خطاب حميدتي في كمبالا وتحولات الصراع في السودان: قراءة سياسية في الروايات المتنافسة

بقلم: لوال كوال لوال

لم يكن الخطاب الذي ألقاه محمد حمدان دقلو (حميدتي) في كمبالا مجرد مداخلة إعلامية عابرة، بل جاء في توقيت سياسي بالغ الحساسية، ما جعله جزءاً من معركة السرديات التي ترافق الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023. ففي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تكون التصريحات مجرد نقل للوقائع، بل أدوات لإعادة تشكيل الذاكرة السياسية وتحديد مواقع المسؤولية. أحد المحاور المركزية في خطاب كمبالا تمثل في إعادة قراءة نشأة قوات الدعم السريع ودورها في مرحلة ما قبل الانفجار الحالي. وقد أشار حميدتي إلى أن صعود قواته جاء في سياق طلب رسمي لمواجهة تمدد الحركات المسلحة والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، خاصة بعد أحداث أم كرشولا عام 2013، التي سيطرت عليها الجبهة الثورية السودانية بمشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال. وقد شكّل ذلك الحدث صدمة أمنية داخل الدولة السودانية، إذ بدا أن ميزان القوة الميداني آخذ في التغير. في هذا السياق، اتجه الرئيس السابق عمر البشير إلى التفكير في إنشاء قوة عسكرية خاصة تدين له بالولاء المباشر. ووفقاً لما ذكره في عدد من لقاءاته الجماهيرية، فقد طلب من محمد حمدان دقلو (حميدتي) تقديم دعم عبر تنجيد قوة قوامها خمسة آلاف مقاتل. وتشير روايات البشير إلى أن حميدتي استجاب للطلب وقام بتعبئة نحو ستة آلاف مقاتل. وعند قراءة هذه الواقعة في إطارها السياسي، فإنها تكشف عن مستوى واضح من التنسيق الذي كان قائماً آنذاك بين رأس الدولة وقوات الدعم السريع، كما تُضعف السرديات التي تحاول تصوير العلاقة بين الطرفين في تلك المرحلة باعتبارها علاقة تنافر أو استقلال كامل. لاحقاً، جرى تقنين هذه القوة عبر تمرير قانون خاص بها في البرلمان السوداني الذي كانت تهيمن عليه الحركة الإسلامية ممثلة في حزب المؤتمر الوطني، لتُعرف رسمياً باسم قوات الدعم السريع بعد إجازة قانونها عام 2017. وتجدر الإشارة إلى أن حكومات سابقة في الخرطوم — في عهدي جعفر نميري والصادق المهدي — كانت قد سبقت هذا النهج بإنشاء تشكيلات خاصة مثل قوات المراحيل وقوات الدفاع الشعبي. وقد ارتبطت هذه التشكيلات شبه العسكرية، التي تكوّن معظم عناصرها من قبائل عربية في كردفان ودارفور، بوقائع عنف واسعة أسفرت عن مقتل آلاف الجنوبيين خلال سنوات الحرب، وظلت تُعد في جوهرها ميليشيات موالية للأنظمة الحاكمة في الخرطوم. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من الذي أنشأ الدعم السريع؟ بل الأهم: كيف تحولت علاقة التعاون الأمني إلى صراع وجودي بين شريكين سابقين في المنظومة نفسها؟ الإجابة تقودنا إلى بنية الدولة السودانية خلال العقود الماضية، حيث جرى توظيف تشكيلات مسلحة متعددة خارج الإطار العسكري التقليدي لمواجهة تمردات الأطراف. هذا النموذج، الذي بدا عملياً على المدى القصير، حمل في داخله بذور التوتر المستقبلي، لأنه أنتج مراكز قوة موازية داخل المنظومة الأمنية. خطاب كمبالا حاول أيضاً توظيف سؤال الهوية الوطنية، حين ألمح حميدتي إلى أن مسألة سودانيته لم تُثر إلا بعد اندلاع الحرب. من منظور سياسي، يعكس هذا الطرح إدراكاً لطبيعة الخطاب التعبوي في النزاعات الداخلية، حيث تتحول قضايا الانتماء إلى أدوات نزع شرعية متبادلة بين الخصوم. لكن اختزال الأزمة في جدل الهوية يظل تبسيطاً لمشكلة أعمق بكثير. فجوهر الصراع السوداني الراهن يرتبط بتفكك مركز القرار الأمني، وتراكم إرث طويل من عسكرة السياسة والمجتمع السوداني، وتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة. هذه العوامل البنيوية هي التي جعلت الانتقال من الشراكة إلى المواجهة احتمالاً قائماً منذ سنوات، حتى وإن تأخر انفجاره. كما يثير الخطاب تساؤلات حول فعالية مسارات الوساطة الخارجية، خاصة منبر اتفاق جدة. التجربة التاريخية للسودان تظهر أن نجاح الاتفاقات لم يكن مرتبطاً فقط بجهة الوساطة، بل بمدى توفر إرادة تنفيذ حقيقية لدى الأطراف المتحاربة. فقد نجحت بعض المبادرات مرحلياً، بينما تعثرت أخرى بسبب غياب الثقة وتضارب مراكز القرار. سياسياً، يمكن القول إن خطاب كمبالا يمثل محاولة لإعادة تموضع في معركة الشرعية، أكثر منه مجرد سرد تاريخي. فهو يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: تثبيت رواية معينة عن نشأة الدعم السريع، ونقل جزء من مسؤولية الأزمة إلى بنية النظام السابق، وكسب تعاطف إقليمي مع موقف قواته في الصراع الجاري. لكن في المقابل، فإن أي تحليل موضوعي يفرض الاعتراف بأن الأزمة السودانية نتاج تراكمي لممارسات متعددة شاركت فيها أطراف مختلفة على مدى سنوات. تحميل المسؤولية لطرف واحد قد يكون مجدياً سياسياً، لكنه لا يفسر التعقيد الحقيقي للمشهد. إن المعضلة الكبرى التي كشفتها أحداث السنوات الأخيرة هي هشاشة نموذج الدولة الأمنية الذي تشكل في السودان، حيث تداخلت الوظائف العسكرية مع الحسابات السياسية، وتكاثرت مراكز القوة المسلحة خارج الضبط المؤسسي الصارم. وفي مثل هذا السياق، يصبح الصدام بين الشركاء السابقين احتمالاً بنيوياً أكثر منه حادثاً عرضياً. المخرج من الحلقة المفرغة لا يكمن في إعادة إنتاج السرديات المتنافسة، بل في مراجعة جذرية لبنية المؤسسة العسكرية والأمنية، وإعادة تأسيس مبدأ الجيش المهني الموحد، ووضع حد نهائي لظاهرة تعدد التشكيلات المسلحة داخل الدولة. في المحصلة، يظل خطاب كمبالا وثيقة سياسية ذات دلالة، لكنه ليس حكماً نهائياً على تاريخ العلاقة بين النظام السابق وقوات الدعم السريع. الطريق نحو استقرار السودان يمر عبر قراءة نقدية متعددة المصادر، وإرادة سياسية تتجاوز منطق الغلبة، وإصلاح مؤسسي عميق يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السودان أسيراً لمعادلة مختلة تتنازعها الروايات، بينما يبقى السلام الحقيقي مؤجلاً بانتظار تسوية تعيد بناء الدولة على أسس أكثر تماسكاً وشفافية.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …