خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (2 – 29):
إعلان فرانكفورت 1992
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
بدأنا في هذه السلسلة من المقالات (وهي السلسلة الرابعة) مناقشة تاريخ وتطوّرات مطلب حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان منذ ستينيات القرن الماضي، ثم بداية المفاوضات والاتفاقيات التي تضمّنت ذلك المطلب منذ التسعينيات.
وكما أوضحنا في المقال الأول من هذه السلسلة، فسوف نتوقّف في مقالٍ منفصلٍ في هذه السلسلة عند كل محطةٍ من محطات التفاوض والاتفاقيات الكثيرة والمتعدّدة حول حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
سوف تكون المحطةُ الأولى هي إعلان فرانكفورت الذي وقّع عليه في 25 يناير عام 1992 الدكتور علي الحاج محمد، مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ والحركة الإسلامية الحاكمة في السودان، مع الدكتور لام أكول أجاوين مُمثّلاً لفصيل الناصر المنشقّ من الحركة الشعبية لتحرير السودان.
2
ناقشنا في المقال السابق وساطة الحكومة الإثيوبية الماركسية بين حكومة الإنقاذ الإسلامية والحركة الشعبية، والتي نتج عنها لقاء أديس أبابا بين الطرفين في أغسطس عام 1989.
تلت ذلك اللقاء وساطة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر والتي قادت إلى لقاء نيروبي في نهاية شهر نوفمبر وبداية شهر ديسمبر عام 1989.
لكن كما أوضحنا في ذلك المقال، فلم يتم التوصّل لأيّ اتفاقٍ خلال أيٍ من اللقاءين. وتوقّفت الاتصالات بين الطرفين.
3
في تلك الأثناء حدث الانشقاق الكبير داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبرز فصيل الناصر في شهر أغسطس عام 1991 ببرنامجه الجديد الذي يدعو صراحةً إلى حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد تبع ذلك في شهر سبتمبر من نفس العام (1991)، كما ناقشنا بالتفصيل من قبل، تبنّي الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم لمطلب حق تقرير المصير أيضاً.
4
رأت حكومة الإنقاذ في انشقاق الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبروز فصيل الناصر في شهر أغسطس عام 1991، فرصةً ذهبيةً ثمينةً لاستثمار ذلك الانقسام، والعمل من خلاله على إضعاف الحركة الشعبية الأم، بتوسيع وتعميق ذلك الانشقاق.
كان في ذهن الإنقاذ الضربة الموجعة التي تلقّتها الحركة الشعبية إثر انهيار نظام منقيستو هايلي ماريام الماركسي في إثيوبيا في شهر مايو عام 1991، وتوقّف العون العسكري غير المحدود الذي كانت الحركة تتلقاه من أديس أبابا، والأوامر للحركة بمغادرة إثيوبيا في شهر يونيو عام 1991، بعد أسابيع قلائل من سقوط النظام.
وقد رأت الإنقاذ في تبنّيها للفصيل المنشق فرصةً ذهبيةً أخرى لمواصلة ضربة إثيوبيا الموجعة للحركة الشعبية لإضعافها، بل والقضاء عليها نهائياً!.
لهذه الأسباب فقد قرّرت حكومة الإنقاذ الاعتراف (وبسرعةٍ بالغةٍ) بالفصيل المنشق الجديد، والتفاوض والتعاون معه عسكرياً وسياسياً بهدف إضعاف الحركة الشعبية الأم – العدو الرئيسي والمهدّد الحقيقي لحكومة الإنقاذ الإسلامية في السودان – عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً. فعدوُ عدوِّك صديقُك!.
5
بدأت الحكومة اتصالاتها مع فصيل الناصر، الذي برز الدكتور لام أكول أجاوين كقائدٍ له، فور وقوع الانشقاق داخل الحركة الشعبية. اتفق الطرفان، بعد لقاءاتٍ قصيرة في نيروبي في شهر أكتوبر عام 1991 (بعد أقل من شهرين من حدوث الإنقسام داخل الحركة)، على لقاءٍ موسّعٍ ورسميٍ في إحدى الدول الأوروبية، وتم الاتفاق على مدينة فرانكفورت في دولة المانيا الاتحادية.
من الواضح أن علاقة الدكتور علي الحاج بدولة المانيا قد ساهمت كثيراً في اختيار فرانكفورت مدينةً للقاء، وسهّلت إجراءات التأشيرات والدخول والإقامة والتفاوض لأعضاء الوفدين.
6
وصل الوفدان إلى فرانكفورت يوم 22 يناير عام 1992، وبدأت مفاوضاتهما في 23 يناير واستمرت حتى يوم 25 يناير. قاد وفد حكومة الإنقاذ الدكتور علي الحاج، وشملت عضوية الوفد العميد كمال علي مختار، والسيد موسى علي سليمان، والسكرتير الأول بالسفارة السودانية بألمانيا السيد محمد حسين زروق.
قاد وفد الحركة الشعبية جناح الناصر الدكتور لام أكول أجاوين، وشملت عضوية وفده السادة جون لوك، وتيلار دينق، وتعبان دينق، والدكتور كاستيلو قرنق.
7
قدّم كلٌ من الوفدين تصوّره لحل النزاع السوداني.
تضمّنت مقترحات وفد حكومة الإنقاذ إقامة نظامٍ فيدرالي باعتباره الخيار المناسب لتحديد العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين الولايات كافةً، وباعتباره النظام الأمثل الذي يسمح للشعب السوداني بالتعبير عن اختلافاته وتعدّديته الثقافية والدينية والعرقية واللغوية.
ارتكزت المقترحات الحكومية على الاتفاق على صيغةٍ لاقتسام السلطة والثروة بين الشمال والجنوب، وعلى دمج قوات الحركة الشعبية/الجيش الشعبي في القوات المسلحة وقوات الشرطة، وإنشاء مجلسٍ قوميٍ يترأسه رئيس الجمهورية لمباشرة إعادة تأهيل الولايات الجنوبية، وإعادة توطين المجموعات التي تأثرت بالحرب.
8
غير أن تصوّر فصيل الناصر كان مختلفاً تمام الاختلاف، ومطوّلاً.
أوضح تصوّر الفصيل أنه منذ عهد الاستعمار وحتى الاستقلال لم يُمنح جنوب السودان أبداً الفرصة ليقرّر في وضعية جنوب السودان السياسية، وأن قرار إلحاق جنوب السودان بالسودان في عام 1947 قد تمّ اتخاذه بواسطة القوى المستعمرة بالتواطؤ مع شمال السودان، دون الأخذ في الاعتبار تطلّعات شعب الجنوب.
كذلك كان الأمر في اجتماع القاهرة عام 1953 والذي تمّ فيه تحديد المصير السياسي للجنوب، وللسودان كله، بواسطة الشماليين وحدهم، وتمّ حرمان الجنوبيين من المشاركة بدعوى أنهم غير منظّمين سياسياً.
أشار تصوّر فصيل الناصر إلى قيام الشماليين بتحديد مصير البلاد بحسب مصلحتهم، وأنه منذ الاستقلال في عام 1956 كانت وحدة السودان تقوم على هيمنة الشمال على الجنوب في جميع المناحي، مما أدّى إلى نكران المساواة والعدل والحريات السياسية والتنمية الاقتصادية للجنوب.
أوضح التصّور أن الوصول إلى سودانٍ علمانيٍ متّحدٍ غير ممكنٍ في المستقبل القريب، وذلك بسبب القوى الإسلامية المتمكّنة في الشمال.
وبينما اعترف التصوّر بحقِّ الشماليين في تطبيق القوانين والسياسات الإسلامية على أنفسهم، فقد أوضح ذلك التصوّر أن للجنوبيين نفس الحق في اختيار قوانين علمانية ومبادئ سياسية واجتماعية تناسب قيمهم وتطلعاتهم.
9
شدّد التصوّر على أن جزئي السودان (الشمال والجنوب) لديهما اختلافاتٌ عرقيةٌ وثقافيةٌ ودينيةٌ وتاريخيةٌ وجغرافيةٌ كبيرة، وقد فشلا تماماً خلال ال 36 عاماً منذ الاستقلال في تكوين دولةٍ قابلةٍ للوجود، بحسب ما تشهد به الحرب المستمرة بين الطرفين.
خلص التصوّر أنه لحل مشكلة الحرب الأهلية في السودان، فإن شعب الجنوب يجب أن يمارس حقّه غير المشروط في أن يختار وضعه السياسي بحرية، وكذلك سبل تطوره الاقتصادي والاجتماعي، وأنه يجب على حكومة السودان أن تعترف وتلتزم بمنح شعب الجنوب الحق في ممارسة استفتاء،خلال فترةٍ محدّدة، ليقرّر الجنوبيون ما إذا كانوا سيبقون ضمن السودان الموحّد، أم تكون لهم دولتهم المستقلة.
واختتم التصوّر القول أنه فور تصديق الحكومة على هذا الخيار فسيدخل الطرفان في محادثاتٍ مفصّلةٍ حول نظام الحكم خلال الفترة الانتقالية، وخاصةً تقاسم السلطة والموارد وإجراءات الأمن والإغاثة وإعادة التأهيل والتوطين والتعمير.
10
وهكذا طرح الوفد الحكومي تصوّره لحل مشكلة الجنوب بقيام نظامٍ فيدرالي يسمح للشعب السوداني بالتعبير عن اختلافاته الثقافية والدينية والعرقية.
كان هذا هو التصوّر الذي تبنّاه وطرحه الحزب الليبرالي لجنوب السودان رسمياً عام 1954، وطالب به باسم الجنوب الأب سترنينو لوهوري أمام لجنة الدستور، ثم أمام البرلمان السوداني عام 1958.
وقد تبنّى الدكتور علي الحاج في فرانكفورت في يناير عام 1992 نفس الأسباب التي عدّدها السيد ويليام دينق عند مطالبته بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان في مؤتمر المائدة المستديرةفي شهر مارس عام 1965 – استيعاب الخلافات الدينية والعرقية والثقافية بين شعبي شمال وجنوب السودان.
غير أن الأحزاب الشمالية جميعها، خاصةً الجبهة القومية الإسلامية بمسمياتها المختلفة، رفضت على لسان قادتها، ذلك الطرح مراراً وتكراراً، خصوصاً خلال مؤتمر المائدة المستديرة. وتعالت وظلت تتعالى الهتافات العبثية الصاخبة التي قادها الإسلاميون وقتها – “لا فيدرالية لأمةٍ واحدة.”
.(No Federation for One Nation)
عليه فإن ما عرضه بعض الساسة الجنوبيين في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، ورفضه بشدّةٍ الساسة الشماليون وقتها (بما فيهم الجبهة القومية الإسلامية)، عادت حكومة الإنقاذ الإسلامية إليه، وقامت بتبنّيه كاملاً، وكما هو، عام 1992.
11
قضى الوفدان اليوم الأول يستمعان إلى بعضهما البعض.
هاجم فصيل الناصر طرحَ الحركة الشعبية الأم للسودان الجديد، وطرحَ الحكومة للنظام الفيدرالي (الذي ذكر أن الزمن قد تجاوزه)، ووصفهما بأنهما مضيعة للوقت بسبب إصرار الشمال على تطبيق القوانين الإسلامية. وأكّد فصيل الناصر أن ذلك من حقِّ الشمال، ولكن بنفس المنطق فمن حقِّ الجنوب تقرير مصيره أيضاً.
كان من المُفترضِ أن يحاول وفد حكومة الإنقاذ أن يلتقي فصيل الناصر في منتصف الطريق، كما يحدث عادةً في المفاوضات، ويطرح (كخيارٍ) تصوّرَ النظام الكونفيدرالي، ليناقش الطرفان مكوناته وتفاصيله. لكنه لم يفعل.
بل لم يدخل وفد الإنقاذ في نقاشٍ مفصّلٍ حول تفاصيل مقترح فصيل الناصر لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، ووافق في نهاية الأمر، في اليوم الثاني فقط للمفاوضات، على طرح فصيل الناصر كما هو.
12
عليه فقد تمّ التوصّل والتوقيع في يوم 25 يناير عام 1992 على إعلان فرانكفورت بواسطة الدكتور علي الحاج محمد والدكتور لام أكول أجاوين. تضمّن الإعلان لأول مرة في تاريخ السودان اعترافاً حكومياً رسمياً وصريحاً واضحاً بحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
13
فقد نصّت ديباجة إعلان فرانكفورت على لقاء الوفدين اللذين يمثلان حكومة السودان، واللجنة التنفيذية الوطنية الانتقالية للحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح الناصر)، بمدينة فرانكفورت بالمانيا لمناقشة والتفاوض حول مسيرة السلام في السودان. أوضحت الديباجة أن وفد الحكومة قد ترأسه الدكتور علي الحاج محمد، وأن وفد جناح الناصر قد ترأسه الدكتور لام أكول أجاوين. تناول الإعلان ببعض التفصيل النقاط التي تمّ التوصّل إليها.
14
نصّت الفقرة الأولى من الإعلان على أنه ستكون هناك فترة انتقالية يتّفق عليها الطرفان من يوم توقيع اتفاقية السلام بين الطرفين، يتمتّع جنوب السودان خلالها بنظامٍ دستوريٍ وسياسيٍ خاص في إطار السودان الموحّد.
وتضمّنت هذه الفقرة أيضاً أنه بعد نهاية الفترة الانتقالية يمارس شعب جنوب السودان حقه ليختار بحريةٍ النظام السياسي والدستوري الذي يناسب تطلّعاته الوطنية دون استبعاد أيِّ خيار.
ولتجنّب اللجوء إلى المواجهة المسلّحة مستقبلاً بين شعب الجنوب والحكومة المركزية، وكوسيلةٍ لحلِّ الخلافات الدستورية والسياسية وغيرها، اتفق الطرفان على وضع إجراءاتٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ موسّعةٍ للتأكّد من خلال استفتاء على آراء شعب الجنوب حول وضعهم السياسي والدستوري بعد الفترة الانتقالية.
15
اتفق الطرفان أيضاً على حضور جولة المفاوضات المقترحة القادمة في أبوجا في دولة نيجيريا، على أن يبدأ وقف إطلاق النار الشامل في الجنوب والمناطق المتأثّرة بالحرب في الشمال قبل بدء المفاوضات.
أوضح الإعلان أن المسائل التي سيتقدّم الطرفان بمقترحاتٍ مفصّلةٍ للتفاوض حولها في لقاء أبوجا هي نظام الحكم خلال الفترة الانتقالية، خصوصاً مسألة اقتسام السلطة والثروة، بالإضافة إلى الترتيبات الأمنية والإغاثة وإعادة التوطين وإعادة التعمير.
16
لا بد أن دويَّ تلك القنبلةِ الهائلة قد تمّ سماعه في الخرطوم وجوبا، وفي كل الإقليم، إن لم نقل العالم، في تلك الساعة وذلك اليوم – 25 يناير عام 1992 – على الرغم من أن وفد حكومة الإنقاذ كان يعتقد ويأمل أن يظل ذلك الاتفاق مُغلقاً داخل جدران غرفة التفاوض، في ذلك الفندق الصغير في مدينة فرانكفورت، وأن لا يتم توزيعه وتداوله خارج مجموعتي التفاوض.
كانت تلك القنبلة الهائلة هي اعتراف حكومة الإنقاذ الإسلامية بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لأول مرةٍ في تاريخ السودان.
17
لكن على الرغم من هذا الاعتراف المكتوب والواضح بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان فإن الكثير من قادة الإنقاذ وإعلامييها ودبلوماسييها ظلوا (وما يزالون) يجادلون في مكابرة أن إعلان فرانكفورت لم يتضمّن مصطلح حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان – تضمن فقط الاستفتاء لشعب جنوب السودان!!
صحيحٌ أن إعلان فرانكفورت لم يستعمل صراحةً مصطلح “تقرير المصير.”
غير أن الإعلان اشتمل على المُقوِّمين الأساسين لمبدأ حق تقرير المصير، وهما الاستفتاء وعدم استبعاد أيِّ خيار، بما في ذلك بالطبع خيار الانفصال. وقد كان ذلك هو ما طالب به فصيل الناصر.
عليه فإن عدم اشتمال إعلان فرانكفورت صراحةً لمصطلح “حق تقرير المصير” لم يكن ليعني أكثر من “استحياء” و”تخوّف” الإسلاميين من ذكره في الإعلان.
18
من المؤكّد أنّ هذا الاستحياء قد فرضته حقيقة أنّ هذه أولُّ مرةٍ في تاريخ السودان توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وهي حكومة نفس الحزب الذي رفض في الماضي حتى النظام الفيدرالي للجنوب. ورفض وقام بؤأد كلٍ من إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق، اللتين لم تناديا بأكثر من مؤتمرٍ دستوريٍ، وتجميد تطبيق قوانين سبتمبر حتى انعقاد المؤتمر.
19
من الجانب الآخر فإن أية إجراءات تفيد باستفتاء شعب جنوب السودان، وتعطيه كلَّ الخيارات بما في ذلك الانفصال (سواءٌ اسمتها الاتفاقية صراحةً حق تقرير المصير أم لم تفعل) هو انتصارٌ كبيرٌ للدكتور لام أكول أجاوين ولفصيله المنشق عن الحركة الشعبية الأم، ابن الخمسة أشهر.
20
من أين ياترى استمدّ الدكتور علي الحاج مرجعيته، ومن أعطاه التفويض والسلطة للموافقة على هذا التنازل الكبير والخطير وغير المسبوق في تاريخ السودان لفصيل الناصر؟
هل كان ذلك قراراً من الحكومة، أم من الحركة الإسلامية والحزب الحاكم، والأممية الإسلامية؟ أم تفويضاً من الدكتور حسن الترابي الذي كان الآمر والناهي والحاكم الحقيقي والفعلي للسودان في ذلك الوقت؟
أم كان قراراً اتخذه الدكتور علي الحاج بنفسه في فرانكفورت بعد أن رفض فصيل الناصر عرضه بالنظام الفيدرالي، وتعاملت معه الحكومة والحزب الحاكم بعد ذلك على أنه أصبح أمراً واقعاً؟
21
في كتابٍ لأحد أعضاء الحركة الإسلامية عن تجربة الإسلاميين في الحكم في السودان، تطرّق الكاتب إلى إعلان فرانكفورت وحق تقرير المصير، وذكر أنه:
“عند عودة د. علي الحاج إلى الخرطوم، وفي اجتماع مشترك للقيادة (جرى في منزل د. الترابي) وفي ردٍ على سؤالٍ عن مدى التفويض الذي ناله ليقدم مثل هذا المقترح لممثل الجنوب في اللقاء، أجاب د. علي الحاج أنه تحادث مع د. الترابي (عبر الهاتف) وأنه نال مباركته على هذا الأمر. يكشف هذا بجلاء كيف أن قضية محورية لا تمس السودان فحسب بل تتجاوزه إلى القارة الأفريقية جمعاء يجري تفويض شخص فيها عبر اتصال هاتفي مع آخر، بغض النظر عن الثقل الذي يمثلانه. شبّه أحد الحضور الأمر بأنه وكأنه (منزل يريدان بيعه أو ايجاره) وليس وطناً يعيش عليه ملايين من البشر.” (راجع: عبد الغني أحمد إدريس، الدعوة للديمقراطية والإصلاح السياسي في السودان – الإسلاميون: أزمة الرؤيا والقيادة (مؤسسة سنار الثقافية، لندن 2012) صفحة 95.)
22
وهكذا فتح إعلان فرانكفورت القمقم، وخرج مارد تقرير المصير لشعب جنوب السودان، ولم يعد بإمكان أحدٍ من القيادات الإسلامية أو الشمالية الأخرى إعادته إلى مكانه.
لم تعدْ المطالبة بحقُّ تقريرِ المصير بعد 25 يناير عام 1992 جُرماً يُعاقِب القانون السوداني بالسجن لفتراتٍ طويلةٍ من يتبنّاه أو يدافع عنه، بل أصبح حقّاً لشعب جنوب السودان بمقتضى اتفاقٍ وقّع عليه أحد كبار المسئولين السودانيين في الدولة والحزب الحاكم والحركة الإسلامية السودانية والأممية، وتمّ التوصّل إليه في دولةٍ أوروبيّةٍ دون وسيطٍ أو طرفٍ ثالث يمكن أن يُتهم بأنه مارس ضغطاً على حكومة الإنقاذ ووفدها المفاوض في فرانكفورت.
23
ولم يعد الاعتراف والتوافق على حقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان بعد إقرار
حكومة الإنقاذ به في 25 يناير عام 1992 حكراً على الطرفين. بل انتشر خبره وأنشأ سابقةً سيعتمد عليها الوسطاء (الأفارقة والأوروبيون والأمريكان) بين الشمال والجنوب بعد أشهرٍ قليلةٍ من صدور إعلان فرانكفورت، في كل مبادراتهم القادمة، كما سنناقش بقدرٍ من التفصيل في المقالاتٍ القادمة من هذه السلسلة من المقالات.
Salmanmasalman@gmail.com
