الجريدة هذا الصباح
اعتقال قائد كتيبة البراء في دولة إفريقية مستقرة مثل رواندا يعكس أن هناك تنسيقاً دولياً حول هذا الملف، وهل تستخدم السفارات الغطاء الدبلوماسي لأفعال غير قانونية!
أطياف
صباح محمد الحسن
خارج الحدود
طيف أول:
إن بعض الدروس أحياناً لا تحتاج وفاضاً ممتلئاً..
يكفيك أن تعود إلى نفسك فتجدك بخير!
ولا شك أنه ضغط دولي غير مباشر على حكومة بورتسودان، لأن زيارة المصباح أبو زيد، قائد كتائب البراء، تمت بتنسيق مع السفارة السودانية في كيغالي العاصمة الرواندية. ولا شك أن الاعتقال يحرج حكومة بورتسودان ويضعها في موقف صعب أمام المجتمع الدولي.
كما أن أهم ما تكشفه الخطوة أنها تصب في تعزيز موقف المجتمع الدولي ضد عسكرة اللاجئين، بدليل أن الأمم المتحدة شاركت في التحقيقات، ما يعني أن الملف أصبح دولياً وليس مجرد إجراء محلياً يخص الحكومة الرواندية. وهو ما يشير إلى أن الحرب السودانية أصبحت تحت رقابة دولية مشددة، وأن الأطراف المسلحة لم تعد قادرة على التحرك بحرية خارج الحدود، كما أن ملف تجنيد اللاجئين أصبح خطاً أحمر دولياً.
لذلك فإن حكومة بورتسودان ستواجه إحراجاً دبلوماسياً بسبب ارتباط القضية بسفارتها. والقبض على المصباح ليس مجرد حدث، لكنه تطور يحمل دلالات أمنية وسياسية عميقة على مستويات دولية وإقليمية.
فاعتقال طلحة في رواندا يعني أن شبكة الإسلاميين المسلّحين المرتبطين بالحرب في السودان أصبحت مكشوفة دولياً، وأن الدول الإفريقية لم تعد مستعدة لغضّ الطرف عن نشاطات التجنيد والتحريض. وفي الوقت نفسه يؤكد جلياً أن الضغط الدولي على الميليشيات المؤدلجة بلغ مرحلة التنفيذ الميداني، وليس مجرد عقوبات على الورق.
ومعلوم أن المصباح طلحة لم يكن مجرد قائد ميداني، بل كان واجهة التجنيد الأيديولوجي الذي يقدّم الحرب في السودان كـ”جهاد” ويستقطب الشباب عبر الوعود والدعم المالي. لذلك فإن اعتقاله بعد محاولته تجنيد لاجئين داخل مخيم يعني أن رواندا، وبالتنسيق مع الأمم المتحدة، اعتبرت نشاطه تهديداً للأمن الإقليمي، وتأكيداً أن الجماعات الإسلامية أصبحت تحت رقابة دولية صارمة.
وطلحة الخاضع لعقوبات أمريكية وأوروبية بسبب دوره في العنف والانتهاكات في السودان، والذي تم اعتقاله من قبل في السعودية ومصر، يكتب باعتقاله الثالث بداية تاريخ ملاحقة الإسلاميين دولياً بعد الحرب. أي أن شخصية مصنّفة إرهابياً لن تتحرك مستقبلاً بحرية في إفريقيا بعد الآن. كما أن القبض عليه يورّط الطاقم الدبلوماسي للسفارة السودانية في كيغالي، فالزيارة تمت بتنسيق مع السفارة السودانية، لكن ما حدث داخل المخيم من تجنيد وتحريض يضعها في موقع الاتهام بأنها سفارة تعمل على تسهيل نشاطات جماعات مصنّفة إرهابية.
وهذا قد يفتح الباب لتحقيقات أوسع مع السفير حول طبيعة دور بعض موظفي السفارة، وارتباطهم بالحركة الإسلامية، واستخدامهم الغطاء الدبلوماسي لنشاطات غير قانونية.
ورواندا تعاملت مع الأمر كتهديد مباشر لأمنها، لأن أي نشاط عسكري داخل مخيمات اللاجئين قد يحولها إلى بؤر صراع. كما أن من حقها حماية حدودها من انتقال الإرهاب والعنف من مسرح الحرب بالسودان إلى أراضيها، فالسلطات هناك تخشى أن تتحول رواندا إلى منصة لتجنيد أو تدريب مجموعات مسلحة مرتبطة بالحرب في السودان، سيما إذا ارتبط هذا باستغلال اللاجئين.
وزيارة قائد الكتيبة للمخيم وحديثه عن القتال أثارا حساسية شديدة لدى السلطات، التي اعتبرته مؤشراً خطيراً.
لذلك فإن الناظر إلى القضية من زواياها الأخرى يجد أن مرحلة التضييق الدولي على كل الجماعات الإسلامية قد بدأت، لمنع تمدد الحرب خارج السودان، وقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال اللاجئين أو تحويل دول الجوار إلى ساحات نفوذ.
ومن قبل تحدثنا أنه لا يمكن تهيئة المسرح لعملية الحل السياسي، ولا يمكن فرض تسوية إذا كانت هناك مجموعات مسلحة خارج السيطرة. وأن عملية التجفيف ستبدأ بمحاصرة الطرف الثالث وإضعاف المجموعات الإرهابية، وهي خطوة ضرورية قبل أي تفاوض يحرر قائد الجيش من القبضة الإسلامية التي كانت تكبّله لسنوات.
ويبدو أن التجفيف يتم للبيئة الإقليمية عامة من أي نشاط يمكن تصنيفه إرهابياً، لتتحاشى أمريكا الفعل العنيف داخل الأراضي السودانية وتستخدم أساليب بديلة لا تضعها في مواجهة مجتمعية. ومع هذا يكون الفعل تمهيداً لحصر الحرب السودانية في طرفي نزاع فقط، تمهيداً لخلق ظروف تفاوضية قادمة.
لذلك فإن اعتقال البراء هو جزء من هندسة سياسية دولية تهدف إلى إنهاء الحرب عبر “الخنق الخارجي” ثم الضغط الداخلي. وما حدث له ربما يحدث لقيادات ميدانية أخرى عُرفت بفظاعتها الميدانية، خاصة من قوات الدعم السريع، حتى تلك التي احتمت بمظلة الجيش.
طيف أخير
لا_للحرب
خالص التعازي للزميلة الصحفية مها التلب في وفاة ثلاثة أشخاص من أسرتها جراء قصف مسيّرات الدعم السريع على مدينة الأبيض. تقبلهم الله قبولاً حسناً.
استمرار الحرب يعني استمرار نزيف دماء الأبرياء.
