مرّ أكثر من عام على رحيل الدكتور الباقر العفيف، عليه رحمة الله، وقد ترك وراءه إرثاً فكرياً مهماً لا يمكن تجاوزه عند تناول قضية الهوية فى السودان. فقد كان الرجل واحداً من أكثر الأصوات انشغالاً بسؤال الهوية السودانية، وما يرتبط به من قضايا التعدد الثقافى والعنصرية وحقوق المواطنة والتعايش السلمى.
عرفت الراحل فى إطار عمل سياسى مشترك خلال سنوات مقاومة نظام الإنقاذ، وكان، رغم اختلاف الناس أو اتفاقهم معه، إنساناً محترماً ومخلصاً لقناعاته الفكرية. ولم يكن مشروعه الفكرى مجرد سجال نظرى، بل كان يستهدف، فى جوهره، تعزيز قيم المواطنة ومحاربة الاستعلاء العرقى والثقافى الذى ظل ينخر فى الجسد السودانى لعقود طويلة.
ولا يختلف أى منصف حول أن الباقر العفيف كان فارساً فى الدفاع عن التنوع والتعددية الثقافية فى السودان. ومن هذا الإيمان العميق انطلقت جهوده الفكرية والسياسية، فأسهم فى تأسيس مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، الذى لعب دوراً مهماً فى نشر الوعى بقضايا الحداثة والاستنارة والديمقراطية، وفتح أبواب الحوار حول إشكالات الهوية والثقافة والدولة فى السودان.
وفى دراسته الشهيرة “أزمة الهوية فى شمال السودان: متاهة قوم سود ذوى ثقافة بيضاء”، طرح الباقر العفيف رؤية نقدية جريئة لمسألة الهوية الشمالية فى السودان. فقد رأى أن كثيراً من السودانيين فى الشمال تبنوا، على طريقة المفكر فرانز فانون، ثقافة المستعمر العربى، بما تحمله من نزعات استعلاء تجاه اللون الأسود والثقافات الإفريقية. واعتبر أن هذا التبنى خلق حالة من الاغتراب النفسى والثقافى، جعلت الإنسان الشمالى، فى كثير من الأحيان، يغيب ذاته الحقيقية ويحاول التماهى مع مركز ثقافى عربى لا يعترف به كاملاً إلا فى لحظات الأزمات.
ويضرب العفيف مثالاً لذلك بما حدث عقب هزيمة عام 1967، حين انعقد مؤتمر القمة العربى فى الخرطوم، فيما عُرف لاحقاً بـ”لاءات الخرطوم الثلاث”: لا صلح، لا تفاوض، ولا اعتراف بإسرائيل. ويرى أن المركز العربى لم يلتفت إلى السودان إلا فى لحظة انكساره التاريخى، بينما ظل السودان، فى الوعى العربى العام، مجرد هامش بعيد.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات علمية مهمة فى مجال الدراسات الجينية، خاصة بعد التوسع الكبير فى أبحاث الحمض النووى التى شملت عشرات الآلاف من العينات لمختلف الشعوب العربية والإفريقية. وقد كشفت تلك الدراسات عن تداخلات بشرية واسعة بين سكان المنطقة عبر آلاف السنين، بما يؤكد أن ما يسمى بـ”النقاء العرقى” ليس سوى وهم تاريخى لا سند علمى له.
فالدراسات الحديثة تشير إلى أن سكان الجزيرة العربية، وخصوصاً اليمن، يحملون قدراً كبيراً من التأثيرات الجينية الإفريقية نتيجة للهجرات القديمة والمتبادلة عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقى. كما أن سكان الحجاز ومصر والسودان وشمال إفريقيا يشتركون فى تداخلات وراثية واسعة فرضتها الجغرافيا وحركة البشر عبر التاريخ. وبذلك تبدو العروبة، فى جانب كبير منها، رابطة ثقافية ولغوية وحضارية أكثر من كونها انتماءً بيولوجياً خالصاً.
وربما لو امتدت الحياة بالدكتور الباقر العفيف لواصل حواره الفكرى مع هذه المعطيات الجديدة، فهو فى نهاية الأمر لم يكن أسيراً لإجابات نهائية بقدر ما كان منشغلاً بطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والانتماء والعدالة الثقافية فى السودان. لكن المرض ثم الرحيل حالا دون ذلك، فرحل الرجل بالولايات المتحدة الأمريكية بعد سنوات من العطاء الفكرى والسياسى.
ومهما اختلف الناس مع بعض أطروحاته، يبقى فضله كبيراً فى أنه فتح باباً واسعاً للنقاش حول سؤال الهوية السودانية، وحاول، بشجاعة فكرية وأخلاقية، مواجهة العنصرية والاستعلاء والدفاع عن سودان يتسع للجميع.
له الرحمة والمغفرة، ولأسرته وأصدقائه ومحبيه حسن العزاء.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
