مختار العوض موسى
لم تكن زيارة صانع المحتوى السعودي خالد العليان إلى السودان مجرد زيارة عابرة لمؤثر خليجي إلى بلد أنهكته الحرب، ولم يكن الترحيب السوداني الكبير به مجرد حفاوة بضيف قادم من المملكة العربية السعودية؛ فالزيارة في توقيتها، وفي طبيعة صاحبها، وفي حجم التفاعل الذي رافقها، تحمل دلالات تتجاوز حدود الزيارة نفسها.
إنها لحظة تدخل فيها الكاميرا السعودية المؤثرة إلى قلب الحكاية السودانية، لا لتنقل ما تقوله نشرات الأخبار فقط، وإنما لتقترب من الإنسان السوداني، من حياته اليومية، ومن أحلامه، ومن آثار الحرب التي تركت بصماتها على المكان والإنسان.. تركت آثارها وتداعياتها على كل شيء في البلاد.
فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح السودان حاضراً في وسائل الإعلام غالباً من خلال عناوين القتل والنزوح والدمار والجوع والانتهاكات.. وهي حقائق مؤلمة لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست كل الحقيقة.
فالسودان ليس حرباً فقط.
هناك شعب يعيش، ويقاوم، ويعود إلى بيته، ويفتح متجره، ويعيد تشغيل مؤسسته، ويزرع أرضه، ويبحث عن مدرسة لأطفاله، ويحلم بيوم تنتهي فيه هذه الصفحة الثقيلة من تاريخه.
وهنا تأتي أهمية زيارة العليان.
فالمؤثر الذي يمتلك جمهوراً واسعاً لا يحمل معه كاميرا فقط؛ بل يحمل قدرة على الوصول إلى ملايين الناس الذين ربما لم تتح لهم فرصة رؤية السودان إلا من خلال شاشات الأخبار.
إنه ينقل الصورة من غرفة الأخبار إلى الهاتف، ومن التقرير إلى التجربة، ومن الخبر إلى الإنسان.
وهذه واحدة من أهم التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة الصورة الذهنية عن البلدان والشعوب.
السودان كما يراه السودانيون
ربما كان أكثر ما يلفت في هذه الزيارة هو أن السودانيين لم يتعاملوا مع العليان باعتباره مجرد شخصية مشهورة.
الحفاوة الكبيرة التي وجدها تكشف شيئاً أعمق: السوداني يريد أن يرى بلاده في عيون الآخرين، ويريد أن يعرف العالم أن خلف صور الحرب شعباً له حضارة وثقافة وكرم وتاريخ، وأن الخراب الذي خلفته الحرب لا يستطيع أن يمحو شخصية السودان.
ولذلك فإن استقبال العليان يحمل في حد ذاته رسالة تقول:
أهلاً بك في السودان.. انظر إلينا كما نحن، لا كما تصفنا عناوين الحرب.
هذه الرسالة ربما تكون أهم ما يمكن أن تحمله مثل هذه الزيارة.
من «صورة الحرب» إلى «صورة الإنسان»
المشكلة أن كثرة تكرار صور المأساة قد تجعل الإنسان نفسه يتحول إلى رقم.. قتيل يصبح رقماً، ونازح يصبح رقماً، وأسرة فقدت منزلها تصبح رقماً، ومدينة دمرتها الحرب تصبح خبراً عابراً في شريط الأخبار.
لكن عندما تدخل الكاميرا إلى بيت سوداني، وتجلس مع أسرة، وتتحدث مع طفل، وتستمع إلى أم فقدت عزيزاً، أو تلتقي بعائد إلى منزله، فإن الرقم يستعيد إنسانيته.
وهنا يمكن أن تكون قوة العليان الحقيقية..ليست تقديم السودان بصورة وردية تخفي آثار الحرب، وليست تحويل البلاد إلى معرض دائم للمأساة.. وإنما يمزج بين الصورتين : سودان جريح.. وسودان حي.. سودان فقد الكثير.. وسودان يحاول أن يستعيد ما فقده..سودان أنهكته الحرب.. وشعب لم يفقد القدرة على الحلم.
الكاميرا السعودية.. وجسور المحبة بين الشعبين
وللزيارة أيضاً بُعد آخر لا يقل أهمية.. فالعليان جاء من السعودية، والسودانيون يحملون تجاه المملكة وشعبها مشاعر خاصة ارتبطت بسنوات طويلة من التواصل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والإنساني.. ولهذا فإن وجود شخصية سعودية بهذا الحضور الجماهيري وسط السودانيين يحمل رسالة تتجاوز المحتوى نفسه:
الشعوب قد تظل أقرب إلى بعضها من السياسة، وأقرب إلى بعضها من الجغرافيا.
وقد كشفت ردود الفعل الشعبية على الزيارة عن حجم الترحيب الذي يمكن أن يحظى به القادم من المملكة عندما يدخل السودان بقلب مفتوح وكاميرا تبحث عن الحقيقة والإنسان.
الجمهور يصنع الحدث إلكترونيا
اللافت أيضاً أن الزيارة لم تحتج إلى حملة إعلامية تقليدية لكي تصبح حديثاً بين السودانيين.
لقد حولت مواقع التواصل الاجتماعي لحظة شخصية إلى حدث عام.
صور، مقاطع، تعليقات، دعوات للقاء، رسائل ترحيب، وتفاعل واسع؛ وكل ذلك جعل الزيارة نفسها جزءاً من المشهد السوداني.
وهنا تظهر قوة الإعلام الجديد.
لم يعد الجمهور ينتظر الصحيفة أو التلفزيون ليعرف ماذا حدث.
الجمهور نفسه يصنع القصة، ويتفاعل معها، ويعيد نشرها، ويمنحها أحياناً زخماً أكبر مما تستطيع وسائل الإعلام التقليدية أن تمنحه.. وهذا بالضبط ما يجعل زيارة العليان مختلفة.
ماذا نريد من كاميرا العليان؟
السؤال الأهم الآن ليس: ماذا سيصور خالد العليان في السودان؟
بل:
ماذا نريد نحن أن يرى العالم من خلال كاميرته؟
أعتقد أن السودان أمام فرصة لكي يقدم نفسه بصورة أكثر اكتمالاً.
نريد أن يرى العالم آثار الحرب، نعم.
لكن نريد أيضاً أن يرى الإنسان الذي يقف فوق الركام ويحاول أن يبدأ من جديد.
نريد أن يرى الخرطوم، ولكن لا نريد أن يرى الخرطوم باعتبارها مدينة للدمار فقط.
نريد أن يرى الأسواق والشوارع والبيوت والمساجد والجامعات والأنهار والحقول.
أن يرى الثقافة السودانية.
أن يسمع اللهجة السودانية.
أن يتذوق الكرم السوداني.
أن يسمع قصص الناس.
وأن يدرك أن السودان ليس مجرد أزمة إنسانية تحتاج إلى المساعدات، وإنما وطن يمتلك من الإمكانات والموارد والتاريخ والإنسان ما يجعله قادراً على النهوض متى توقفت الحرب واستعادت الدولة عافيتها.
زيارة تفتح نافذة جديدة
قد تنتهي زيارة خالد العليان بعد أيام، وقد تعود الكاميرا إلى السعودية، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا سيبقى من هذه الزيارة في ذاكرة الملايين الذين سيشاهدون محتواها؟
إذا بقيت مجرد صور مع المشاهير، فستنتهي بانتهاء الزيارة.
أما إذا نقلت قصص السودانيين كما هي، وكشفت حجم المعاناة دون أن تسجن السودان داخلها، وقدمت صورة صادقة عن الحياة بعد الحرب وعن التحديات التي تنتظر إعادة الإعمار، فإن أثرها يمكن أن يتجاوز ملايين المشاهدات.
لأن بعض الزيارات لا تقاس بعدد الصور التي التقطت فيها، وإنما بعدد العيون التي فتحتها على حقيقة لم تكن تراها.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله كاميرا العليان أن تقول للملايين:
هذا هو السودان..
ليس فقط البلد الذي سمعتم عن حربه، بل البلد الذي يعيش أهله هذه الحرب ويحلمون بالخروج منها.
ليس فقط الخراب الذي تركته المعارك، بل الإنسان الذي يقف وسط الخراب ويبني أملاً جديداً.
ليس فقط وطن المأساة، بل وطن الحياة.
وحين تنقل الكاميرا السعودية هذه الحكاية بصدق، فإنها لا تنقل صورة السودان إلى السعوديين والعرب فحسب؛ بل تفتح نافذة جديدة يرى السودانيون من خلالها أنفسهم كما ينبغي أن يراهم الآخرون: شعباً جريحاً، نعم، لكنه حي.. وشعباً أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد الأمل.
الزيارة _ كما قال العليان _ تهدف إلى التعريف بالسودان وإبراز صمود شعبه.. ولعل أهميتها تكمن في إختلافها عن التغطية الدولية المعتادة للحرب والتي تركز على القتل والنزوح والجوع والانهيار الاقتصادي.. في وقت لا يزال المدنيون يواجهون أوضاعاً شديدة الصعوبة مع تدهور الجنيه وارتفاع الأسعار مما يزيدان من الضغوط عليهم، فتأتي زيارة مؤثر عربي واسع الانتشار لتقدم سردية موازية عن
السودان الذي عانى من الحرب.. ومشاهد الدمار، مع الترميز على الإنسان السوداني نفسه: أسرته، كرمه، ثقافته، أسواقه، شوارعه، تماسكه الاجتماعي، قدرته على العودة، ومحاولاته إعادة بناء حياته.
بقي أن نشير إلى أن العليان يمتلك شيئاً لا تملكه وسائل الإعلام التقليدية.. المؤسسة الإعلامية تصل إلى جمهور يبحث عن الأخبار.. أما المؤثر فيدخل إلى هاتف المشاهد باعتباره شخصاً يتابعه أصلاً.. وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحالة السودانية.
إذا صور العليان تجربة حقيقية من داخل الخرطوم، وتحدث مع السودانيين مباشرة، ونقل تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن اللغة السياسية، فإنه يستطيع أن يجعل شخصاً في السعودية أو الخليج أو العالم العربي يرى السودان من خلال قصة إنسان سوداني وليس من خلال عنوان إخباري عن الحرب.
الترحيب الشعبي بالزيارة:
ربما تكون إحدى أهم دلالات الزيارة هي حجم العاطفة التي قابل بها السودانيون ضيفاً سعودياً.. فهم لا يستقبلون العليان باعتباره مجرد «مشهور».
وإنما هناك خلفية أوسع: علاقة شعبية وثقافية عميقة بين السودان والسعودية، إضافة إلى الدعم السعودي للسودان خلال الحرب.. لذلك فإن صور العليان وسط السودانيين يمكن أن تجسد بذاتها رسالة شعبية عن المحبة بين الشعبين.
مواقع التواصل الاجتماعي تصنع الحدث قبل أن تصنعه وسائل الإعلام.. ففي الزيارات التقليدية، تبدأ القصة من المسؤول أو الصحفي ثم تصل إلى الجمهور.. أما في زيارة العليان فالقصة تسير في اتجاه تفاعلي بين المؤثر والجمهور والإعلام والمجتمع.. وهذا ما ظهر أيضاً في زيارته الأخيرة لموريتانيا؛ إذ تحولت زيارة بدأت بدعوة طفل إلى استقبال شعبي واسع وتفاعل على المنصات.
ومن هنا يمكن فهم الحفاوة السودانية به باعتبارها جزءاً من ظاهرة أكبر: تحول صانع المحتوى إلى وسيط ثقافي وإنساني بين الشعوب.. لكن الأهم: ماذا سيُظهر العليان؟
هنا أرى أن نجاح الزيارة إعلامياً لن يقاس بعدد الصور أو المشاهدات فقط.
القيمة الحقيقية ستكون في نوع الصورة التي ستبقى في ذهن المشاهد العربي عن السودان.
إذا اكتفى المحتوى بالاستقبال والضيافة والأماكن الجميلة، فستكون الزيارة رحلة مؤثر ناجحة.
أما إذا استطاع أن يجمع بين جمال السودان ووجعه، وبين الكرم السوداني وآثار الحرب، وبين العودة والإعمار ومعاناة الناس، فسيكون للزيارة أثر مختلف.
بمعنى آخر:
ليس المطلوب أن يخفي السودان جراحه أمام العليان، وليس المطلوب أن يحول العليان السودان إلى مشهد من الجراح؛ المطلوب أن يرى السودان كما هو: شعباً أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد قدرته على الحياة.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها محتواه إلى ملايين المتابعين.
أما مسؤولية السودانيين ليست
التفاعل الشعبي الكبير معه فقط، بل يحتاج الأمر إلى وعي.. وألا يكون العليان مجرد «مشهور نريد صورة معه»، بل نافذة يستطيع السودان أن يخاطب من خلالها العالم العربي.. ويمكن أن يسمع من السودانيين:
ماذا حدث لهم خلال الحرب؟
كيف يعيش العائدون؟
ماذا يحتاج الناس؟
ماذا بقي من المؤسسات والخدمات؟
كيف بدأت عملية التعافي؟
ما الذي يريده السودانيون من العالم العربي؟
وما الذي يستطيع السودانيون أنفسهم تقديمه للعالم رغم الحرب؟
وهنا يتحول المؤثر من زائر للسودان إلى ناقل لتجربة السودان.
وفي تقديري، هذه هي القيمة الأعمق للزيارة: أنها جاءت في لحظة بدأ فيها السودان ينتقل، في بعض مناطقه، من سؤال كيف ننجو من الحرب؟ إلى سؤال كيف نعيد بناء الحياة؟؛ ولذلك فإن حضور شخصية سعودية ذات جمهور واسع داخل السودان يمكن أن يفتح نافذة إعلامية جديدة على مرحلة ما بعد الحرب، من دون أن يلغي ذلك حقيقة استمرار المعاناة في مناطق أخرى.
وختاما نسأل: ماذا يمكن أن تنقل عدسة خالد العليان عن السودان إلى 30 مليون متابع؟».
