محمد عبد المنعم صالح
mohamed.abdommm@icloud.com
علي الدوام لا يشكل الرجل الوطني الحقيقي المنحاز لقضايا الجماهير ظاهرة منفصلة عن الواقع ، بكافة معاني هذا الواقع جغرافياً وتاريخياً، بل هو دائماً وبالضرورة إبناً باراً بهذا الواقع، من حيث معايشته له، واندماجه به.
فلا يكون هذا النموذج العظيم عظيماً إلا بقدر ما يتماهى في اتجاه الحركة التاريخية لقضايا شعبه ، وقوانينها الحاكمة في إطار واقعه المُعين، حيث تتوازي هذه العظمة بمدى وعيه باتجاهات هذا الواقع، ومتطلباته التاريخية، وبمدى موضعة هذا لذاته ومُجمل فعاله ضمن السياق والاتجاه العام للحركة التاريخية، بما يدفعها قدماً على طريق التقدم الاجتماعي والإنساني مهما كانت الكلفة والفواتير ..
وكثيرة هى النظريات التي صيغت في مفهوم هذا النموزج ، وفي معنى عظماء التاريخ منهم ، وقد بلغ الشطط ببعضها أن تفسر التاريخ على ضوء البطولة، فترى التاريخ موضوعاً للإرادة البشرية للأبطال والعظماء والأقوياء، من سياسيين ومفكرين وثوريين وطنيين مُلغية لكافة القوانين الفاعلة والصانعة لذلك التاريخ، ومُختزلةً إياه من ملحمة عظيمة من العوامل والضرورات والتفاعلات المتعارضة والمتشابكة المنحازة للإنسان ..
هنا بدون أدني شك يتعارض هذا مع بعض رغبات وأهواء وسجايا بعض المعمعميون ( نهز لكل من غلب ) كماأسماهم الراحل الدكتور الموسوعي /منصور خالد ..
هؤلاء النهز هم علي الدوام على جانب آخر يشتطون مع كل من غلب بوجه حق أو بغيره !! هم علي الدوام مصالحهم الضيقة مرحلة في سلم التسلق ، مُتجاهلين لأي فاعلية إنسانية وبطولات متجردة، فالإرادة البشرية لا دور لها لديهم ، ولا أهمية لعبقرية أو بطولة مفكر وانساني متجرد ، فما هم إلا سوى أداة صماء بيد عمياء متجبرين ، ليتجسد مسارها وأدائها في النهاية في الصيرورة التاريخية المُحددة سلفاً في وعيهم ، ليس بغائية مُسبقة، بل بقوانين وحتميات القوة المتجبرة ، لا تعرف للإنسان دوراً ولا ترى له آثراً!!
وكما أن الفضيلة هى وسط بين رذيلتين، والعدل وسط بين ظلمين، فالحقيقة وسط بين شططين!! فالحقيقة أن التاريخ ليس بتلك البساطة ليُختزل في معادلات من الدرجة الأولى، وبحيث يصبح إما بلا قانون، فتتلاعب به المصادفات من أهواء ومطامح وسجايا بشرية من جهة، أو يصبح مساراً حديدياً لا يملك له ولا فيه البشر المنحازون للإنسان ، فعلاً ولا آثرا ً من جهة آخرى!!
فكما أن للتاريخ قوانيناً وجدليات واقعية، فإن للفعل البشري المتوائم معه دوره الحاسم في كثير من الأحوال، وقد يعمل الإثنان بتناغم، كما قد يتعارضا، وهنا تتمايز الدرجات وتتباين الفروقات، فالجدل الإجتماعي يبقى له الحسم على المدى الطويل، فلا يؤثر غياب رجل التاريخ المنحاز لقضايا الإنسان سوى في تأخير إنجاز المهمة التاريخية المُعينة، أو إنجازها على وجه آخر من النقص أو القصور، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، قد تتيح هذه التفاعلات الاجتماعية ذاتها لفرد إمكانية التغيير في الخصائص والملامح الذاتية لظاهرة تاريخية معينة، وبحيث تتلبس تلك الظاهرة ببصمة واضحة مميزة لهذا الفرد، بما يميزه خاصةً من أهواء وسجايا، وذلك بحكم ما قد تتيحه تلك التفاعلات الاجتماعية له ناجمة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية المعينة، والهياكل السلطوية والمؤسسية المرتبطة بها في المجتمع الذي يمارس ذلك الفرد فيه مستويات سلطته المشروعة فيه.
وهكذا تماما مايلعبه السياسيون الشرفاء والتاريخيين أمثال الباشمهندس الإنسان خالد عمر يوسف دورهم وبوعي كبير ضمن شروط وظروف تاريخية موجودة ومصنوعة سلفاً منذ ثورة ديسمبر العظيمة ، وما عليه سوى إدراك دوره التاريخي بتلمس ووعى الضرورة التاريخية والعمل بمقتضاها، وفقاً لقيم التقدم الإنساني والاجتماعي لعملية التغير، فليس هذا النموذج بصانع لتاريخ رغم أن هذا صحيح بدرجة ما وعلى مستوى معين من المقاربة التاريخية بقدر ما هو دور مطلوب و تاريخي.
وهذا الدور التاريخي الذي يلعبه الباشمهندس خالد عمر يوسف الآن هو تجسيد لفهم ودراسة حالة كيف يكون الرجال الشرفاء الوطنيين الثوريين التاريخيين المتجردين ، حيث من خلاله تتسنى معرفة ضرورتهم، وكيف استقاموا بأعباءهم وتحملوا مهامهم، وكيف يكون آثرهم الخاص والشخصي بفكرهم وممارساتهم ، في سياق فعلهم في الدور الذي اضطلعوا به في ثورة ديسمبر العظيمة ، بشكل مسؤول كامسؤولية تاريخية.
مدخل للخروج ..
لانملك ياصديقي غير أن نركض
فلم يعد هنالك متسع
لصغائر الجراحات .
غداً نواصل ،،،
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم