دارفور: الدماء تفترش الأرض بلا جدوى! (2-3)

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

حين ننظر إلى الصراع الجاري في دارفور، نجد أن جذوره العميقة تمتد في بنية المؤسسات العسكرية نفسها، وفي طبيعة العلاقات التي تربطها بالمجتمع السوداني. الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ليسا طرفين متباعدين بالكامل، بل ولدا من رحم واحد، متشابهان في العديد من خصائصهما، ومتقاربان في أساليب التفكير والتصرف. كلاهما تعلم العنف قبل أن يتعلم الوطنية، والحقد قبل أن يعرف مفهوم المسؤولية تجاه المدنيين. وبسبب هذا الإرث المشترك، لم يكن مفاجئًا أن تتحول دارفور إلى ساحة مفتوحة للتدمير بعد تصاعد المواجهات الأخيرة. لقد أُنشئت قوات الدعم السريع تحت إشراف النظام السابق، وكانت جزءًا من استراتيجية السلطة للسيطرة على التمردات وتثبيت الحكم. لم يأتِ هذا الكيان من خارج السودان، بل هو امتداد طبيعي للجيش نفسه، يحمل ثقافته، أسلوبه، وطريقة تفكيره. لكن الصراعات الداخلية والانقسامات بين قياداته وقادة الجيش جعلت من هذا الجسم العسكري أداةً غير مستقرة، سرعان ما تحولت إلى فوضى عامة عندما اختلفت المصالح. كانت دارفور من بين أولى الضحايا، لأنها كانت دائمًا الأكثر هشاشة، والأكثر تأثرًا بتحولات السلطة المركزية. ومع اندلاع النزاع الحديث، بدا أن الحركات المسلحة الدارفورية أصبحت ضحية مزدوجة: فقد سلكت طريق الانحياز إلى الجيش ظنًا منها أنه يحقق لها مصالحها، لكنها بذلك تخلت عن حيادها التاريخي وأضعفت نفسها أمام قوى الدعم السريع. هذه التحولات الاستراتيجية أظهرت مدى هشاشة المشروع الدارفوري، وتحولت دارفور مرة أخرى إلى رقعة شطرنج للسياسات الكبرى، حيث يتم استخدام المدنيين والأراضي والموارد كأوراق ضغط في صراعات لا علاقة لهم بها. وليس الأمر مجرد حسابات عسكرية، بل مسألة نفسية واجتماعية عميقة. فقد أصبح الجيش والدعم السريع متشابهين في آلياتهم: القتل، الترهيب، ونهب الممتلكات. كل طرف يبرر أفعاله بدعوى حماية الأمن أو الحفاظ على الدولة، بينما المدنيون يدفعون الثمن الأكبر. هذا التشابه يجعل من الصعب التفريق بين الطرفين، ويؤكد أن المشكلة تتجاوز النزاع اللحظي لتصل إلى غياب مشروع وطني يحمي المواطنين ويضمن حقوقهم. الأحداث في الفاشر وغيرها من مدن دارفور تبيّن كيف أصبحت القوة المسلحة أداةً لإعادة ترتيب النفوذ، لا لحماية الناس. فمع كل معركة، تتكشف الفجوة بين ما تدعيه الحركات المسلحة من أهداف نبيلة، وبين ما تمارسه فعليًا على الأرض. كانت قوات الدعم السريع تستغل هذه الفجوة لتوسيع نفوذها والسيطرة على المناطق الحيوية، بينما كانت الحركات الدارفورية منشغلة بتحقيق مكاسب سياسية شخصية أو محلية، متناسية الهدف الأصلي لنضالها: حماية أهلها وضمان العدالة. الأكثر إيلامًا أن هذه الحرب لم تقتصر على العنف الميداني، بل شملت أيضًا الحرب الرمزية والنفسية. فالمدن التي سقطت واحدة تلو الأخرى شهدت مشاهد تمثيل بالجثث، قتل واختفاء، واستخدام أساليب القمع النفسي لتعزيز السيطرة على السكان. هذه الممارسات ليست وليدة اللحظة، بل إعادة إنتاج لنفس الأساليب التي استخدمت في حروب الجنوب والسودان قبل سنوات، حيث تُستعمل العقوبة الجماعية والخوف لإخضاع السكان وإضعاف أي مقاومة ممكنة. وفي وسط هذا النزاع، أصبح المدنيون في دارفور يدفعون ثمن أخطاء قياداتهم قبل أخطاء خصومهم. أولئك الذين حملوا السلاح لحماية ذويهم وفقدوا القدرة على حمايتهم أصبحوا شاهداً على مأساة لا حدود لها. فالمجتمعات المحلية التي تأمل أن تكون الحركات المسلحة رادعًا ضد الغزو والاستبداد، اكتشفت أنها أداة إضافية في يد قوى أكبر، تتحكم بها السياسة المركزية والصفقات العسكرية. وبينما يتصارع الجيش والدعم السريع، تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دورًا بالغ السوء في تغذية الكراهية والتحريض على العنف. الرسائل المسمومة، الصور المزورة، والتغريدات الحاقدة أعادت إنتاج خطاب الكراهية الذي أحرقت به دارفور في الماضي. أصبح كل طرف يسعى لتبرير أفعاله بإلقاء اللوم على الآخر، بينما تتعرض الحقيقة للتشويه، ويتفاقم الألم الذي يعانيه المدنيون كل يوم. النتيجة أن دارفور تتحمل اليوم العبء الأكبر في صراع لا يخصها، ويُفترض أنها مركز حماية الناس لا ساحة حروبهم. فالزرق، الذين كانوا ضحايا التطهير العرقي في عهد النظام السابق، أصبحوا اليوم هدفًا جديدًا في حرب لا نهاية لها، بينما الحركات المسلحة التي نشأت من رحم النضال فقدت مصداقيتها ومكانتها. إن هذا الجزء من الصراع يظهر بوضوح أن الحل لن يأتي بالقوة وحدها، ولا بالتحالفات المؤقتة، بل بالعودة إلى مشروع وطني يحمي المدنيين ويعيد بناء الثقة بين الأطراف المختلفة. فالجيش والدعم السريع وأي حركة مسلحة لن تنجح في تحقيق السلام ما لم تتوقف عن التعامل مع البشر كأدوات للسيطرة، وتبدأ في تحمل مسؤولية حقيقية تجاه مجتمعها ووطنها. دارفور اليوم ليست فقط ساحة نزاع، بل اختبار حقيقي لقدرة السودان على مواجهة إرث العنف وإعادة بناء مؤسساته الوطنية. إنها دعوة لكل الأطراف إلى الوقوف على مسؤولياتهم، واعتبار الدماء التي سالت درسًا قاسيًا: أن الحرب بلا مشروع وطني حقيقي لا تنتصر إلا على الأبرياء، وأن الإرث الذي نحمله من الماضي يجب أن يكون وقودًا لإيقاف النزيف لا لاستمراره.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …