نزار عثمان السمندل
على نحوٍ فجّ يتكشّف المشهدفي السودان. كأن حوائط التماسك الهشّ التي أُنفقت عليها شهور من المناورة سقطت دفعة واحدة، وتركت السلطة عارية أمام اختبار الثقة.
تصريحات العميد طارق كجاب انزلقت إلى مساحة لا تحتمل التأويل، وأطلقت إشارة حادة التقطتها العواصم سريعاً، فترجمتها إلى موقف بارد يقترب من القطيعة.
الدعم الإقليمي المُوجّه لسلطة بورتسودان، تهاوى تحت وطأة خطاب كيجاب البغيض، الذي يهدّد شروط الحياة ويضع الماء والطاقة، بدول الخليج، في مرمى التدمير الإيراني.
تتكرر الحكاية بوجوه مختلفة، ويظهر في كل مرة صوتٌ من داخل الدائرة نفسها ليقوّض ما يُراد ترميمه. الناجي مصطفى مرّ من هنا وترك أثره، والناجي عبد الله رفع السقف إلى حدود الاندفاع نحو حروب الآخرين، وها كجاب يدفع بالمشهد إلى حافة أشد قسوة.
سلسلة متصلة من الاندفاعات تكشف بنية فكرية تتغذى على التصعيد، وتجد في الفوضى بيئة طبيعية، وتتعامل مع الاستقرار كخصم ينبغي إضعافه.
لغة لا تنتمي إلى تقاليد السياسة، ولا تعترف بحدود الصراع، تذهب مباشرة إلى استهداف المدنيين، أينما كانوا، عبر شروط بقائهم الأساسية.
ينحسر المعنى السياسي أمام هذا النوع من الخطاب، وتُبرز صورة سلطة تبدو عاجزة عن ضبط من يتحدث باسمها أو يقاتل تحت رايتها. يتآكل رصيد الثقة بصمت ثقيل، وتتحول الوعود إلى أوراق بلا قيمة في نظر شركاء كانوا ينتظرون سلوكاً منضبطاً من سلطة بورتسودان يوازي حجم الرهانات.
الرياض تقرأ الإشارات بوضوح، وتعيد ترتيب حساباتها على أساس أن الشريك الذي لا يملك قراره، لا يمكن البناء عليه في ترتيبات طويلة الأمد. خيبة أمل تتسلل إلى الموقف، وتدفع نحو البحث عن بدائل أكثر قابلية للثبات.
يأتي تعطيل صفقة التسليح مع باكستان كعنوان لهذا التحول. مشروع ضخم ظل قيد التشكّل منذ مطلع العام، بقيمة تصل إلى مليار ونصف المليار دولار، كان يُفترض أن يعزّز قدرات الجيش بطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي ومسيرات متطورة.
التعليق المفاجئ للاتفاق يكشف عمق التصدع، ويعكس قراراً سياسياً يتجاوز التفاصيل التقنية إلى سؤال الثقة ذاته. الوساطة التي حملت الطابع السعودي لم تعد قادرة على الاستمرار في ظل خطاب يهدّد أمن المنطقة، ويضع حلفاء الأمس في دائرة الاستهداف؛ حتى لو كان لفظياً.
في الداخل، تتكشف حدود القدرة على الفصل بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي الذي يحيط بها ويدير جزءاً معتبراً من خطابها. خطوة اعتقال الناجي عبد الله (هل اعتُـقل حقاً؟) بدت إشارةً إلى محاولة امتصاص الغضب، لكنها حملت في طياتها اعترافاً ضمنياً بصعوبة السيطرة على شبكة أوسع من الفاعلين الإسلاميين على الأرض.
تتزامن هذه التعقيدات مع حراك دولي يتضاعف قبل موعد برلين المرتقب. الولايات المتحدة ومعها شركاء إقليميون وغربيون يدفعون باتجاه صيغة سياسية جديدة، تتضمن إبعاد الإسلاميين من المجالين العسكري والسياسي، وتفكيك شبكات الدعم التي تُصنّف ضمن منظومات تهدد الأمن الدولي. الضغط هنا يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، ويستند إلى أدوات تصنيف وعقوبات تعيد تشكيل البيئة المحيطة بالسلطة في بورتسودان.
محاولات التجميل السياسي تتصاعد ضمن مجموعة قائد الجيش، عبر الدفع بوجوه تحمل صفة مدنية شكلية، وتتبنى في العمق الرؤية نفسها التي تقود الحرب. هذا التبديل في الواجهات لا يغيّر من جوهر المعادلة، بل يضيف درجة جديدة من الالتباس.
من ذلك؛ مثلاً: مستشار البرهان الجديد، أمجد فريد، الذي أعاد توجيه الأنظار إلى قطر، حيث طرح مقترح محاكمة عمر البشير بالدوحة، كإشارة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز البعد القانوني.
محاولة لفتح قنوات تمويل بديلة، واستثمار في علاقات يمكن أن تخفف من وطأة العزلة المتنامية، في بيئة إقليمية سريعة التحول.
الإقليم يعيد تشكيل نفسه تحت ضغط صراعات كبرى، ويعيد ضبط المسافات وفق معيار العلاقة مع طهران. هنا تبدو الكفة الميدانية أقل ميلاً لصالح الجيش، مع استمرار تدفق الإمدادات إلى خصومه، واتساع رقعة الاستنزاف، في ضوءحقيقة ماثلة تؤكد تراجع قدرة أي طرف على فرض معادلته على الطرف الثاني في ميدان المعارك.
يضيق هامش مناورة البرهان إلى حدٍ يكاد يلامس الصفر. المبادرة الدولية تبرز كخيار أخير يحمل إمكانية الخروج، بينما يتراكم الزمن كعامل ضغط لا يرحم. الإصرار على عدم كبح التيار الإسلامي يُضاعف الكلفة على قائد الجيش، ويدفع نحو لحظة يصبح فيها ما هو متاح اليوم بعيد المنال غداً.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم