في منبر “صوت الشعب” هتف احد النهريين وقال “دارفور لا تعنينا”، في خضم حوار محتدم حول البحث عن السبل الكفيلة بتحييد المسيرات التي ضربت محطات الكهرباء بولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية، من المعلوم أن منظري مشروع دولة النهر والبحر المزعومة لديهم حساسية مفرطة تجاه دارفور وإنسانها إذ يعتبرونها أس مشكلاتهم، ويضعون بند فصلها على رأس قائمة الأهداف المعلنة لمشروعهم الخائب، برر المناصرون لشعار فصل دارفور لهدفهم هذا زاعمين أن دارفور لم تكن يوماً من نسيج المجتمع السوداني وأنها بوابة للمخاطر القادمة من غرب افريقيا، هذه العقلية النهرية الانفصالية تتوهم أشياء لا وجود لها على أرض الواقع، فهي تتخيل أن أرض النهر والبحر جنة الله في الأرض وأن شعوب الغرب الافريقي تتوق موتاً في سبيل الوصول الى هذا الفردوس الموجود لقطف ثمار التين والزيتون المزروع على جنبات النهر الذي يجري عسلاً والبحر المملوء باللبن، دون أن يكلف هذا الكائن الخيالي نفسه جهد نقرة زر على الشبكة العنكبوتية ويكتب “أكرا”، وهي عاصمة دولة غانا بغرب افريقيا، حتى يرى البون الشاسع بينها وبين خرطوم ما قبل الحرب، حيث أن الخرطوم كانت تبدو وكأنها قرية افريقية صغيرة نائية بجانب “أكرا”، فليترك هؤلاء الانفصاليون المخنثة، وليضعوا أيديهم على أيدي اخوتهم السودانيين من جميع الجهات ويبنوا دولة قوية، لا تعادي الغرب والشرق الافريقي، بل تلتفت لشعبها الجائع المشرد المسكين المقطّع لكي تؤمّن له لقمة العيش.
هؤلاء الانفصاليون الذين تنتفخ اوداجهم حقارة ونتانة وبذاءة، يكرهون الانسان في دارفور لا لشيء سوى لأنهم فشلوا في الحفاظ على تماسك دولتهم القديمة، التي صنعت لهم رفاهية زائفة من دم وعرق ومال هذا الانسان القادم من دارفور، الذي يريدونه أن يظل قابع في القفص الذي صمموه وسجنوه فيه، هذا الانسان الذي إذا حاول أن يلعب دوراً وطنياً يسهم في تماسك اللحمة ويعلي من شأن الدولة ويحفظ كرامتها وشأوها، وصموه بالمتمرد ووجهت نحوه ونحو أهله المسيرات والطائرات الحربية، لتحيل مستشفياته ومدارسه الى اكوام من الرمل والاسمنت والخشب والزنك، فالانفصاليون قوم نشأوا على الاستغلال والابتزاز والأنانية والحط من إنسانية الإنسان وقدره، لا تطمئن أنفسهم إلا بالتخريب وبمشاهدة الآخر ينزف، لذلك وبعد الضربات الأخيرة على محولات الكهرباء علا عويلهم وبكائهم الذي لم نسمعه عندما ضرب مستشفى أطفال مدينة الضعين، ولم يمر بأذننا هذا الصراخ حينما حصدت مسيراتهم مئات الأرواح من مواطني حي “دوماية” بمدينة نيالا، إنّهم نفس الناس الذين دعموا جيش الحركة الإرهابية باقر البطون وفاقئ العيون، لا يرغبون في وحدة وطنية حقيقية لأنهم مصابون بمرض التعالي الأجوف، الذي اورث السودان الحرب، فجميعهم يقول بلسان طغاتهم أجمعين نحن الدولة والدولة نحن، ومن لا يعجبه فليشرب من نهر غير نهرنا وليسبح في بحر غير بحرنا، أقوام جبلوا على حب الأذية التي هي من طباع العقارب، لا يحسنون حرفة غير صناعة (الكباب).
حجة المتحاورين في أن دارفور لا تعنيهم، جاءت من زعم أن دارفور آذتهم بالرجال والسلاح، أقول لهم إن لم تكن دارفور جزء عزيز من هذا الوطن، فأذنوا بذهاب كل الوطن الى الجحيم، واعلموا أن دارفور هذه كانت عصيّة على الترك والبريطانيين، وهي مهد انطلاقة الثورة الوطنية الأولى التي حررت النهر والبحر والغابة والصحراء والجبال من ربقة الترك، وهي صاحبة القدح المعلى في إيجاد الدولة الوطنية الأولى 1885-1899، الدولة التي نحرها الانفصاليون الأوائل، والانفصاليون هم الانفصاليون لو تقدموا أو تأخروا، لقد أصاب سهم الأولين منهم بيضة الوطن بعد أن تخابروا مع العدو وتجسسوا على رموز الدولة آنذاك، فليبشر السودانيون الأحرار أن سهم الانفصاليين المتأخرين لن يصيب قلب هذا الوطن، الوطن الذي فداه الأحرار في ملحمتي كرري وأم دبيكرات، وعلى كل انفصالي مخنّث أن يشرب من (بحرنا) المالح إن لم ترق له دارفور أو أن يغرق في (نهرنا) الصافي اذا لم يعجبه انسانها، فدارفور هي السودان ولا سودان بدونها، هذه ليست تمنيات نتمناها على الله أمانيا، وانما هي الحقائق التي أخبرنا عنها التاريخ التليد البعيد في 1885 والتاريخ العجيب القريب في أبريل 2023.
إسماعيل عبدالله
Email : ismeel1@hotmail.com
