دارفور بين إعادة التموضع المسلح وأزمة الدولة: هل تقود التسويات الفردية إلى الاستقرار أم تعيد إنتاج الحرب؟

بقلم: لـوال كوال لـوال

في خضم الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تبرز بين الحين والآخر أحداث تبدو في ظاهرها محدودة، لكنها في حقيقتها تحمل دلالات تتجاوز حدودها المباشرة، وتكشف عن طبيعة الصراع وتعقيداته. من بين هذه الأحداث إعلان أحد القادة الميدانيين، مثل النور القبة، تسليم نفسه للجيش. غير أن هذا الحدث، على بساطته الظاهرية، يطرح أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل الاستقرار في دارفور، وحدود تأثير المبادرات الفردية في سياق دولة تتنازعها مراكز القوة المسلحة. إن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن السياق العام للحرب في السودان تمثل اختزالًا مخلًا، لأن الصراع القائم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هو صراع مركب على احتكار العنف، والسيطرة على الموارد، وإعادة تشكيل بنية الدولة نفسها. في هذا الإطار، لم تعد دارفور مجرد إقليم طرفي يعاني من تداعيات الحرب، بل أصبحت أحد أهم مسارحها، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الحسابات الاستراتيجية للأطراف المتحاربة. ومن ثم، فإن أي تحرك فردي داخل هذا الفضاء لا يمكن فصله عن شبكة أوسع من التوازنات والتحالفات التي تحدد مسار الأحداث. قد يبدو تسليم النور القبة نفسه خطوة إيجابية في ظاهرها، إذ يمكن تفسيرها باعتبارها خروجًا طوعيًا من دائرة العنف، أو مؤشرًا على إمكانية انخراط الفاعلين المحليين في مسارات تسوية سلمية. غير أن التجربة السودانية، خصوصًا خلال الحرب في الجنوب مع الجيش الشعبي لتحرير السودان، تقدم درسًا بالغ الأهمية في هذا السياق. فقد أظهرت تلك التجربة أن عمليات دمج المقاتلين السابقين، عندما تتم بصورة فردية أو دون إطار مؤسسي واضح، لا تؤدي إلى إنهاء الصراع، بل قد تسهم في إعادة إنتاجه داخل مؤسسات الدولة نفسها. إذ يتحول الولاء من كونه ولاءً وطنيًا إلى شبكة من العلاقات الشخصية والمصالح المتقاطعة، مما يضعف من تماسك المؤسسة العسكرية ويحولها إلى ساحة صراع داخلي. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري التساؤل: هل يمثل تسليم النور القبة نفسه تحولًا استراتيجيًا، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي النظر إلى طبيعة الفاعلين المسلحين في السودان، الذين غالبًا ما يتحركون وفق منطق براغماتي مرن، يسمح لهم بتغيير تحالفاتهم تبعًا لتغير موازين القوة. في مثل هذا السياق، لا يُعد الانتقال من طرف إلى آخر نهاية لمسار، بل مرحلة ضمن سلسلة من التحولات التي تهدف إلى الحفاظ على النفوذ أو تعزيزه. ومن ثم، فإن تسليم النفس قد لا يكون تعبيرًا عن قناعة بضرورة السلام، بقدر ما هو محاولة للتموضع داخل معادلة جديدة. هذا الفهم يقودنا إلى إدراك أن الخطوات الفردية، مهما بدت ذات دلالة، تظل محدودة الأثر ما لم تندرج ضمن مشروع سياسي شامل. فغياب هذا المشروع يعني أن كل مبادرة تظل معزولة، وغير قادرة على إحداث تأثير تراكمي يقود إلى تغيير حقيقي. بل إن الأخطر من ذلك هو إمكانية توظيف هذه الخطوات في سياق الصراع القائم، حيث يمكن أن تُستخدم كأدوات دعائية لتعزيز شرعية طرف على حساب آخر. في هذا الإطار، قد يسعى الجيش السوداني إلى إبراز مثل هذه الحالات بوصفها دليلًا على قدرته على استقطاب الفاعلين المحليين، في مواجهة قوات الدعم السريع، دون أن يترتب على ذلك تغيير فعلي في بنية الصراع. غير أن هذه القراءة تظل ناقصة إذا لم تأخذ في الاعتبار طبيعة الأزمة في دارفور نفسها. فالإقليم لا يعاني فقط من تداعيات الحرب الحالية، بل من تراكمات تاريخية تتعلق بتهميش الدولة، وصراعات الأرض والموارد، وتفكك النسيج الاجتماعي. وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء اقتصاد حرب متكامل، يعتمد على السيطرة على الموارد الطبيعية، مثل الذهب، وعلى شبكات التهريب والتجارة غير الرسمية. في ظل هذا الاقتصاد، يصبح السلاح وسيلة ليس فقط للحماية أو الصراع، بل أيضًا لتحقيق المكاسب الاقتصادية، مما يعقد من عملية تفكيك المليشيات أو دمجها. إن أحد أخطر أوجه الأزمة في دارفور يتمثل في انهيار احتكار الدولة للعنف، وهو ما أدى إلى تعدد مراكز القوة المسلحة، وتداخلها مع الهويات القبلية والانتماءات المحلية. في مثل هذا السياق، لا يعود السلاح مجرد أداة بيد الدولة، بل يتحول إلى عنصر من عناصر التوازن الاجتماعي والسياسي. ومن ثم، فإن أي محاولة لإعادة دمج المقاتلين أو استيعابهم داخل المؤسسات الرسمية، دون معالجة هذه البنية المعقدة، تظل معرضة للفشل. ولعل التجربة السابقة مع العائدين من الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد تم استيعاب عدد من المقاتلين السابقين داخل مؤسسات الدولة، لكن دون إعادة تأهيل حقيقية أو بناء عقيدة عسكرية موحدة، مما أدى إلى استمرار الولاءات المزدوجة، وخلق توترات داخلية انعكست سلبًا على الاستقرار. هذه التجربة تطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الدولة السودانية، في وضعها الحالي، على استيعاب فاعلين مسلحين جدد دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التفكك. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي للصراع في دارفور، حيث تتداخل مصالح قوى خارجية تسعى إلى تحقيق أهدافها من خلال دعم أطراف محلية. هذا البعد يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من أي خطوة فردية جزءًا من لعبة أكبر تتجاوز الحدود الوطنية. في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب تحقيق استقرار حقيقي دون توافقات أوسع تشمل هذه الأطراف. إن تحليل حالة تسليم النور القبة نفسه يقود في النهاية إلى استنتاج أكثر عمقًا، مفاده أن الأزمة في دارفور هي في جوهرها أزمة دولة، وليست أزمة أفراد. فغياب الدولة القادرة على فرض سيادتها، وإدارة التنوع، وتقديم خدمات أساسية لمواطنيها، يخلق فراغًا تملؤه المليشيات والقوى المسلحة. وفي هذا الفراغ، تتحول المبادرات الفردية إلى محاولات للتكيف مع واقع مفروض، لا إلى أدوات لتغييره. وعليه، فإن أي حديث عن الاستقرار في دارفور يجب أن ينطلق من معالجة جذور الأزمة، لا مظاهرها. وهذا يتطلب أولًا إنهاء الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لأنها تمثل الإطار الذي يغذي بقية الصراعات. كما يتطلب بناء مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة. إن استيعاب المقاتلين السابقين، بمن فيهم من يسلمون أنفسهم طوعًا، يجب أن يتم ضمن برامج شاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، ترتكز على أسس مؤسسية واضحة، وتضمن إعادة تأهيل الأفراد ودمجهم في المجتمع، لا مجرد نقلهم من موقع إلى آخر داخل بنية العنف. كما أن تحقيق العدالة الانتقالية يظل عنصرًا أساسيًا في أي عملية سلام، لأنه يعالج مظالم الماضي، ويمنع تكرارها في المستقبل. في نهاية المطاف، يمكن القول إن تسليم النور القبة نفسه يمثل حدثًا ذا دلالة، لكنه لا يحمل في حد ذاته مفتاح الحل. فالمشكلة أعمق من أن تُحل عبر تحركات فردية، لأنها تتعلق ببنية دولة تحتاج إلى إعادة بناء من الأساس. وبينما قد تفتح مثل هذه الخطوات نافذة أمل محدودة، فإنها قد تتحول أيضًا إلى مجرد حلقة جديدة في سلسلة إعادة تدوير الصراع، إذا لم تُدعَم برؤية شاملة وإرادة سياسية حقيقية. لقد أثبتت التجربة السودانية، عبر عقود من الصراع، أن إدماج المليشيات في الدولة دون إصلاحها لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى نتيجة عكسية، حيث تتحول الدولة نفسها إلى ساحة تتصارع فيها هذه القوى. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استيعاب الأفراد، بل في بناء دولة قادرة على استيعاب الجميع ضمن إطار قانوني ومؤسسي واحد. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل دارفور رهينة لتوازنات هشة، وستبقى الخطوات الفردية، مهما بدت واعدة، عاجزة عن إحداث تحول جذري، ما لم تندرج ضمن مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويضع حدًا لدورة العنف التي أنهكت الإقليم وأهله لعقود طويلة.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

حين تعارض المعارضة نفسها في السودان

بقلم: لوال كوال لوال في المشهد السياسي لكلٍ من السودان وجنوب السودان، لا تبدو الأزمة …