خالد هاشم خلف الله
Kld.hashim@gmail.com
يحتل الرثاء مرتبة عظيمة فى الشعر العربى وفى الاغلب الاعم تدور موضوعات قصائده فى رثاء الوالدين والانجال والإخوان وذوى القربى وصولا لأصحاب الصلات الاخرى من المشايخ والمعلمين وزملاء الدراسة أو المهنة وحتى الأمراء والملوك ورؤساء الجمهورية والحكومات ، غير أننى طالعت موضوعا جديدا فى الرثاء وهو رثاء المكتبات الشخصية مثلما فعل الدبلوماسى الأديب الأستاذ خالد موسى دفع الله فى مقاله الذى نشر على هذه الصحيفة الالكترونية سودانايل ( بكاء على حريق الكتب أم اصطلاء على شجون الذاكرة ) اذ خلت أول ما طالعت المقال أن الأستاذ خالد موسى سيتحدث عن احتراق مكتبة مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة ام درمان الأهلية بما تضمه من كتب ومخطوطات نادرة ذات صلة بعمل المركز فى الدراسات السودانية ومرد ظنى ذلك إلى اننى كنت قد شاهدت الزميل الطاهر المرضى مراسل قناة الجزيرة قد أعد تقريرا تلفزيونيا عن احتراق مكتبة مركز محمد عمر بشير وكيف أبانت اللقطات التلفزيونية المخطوطات والكتب وقد صارت إلى رماد وهى على رفوفها حتى أن الزميل الطاهر المرضى قد أظهرته احدى اللقطات وهو يقبض على رماد تلك الكتب والمخطوطات من على احد الارفف واذا بالرماد ينسرب من بين أصابعه ، ولم أدرى أن مكتبة الأستاذ خالد موسى دفع الله قد لقت المصير ذاته الذى لقته مكتبة مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية وهو الحرق على أيدى مليشيا الجنجويد.
ويكاد الأستاذ خالد قد طوف بنا معتمدا على ذاكرته وصلته الوثقى بمكتبته بما ضمته من كتب ومخطوطات فطوف بينا بين عناوينها واوجز لنا ما ضمته بعضها بين دفتيها وسرد لنا قصص ومناسبات تأليف بعضها واللقاءات والتى جمعته ببعض مؤلفيها وحتى يخيل إليك من دقة سرد الاستاذ خالد موسى لما ضمنته مكتبته من كتب أنه يجتمع بها ويؤانسها وتؤانسه وجها لوجه حتى حل الجنجويد بوجوهم التى تقطر شرا واقدامهم الثقيلة التى غاصت فى دماء ضحاياهم من الجنينة حتى تمبول.
و لا يعانى لوعة فقدان الكتب الا من تعود على اتخاذها رفيقا وانيسا لا تمل مجالسته وبلغ بالبعض حد البخل فى الامتناع عن تسليف الكتب والاستشهاد بالمقولة الذائعة احمقان معير الكتاب ومعيده ، وأذكر أن أستاذنا فى قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة الخرطوم الراحل الدكتور يحيى محمد إبراهيم أستاذ التاريخ الاسلامى قد درج بطيب نفس عرف بها ان يعيرنا نحن طلابه كتبا من مكتبته وفى أحدى المرات إخبره احد الزملاء بأنه اضاع كتابا كان قد استعاره منه فرد عليه الدكتور يحيى رحمه الله بالقول أن الكتاب لا يضيع الكتاب سيجده من يقرأه ويستفيد منه.
والحقيقة أن اتلاف الكتب بطرق مختلفة من الممارسات الرائجة فى تاريخ كثير من الأمم ومنها حتى امتنا الإسلامية مثل اغراقها فى الأنهار مثلما فعل المغول بمكتبات بغداد لكن يظل الحرق هو الوسيلة الأكثر أتباعا فى اعدام الكتب وذر رمادها فى الهواء الطلق وقد عدد الأستاذ خالد السعيد فى كتابه ( حرق الكتب ، تاريخ أتلاف الكتب والمكتبات ) أسباب حرق الكتب منها الأسباب الشخصية لبعض المؤلفين واستشهد فى ذلك بحرق ابوحيان التوحيدى لبعض كتبه فى اخريات عمره ، ومنها أسباب مذهبية مثل حرق الكتب بين السنة والشيعة ومنها ما حدث فى عام ٤٢٠ هجرية عندما حرقت كتب شيعة الرى – طهران الحالية – لاظهارهم الكفر البواح ، وحرق الاندلسيين لكتب فقهائهم و فلاسفتهم مثل ابن حزم وابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وقد آل معظم التراث الاندلسى للحرق حين سقطت حواضر الاندلس الكبرى تباعا بين أيدى الاسبان فى حروب الاسترداد وكانت إبراز محارق كتب الاندلسيين ما قام به الكاردينال خمينيس من حرق كتب مكتبات غرناطة عقب سقوطها بيد الاسبان عام ١٤٩٢م.
من العبارات المؤثرة التى قرأتها عقب اضطرار كثير من الأسر إلى ترك منازلهم فى الخرطوم بفعل غزاة الجنجويد ما كتبته ساندرا ابنة الراحل الدكتور فاروق كدودة من رسالة موجهة للجنجويد أنهم لن يجدوا فى منزلها هذا سوى الذكريات والكتب وحتى هذه لم تسلم من اجرامهم ولو سلمت لما وسعنا أن نقرأ رثاء خالد موسى دفع الله لمكتبته.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم