هزت الضمير العربي والإنساني بقوةٍ، جريمة الاغتصاب الجماعي لـ 200 امرأة من نساء قرية تابت بشمال دارفور (بينهن 8 تلميذات بمرحلة التعليم الأساسي، و72 فتاة قاصراً و105 فتاة غير متزوجة تتراوح أعمارهن من 16 الى 25 سنة )، في الـ30 من اكتوبر الماضي.
غير أن هذه الحادثة المدانة وفق القوانين والشرائع السماوية والإنسانية، يراد لها أن تمر، وتطوى صفحتها السوداء، بما درج عليه النظام السوداني، كغيره من أنظمة الاستبداد العربي المعاصر، وبتواطؤ، أو رخاوة في موقف بعثة اليوناميد الدولية، التي لم يكن تحركها بمستوى فظاعة الجريمة، ضد الإنسانية، من حيث استباحة أفراد كتيبة عسكرية تابعة للجيش السوداني قريةً مسالمة، من الساعة 8 مساءً إلى الرابعة صباحاً، بصافرة من قائد الكتيبة، أعلنت بدء الاستباحة، وصافرة أخرى أعلنت الانتهاء، حتى لكأنه حكم كرة قدم، وليس ضابطاً في جيش وطني مهمته الجوهرية الدفاع عن الوطن والمواطن وعزته وكرامته، وليس إهانته، والانتقام به، وفق مبادئ ثأرية قادمة من أدغال اساطير الفنتازية، بادعاء ان جندياً اختفى في تلك المنطقة، وعقاباً لأهلها، فقد اقتيد رجال القرية إلى وادٍ مجاور تحت حراسة مشددة، فيما قام جنود الكتيبة الأشاوس باغتصاب النساء والقاصرات، بسلوك سادي، لا ينتمي إلى هذا العصر وخضارته وقيمه الإنسانية.
إن الحادثة وخلفياتها وتداعياتها وثيقة إدانة جديدة للسياسة الاستبدادية التي تمارس في هذا الإقليم العزيز من السودان الذي سقط تحت أقدام ثقيلة، سلبته البعد الإنساني والحضاري الذي اتسم به في مراحل تاريخية سابقة، حيث كان السودان مجتمع السلام والقيم المثلى التي هي عنوان شخصيته أينما وجد السوداني. ولعل حادثة كهذه، بالقدر الذي تدين نظام البشير، فإنها تدين الدارفوريين المتواطئين معه من وزراء حكومته المنتمين للمؤتمر الوطنى أو الدائرين فى فلكه، والسيد وزير العدل منهم، إذ نفى تلقيهم أي معلومات حول تلك الحادثة وقال للصحفيين “لم نسمع بوجود اغتصاب جماعي أو تحقيق من الأمم المتحدة في الأمر”.
وبالقدر نفسه فإن بعثة اليوناميد الدولية، يتماهى دورها السلبي، في ممارسات الترهيب الأمني والأخلاقي التي مارستها أجهزة النظام ضد أهالي “تابت”، إذ لم يكن تحري البعثة مستقلاً، وإنما لم يتم إلا وقد هيأ الجيش السوداني الأرضية المناسبة لتحقيق يبرئ ساحة المجرمين، إذ تم إكراه الأهالي على إنكار الحادثة، وتم تقديم متواطئين مع النظام، للإدلاء بشهادات تقلب الحقائق، بالرغم من أن قائد الكتيبة المغتصبة، قدم اعتذاراً للأهالي، بعد أن تم العثور على الجندي المفقود الذي كان فقده ذريعة لحادثة الاستباحة والاغتصاب الشنيعة.
لكن هذه الحادثة، وهي واحدة من جرائم ضد الإنسانية، عامة وضد المرأة خاصة، وضد القاصرات بشكل أخص، يزدحم بها ملف نظام البشير الاستبدادي، الذي أذل شعبه، وسامه سوء العذاب، وبث فيه روحاً تؤثر السلامة من فظاعة جرائمه وسياساته الخرقاء التي أخرجت السودان من ملعب السباق العالمي في التنمية البشرية، والتقنية والصناعية، وأدخلت دهاليز الانتهاكات العالمية لحقوق الإنسان وكرامته ووجوده الطبيعي، وهي السياسة التي سيظل السودان يعاني من تبعاتها عقوداً من الزمان، هو أحوج ما يكون إليها لتقديم نموذج تنموي يحتذي عربياً وإفريقياً في بلد حبته الطبيعة مزايا استثنائية، وشعباً مفطوراً على المحبة والسلام والسماحة.
مشهد فظيع يصعب تخيله، إلا في أفلام الرعب أو الحكايات القادمة من الماضي البربري السحيق، أن تغتصب في ليلة واحدة، مائتا امرأة مسلمة بريئة عفيفة، وأن يذل الرجال تحت التهديد بالسلاح، لكنه مشهد دارت أحداثه في ليلة دارفورية حزينة، يحاول النظام المستبد أن ينسلّ منها، ببراءة عارية، وبدلاً من ان تؤدي اليوناميد وظيفتها الدولية، وفق القوانين التي تحمي حقوق الإنسان، فإنها تضيف إلى سجلها في دار فور صفحة، تنذر بموقفٍ شعبي، ربما يجد التعبير عنه، في فاعلية تنتصر للكرامة، من النظام والمتواطئين معه، وتلك هي الإرادة التي لابد أن تستنفر كوامنها، ذات يوم. وإلى أن يحدث ذلك، فستظل اليوناميد في مأزق أخلاقي، لن تستطيع الخروج منه إلا بالتوقف عن الإذعان لتنفيذ رغبات الجلاد، وتزييف الحقائق وفق إرادته، في متوالية الظلم اللامتناهية في دار فور، وآخر مشاهدها الممتدة من اغتصاب القاصرات على اغتصاب الحقيقة.
kazansky95@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم