خليل الفرح في دار (فوز) (1)

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
رحل عنا الي دار الخلود في سنة 1932م، ولم يكن هذا العملاق فناناً بالمعني الذي يفهمه الناس الآن في حاضرنا، أي لم يكن مغنياً وسميناه غصباً “فناناً”، ولكنه كان أوسع بكثير من هذا المفهوم الضيق، لأنه كان أديباً أريباً، وكان شاعراً بعيد الخيال وواقعي الكلمات، وكان بطلاً قومياً ووطنياً تشهد له حروفه وألحانه وموسيقاه ومواقفه كسوداني عادي دون ألقاب ولا كنيات.
وهبه الله صوتاً غريداً ليس كسائر الأصوات، ويمتلك ذوقاً خاصاً ورفيعاً، فقد كان يرسم خياله شعراً واقعياً، وينثره في قوالب لحنية وكأنها تأتينا من عوالم روحيه، وترفعنا الي طيات السماوات، وكان وما ألطف “كأناته” وما أحلى أدائه، كان أداءه يهديه لذاته أولاً فيتفاعل مع لحنه وكأنه ليس بلحنه، ويطرب لأدائه وكأنه ليس بأدائه، ثم يطرحه لأصدقائه كهدية نادرة، فالذات الي الذات تتوق وتنجذب وتروي ظمأها.
ولو لم يكن قد قام بتعبئة بعض الأسطوانات، واحدة كانت مملؤة “بعزة في هواك”، وأخرى “بعبدة”، لغاب في طيات النسيان ولما سمع عنه وعن فنه أحد. لقد وضع الخليل نفسه في مساحة خاصة، فيها القليل من أصحابه، ولكنهم كانوا من المتذوقين للأدب العالي وللفن الرفيع.
ويحمل خليل فرح أو خليل الفرح شبه المرحوم البكباشي تميم، الذي كان يحيا بالموسيقي ويحيا للموسيقي، وكان كل معارفه هو “عوده”، رفيقه الدائم الي أي مكان يقصد، وفي أي مكان يكون، فكان لا يتصل بإنسان ولا يعرف أحد سوى هذا العود العبقري الذي كان جزءً من أحضانه، وبينهما مناجاة صباحية وأخرى مسائية، ومنه يستمد غذاءه الروحي، فبين “تميم” وبين “الفرح” قواسم وقواسم مشتركة، وكلها مرهفة وكلها حنينه، والموسيقي كانت لهما بمثابة زفير الحياة وشهيقها.
وعندما سمعنا بوفاته جاءنا الفكر بإقامة حفل تأبين للفقيد الخالد الفنان، تكريماً لذكراه واعترافاً بفنه، وبكونه فناناً وأديباً قل إن تجود به الأزمنة كلها. حفلاً يكون بمثابة إقرار واعتراف بفضله الجميل على فننا وعلى أدبنا وعلى موسيقانا. ولكن الغرابة التصقت بهذه الفكرة لدرجة الاندهاش.
يقول خضر حمد مفسراً “الغرابة”، التي ذكرها في الفقرة السابقة، قائلاً… ففي يوم ما وأنا خارجاً من مكتبي، بصورة مؤقته، في المالية، زائراً المكتب المجاور الذي يملأه حضوراً العزيز محمود إبراهيم، وفي هذه الأثناء كنت أترنم ببيت جميل من أشعار خليل الفرح، وقلت للأخ محمود، أن الخليل مريض، ولا يعرف انسان متى يزور جسده الشفاء، والكثيرون يترقبون رحيله الأبدي الي دار الخلود، ألا تعتقد كما أعتقد أنا، في أن يكون تكريمه حقيقياً في حياته وليس بعد فراقه للفانية، ليحس ويعرف الي أي مدي يحبه هذا الوطن ويقدره.
الوطن الذي أنشد في حبه الخليل قصائد الفرح والأمل والتحدي. ولم ينتظر محمود كثيراً فأيد فكرتي قبل ان يسمعها، وكان اتفاقنا، واتفقنا على أن ندعو الآن وفي اللحظة، أنا في أم درمان وهو في الخرطوم، وأصرينا وصممنا، تصميم فولاذي، على انجاز المهمة وتحقيق حُلم الفكرة.
لقد كان الزمان بين الثانية عشر والواحدة، وكان هذا هو نفسه الأجل المضروب لفراق الخليل ورحيله الأبدي، وعندما طلعنا من مكاتبنا، غازل مسامعنا وأنا أستغل الترام (قطار محلي) خبراً مؤلماً، محتواه أن “خليل فرح” غادر الفانية الي الخالدة، وعجبت لهذه المصادفة (الساعة الثانية عشر) أو لهذه المصادفات.
وعندما عدنا في اليوم التالي الي مكاتبنا والتقينا، كان كل منا أشد دهشة من أخيه، وانقلب الفكر والتفكير من احتفال تكريم الي حفل تأبين. وقمنا بدعوة السادة خليل بتيك والبارون وعرفات ومكاوي يعقوب، وتشكلت منا لجنة التأبين.
وأقيم حفل أنيق ضخم يليق بأديبنا وبشاعرنا وبفنانا الوطني الكبير، وكان أن تبارى فيه الخطباء والشعراء الخطب والأشعار، وقد مثل شعراء الأغاني شاعر الجمال حدباي الذي أنشد قصيدته بصوت حزين مكلوم، أبكى الحاضرين، ومنهم من أجهش. وتم طباعة هذه الكلمات وطبعت في كتيب تخليداً لذكرى الفرح خليل.
لقد كانت الحياة تمشي مشيها الهادي في أحيان وتكون صافية حيناً وأحياناً تكون مضطربة الي أن تفجرت الكارثة العظمي بإعلان إصابة الخليل بداء الرئة بدون مقدمات، هكذا كان يعزي نفسه “حسن نجيله” ويناجيها في سفره “ملامح من المجتمع السوداني”، ويواصل، ولكنه كان جبلاً لا تهزه ريح، وتلقى خبر مرضه بكل الشجاعة المعهودة فيه، ولملم أطرافه ويمم وجهته مسافراً الي مصر من أجل الراحة والعلاج.
ومن جانبنا تدافعنا في دار “فوز” من أجل إقامة ليلة وداع، وقد نجحنا في اقامتها، وكان وداعاً باكياً. ولكننا تشجعنا بشجاعته وانقلب بكائنا ضحكات وقفشات وامتلأت قلوبنا بشيء من المرح، وبشيء من الفرح الممزوج بالشجن المرير الحار.
وقبيل أن يجن الليل أمسك الفرح الخليل بحبيبته “العود” وأودع فينا نظرة حانية كلها معاني، ثم قال أما آن الآن لكي أسمعكم أغنية الوداع؟ وأردف قائلاً… كنت قد شرعت في تنظيم بعض أبياتها، وعسى ولعلى أنجزها وهي تامة في القاهرة، وأرهفنا أسماعنا، وبدأ هو في الدندنة كما كانت عادته دائماً مع نقرشات العود ونغماته:
ما هو عارف قدمو المفارق يا محط آمالي السلام
ثم أخذ التفاته الي “فوز” والي المرافقين من الرفاق، ويغني:
يا جميل يا نور الشقايق أملأ كأسك وأصبر دقائق
مجلسك مفهوم شوفو رايق عقده ناقص زول ولا تام؟!
ماذا كان هذا من معنى؟ أتراه كان ينعى حاله في تلك السهرة؟ أم تراه يتساءل تساؤل الملتاع الحائر، فيتفوه: أيها الجميل الفاتن، املأ كأسك، ولكن لا تدن منها! كن صبوراً وأصبر قليلاً ولا تنسى تتفقد رفاقنا، هل ما زال عقدهم مكتملاً أم انزلقت بلورة منهم وخلا مكانها، فنقص ذلك العقد واحداً؟!
وكان وداعنا للفرح فجراً، وكان فينا وفي كل منا غصة ولوعة ودمعة مُرة.. وغادرنا هو الي القاهرة ينشد ويرجى الشفاء، ولكن، لا شفاء، فقد سيطر الداء العنيد على صدره، وكان وبيلاً وغير نبيل، وأحس الخليل وشعر بقرب أجله ودنوه، ولكنه أفلح هناك، بعيداً في الشمال في اكمال قصيدة الوداع “ما هو عارف قدمو المفارق”، الغنية بتلك الصور الوجدانية الرائعة ذات المعاني المعبرة لهذا الغريب الملتاع وهو في حالة ترقب لطائرة البريد بين القطرين، السوداني والمصري، فيذكر وطنه ويحزن لحاله..
يا بريد الجو فوق حالق ميل على الروح ليها خالق
قل لي كيف أمسيت وأنت عالق مقرن البحرين كيلو كام؟
لقد كان يسال؟ وكان يتساءل، وكان يذرف الدمع الخجول، وكان هو العارف.. أي مدى بعيد بينه وبين ذاك المقرن، مقرن النيلين، مقرن القلوب، هناك في العاصمة، والتي بفضل هذا الالتقاء والملتقي أصبحت هي العاصمة المثلثة، حيث ملاهي اللهو هناك ومشارفه وملتقى الأحبة وعناقهم، ولا يسهى من أن يطوف في أغنيته ربوع بلاده الي أن يقف خاشعاً خشوع المتبتلين ومتصوفي الوطنية عند مراقد البطل الامام محمد أحمد المهدي وضريحه، فيستنشق منه عبيراً وأريجاً عطراً، وهو بعيد لم يقترب أكثر..
في يمين النيل حيث سابق كنا فرق اعراف السوابق
في الضريح الفاح طيبه عابق السلام يا المهدي الأمام
ويصر عليه رفقاءه وأصحابه هناك في القاهرة على أن يقوم بتسجيل أغنياته في “أسطوانات”، وتأبى عليه نفسه الكريمة الأبية أن تصير شرهة دنيئة، فاكتفي بتسجيل فقط أغنيتين من أغنياته الكثيرات، الأولى كانت قصيدة لعمر بن أبي ربيعة، التي برع في تلحينها وفي توقيعها، وكان في مطلعها هذا البيت..
أعبدة ما ينسى مودتك القلب ولا هو يسلبه رخاء ولا كرب
وذلك لأنها اقترنت بذاته واقترنت بتلك الذكريات الحبيبة مع رفاقه في تلك الدار الجميلة “دار فوز”، عندما أنشدهم إياها لأول مرة في حياته القصيرة الخالدة، وكان فيها وكأنه ابن سُريج مغني الحجاز بُعث، من أول وجديد، ليخلب الألباب ويحتل القلوب بغنائه لشعر بن أبي ربيعة.
أما الأغنية الثانية، فكانت “عزه في هواك”، والتي أرضى فيها أحاسيسه ومشاعرة الوطنية الملتهبة. وهي الأغنية التي تغنى فيها بوطنه ولوطنه، وتعتبر هي من اشعاره الخالدة الحية، التي تتصدر كل الصدور وتحتل كل القلوب الوطنية. ونجح الخليل في هذه الأغنية، ايما نجاح، حيث عصر نفسه عصراً وسكبها وهي ذائبه في تلك الآهات المحروقات والتي نفثها من أعماق أعماقه في خواتيم هذه الأغنية الذهبية، والتي كانت بمثابة رسالة النهاية المحتومة، مُرسلة لكل من له إحساس ليفهمها.
وعند عودته الي بلاده، لم يعافيه المرض ولكنه تمادى في تعديه عليه، فأنشب مخالبه وأطلق الحرية لأظفاره فأوغرت صدره، وهو يحاربها بشجاعة وبعزيمة وبصدق ايمان، ولكن العلة كانت هي الأقوى فصرعته قبل أن يصرعها، وهو يرقد في مستشفى النهر بالخرطوم.
وكان يوماً مشهوداً في الحزن، وكان يوماً غريقاً في بحور الدموع. وعلى أعناقها حملته الجموع الزاخرة الحزينة الباكية الي بيته تحت الأرض، وكان له في قلب كل من عرفه وأحبه مأتم خاص، وعلى وجه الخصوص، أولئك الذي استمتعوا بفنه وبفنونه الراقية ورافقوه، وهؤلاء لم يكونوا قليلين لنحصيهم.
وفي قلب نادي الخريجين بأم درمان، تنافس المتنافسون في تأبينه، وتبارى المتبارون في رثائه، واكتظ النادي بالأدباء وبالشعراء وامتلأ على بكرة أبيه، وكان غرضهم تكريم الفن السوداني والافتخار بالوطنية في شخص هذا المبدع الفنان الفريد.
ويقف الأستاذ عرفات محمد عبد الله، وهو صديقه وصفيه ومن رفقائه في الكفاح، فقد كان الخليل من شباب 1924، حيث سخر أدبه وفنه واغنياته للحركة الوطنية، وجعل منها ترانيم وكنية للحركة الوطنية، فشذا بها الحداة وغنتها الجماهير في كل الأرجاء وكل الأنحاء، ولم يبخل عرفات بالبكاء فبكاه، وتكلم عنه كلاماً جميلاً حقيقياً لامس القلوب وأسال العبرات دمعات، وتدافع الشعراء واحد خلف الآخر، واحتشد الخطباء، خطيب بعد خطيب، ومنهم كان الأستاذ إسماعيل العتباني (صاحب الرأي العام). وكانت للأستاذ محمد أحمد المحجوب، رئيس وزراء السودان الأسبق، جولة وأي جولة، فرثاه بقصيدة كانت بدايتها، هكذا…
حل في الرمس خليل واستتر شاعر فذ وفنان أغر
وجاء فيها…
ملك الحب عليه قلبه ليس في الحب هوان أو ضرر
علم الناس حجاهم قبلنا ان في الحب حياة للبشر
فعظيم من يناجي ربه في جمال الخلق أو حسن الزهر
ويرى الكون جمالا باهرا صنع جبار إذا شاء قدر
لو نظرنا لخليل برهة لوجدناه عظيماً مستتر
كان في الحب صبوراً صادقاً فهو بالحب تغنى واشتهر
كم تغنى بفتاة واحتسى في كؤوس الحب ما يطفى الشرر
وتفانى في هواها زمناً يرصد الأشباح منخلف الحجر!
قد أحب الكون في ذروته وأتانا بالجميل المبتكر
وارانا في (ضواحيه) هوى وفنوناً من غرام وذكر
وأرانا نفس حر فاضل يوم غنى (عزة) تم انفجر!
بك يا عزة أعني موطني ففداك النفس من ويل وشر
بعث الأقوام من رقدتهم فتسامى للمعالي من عثر
ذاك يا أصحاب من نبكي من فيه للنشء حياة وعبر
فلنخد ذكر فنان مضى بعد أن خلد فتان الصور
أما في دار “فوز” فكان لرفاقه مأتم وأي مأتم، وبكاه شاعرهم مكاوي يعقوب بالدمع السخين، وتدفقت دموعه كلمات هكذا…
أبي الله بعد البين ان تتلاقيا وان تحظيا بالود الذي كان باقيا
تملك قلبينا فكان علاقة على الدهر تقوى كلما اشتد عاتيا
وما كنت في أرض الكنانة ناسياً وما كنت في أرض الجزيرة ساليا
صبوت الي مهد الصبا فبكيته أسى من صميم القلب يدمي المآقيا
تناشدنا أيامه وعهوده وترسل حبات القلوب اغانيا
ففي عز قلب شفه الوجد والنوى يحن لأم درمان أسيان باكيا
دوت أنّة منه فكانت مناحة على عهدك الماضي تبذ المراثيا
فيبكيك من فرط الثأر فتية على كمد يرجون عودك ثانيا
وعدت ولكن بعد أن غالك الضنى عليلاً هزيلاً تطلب الموت شافيا
فيا لشباب هده الموت مسرعاً تساقط في ريعانه متداعيا
هوى نجمه حتى توسد حفرة وقد كان يغشى صفحة الأرض زاهيا
… نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …