إنقاذِ الذاكرةِ السودانيةِ، مثل «الأرشيفِ السودانيِّ»، الذي يعرِّفُ مهمتَهُ بحفظِ وتحليلِ وتخليدِ توثيقِ انتهاكاتِ حقوقِ الإنسانِ والصراعِ وأعمالِ المقاومةِ، من خلالِ أرشفةِ الموادِّ المرئيةِ وتنظيمِها، وإتاحتِها للإعلامِ وعملياتِ المساءلةِ والعدالةِ الانتقاليةِ. ويشيرُ الموقعُ حاليًّا إلى أكثرَ من 313 ألفِ سجلٍّ جرى حفظُها من 2,264 مصدرًا. (Sudan Archive)
وهذه المبادراتُ تقولُ شيئًا مهمًّا:
الذاكرةُ يمكنُ أن تصبحَ شكلًا من أشكالِ المقاومةِ.
إذا كان التوحُّشُ الإعلاميُّ يحاولُ أن يجعلَ الحقيقةَ ضحيةً للحربِ، فإنَّ الأرشفةَ تحاولُ أن تمنعَ قتلَها مرَّتينِ.
مرَّةً حينَ وقعَ الحدثُ.
ومرَّةً حينَ يُعادُ نسيانُهُ أو تحريفُهُ.
من 1924 إلى ديسمبرَ
وهنا نعودُ إلى السؤالِ الذي بدأنا منه في بحثِنا حولَ 1924.
في 1924 كانتْ هناك هزيمةٌ في الميدانِ، ثم جرتْ لاحقًا عمليةٌ طويلةٌ لإعادةِ تفسيرِ معنى الهزيمةِ.
وفي ديسمبرَ حدثَ شيءٌ مختلفٌ: ظهرتْ ثورةٌ نجحتْ في إسقاطِ النظامِ، لكنَّها لم تستطعْ أن تُنجزَ التحوُّلَ السياسيَّ الذي وعدتْ بهِ. ثم جاءتِ الحربُ لتقطعَ مسارَها وتعيدَ ترتيبَ المجالِ السياسيِّ والإعلاميِّ والرمزيِّ كلِّه.
وبذلك تصبحُ لدينا مفارقةٌ تاريخيةٌ تستحقُّ التأمُّلَ:
في 1924 هُزِمَتِ الثورةُ ثم أُعيدتْ كتابةُ معناها.
وفي ديسمبرَ انتصرتِ الثورةُ على النظامِ، ثم جاءتِ الحربُ لتعيدَ كتابةَ معناها.
وفي الحالتينِ لا يكونُ السؤالُ فقط:
من انتصرَ؟
بل:
من كتبَ روايةَ ما حدثَ بعدَ الانتصارِ أو الهزيمةِ؟
وهذا هو المكانُ الذي يصبحُ فيهِ الإعلامُ جزءًا من التاريخِ نفسِه، وليس مجرَّدَ ناقلٍ لهُ.
فالإعلامُ لا يعيشُ بعدَ الحدثِ فقط.
إنَّهُ يشاركُ في تحديدِ ما إذا كانَ الحدثُ سيبقى ثورةً، أم يتحوَّلُ إلى ذكرى؛ وما إذا كانَ الضحيةُ سيبقى ضحيةً، أم يصبحُ مجرَّدَ رقمٍ؛ وما إذا كانَ المواطنُ الذي خرجَ إلى الشارعِ سيظلُّ حاضرًا في قصةِ السودانِ، أم سيبتلعُهُ الجنديُّ الذي ظهرَ بعدَ ذلكَ في الصورةِ؛ وما إذا كانتِ الحربُ ستُقرأُ باعتبارِها نتيجةً لمسارٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ طويلٍ، أم باعتبارِها حادثًا مفاجئًا بدأَ في 15 أبريلَ 2023.
وهنا، تحديدًا، يصبحُ التوحُّشُ الإعلاميُّ أخطرَ من مجرَّدِ الدعايةِ.
لأنَّهُ لا يحاولُ فقط أن يُخبرَ الناسَ بالكذبِ عن الحاضرِ.
إنَّهُ يحاولُ، أحيانًا، أن يجعلَهم يتذكَّرونَ الماضي بطريقةٍ تخدمُ الحاضرَ.
وهذا هو تخريبُ الذاكرةِ.
والحربُ، حينَ تدخلُ الإعلامَ بهذا العمقِ، لا تعودُ حربًا على المدنِ والأجسادِ وحدَها.
إنَّها تصبحُ حربًا على من يملكُ حقَّ أن يقولَ: ماذا حدثَ للسودانِ؟
ومن ثمَّ، ربَّما يكونُ السؤالُ الأهمُّ الذي ينبغي أن نختمَ بهِ:
إذا كانَ من الممكنِ تدميرُ مدينةٍ في يومٍ، وتدميرُ أرشيفٍ في ساعةٍ، فكم من الزمنِ يحتاجُ المجتمعُ لكي يكتشفَ أنَّ جزءًا من ذاكرتِه قد دُمِّرَ معَ الحربِ؟
Sent from Yahoo Mail for iPhone
wagdik@yahoo.com
