أحمد إبراهيم أبوشوك
ظلّت العاصمة السودانية الخرطوم، على امتداد عقودٍ طويلة، مركزًا للحراك الثقافي والفكري في السودان، حيث تشكّلت فيها المنتديات الأدبية، وازدهرت الصحافة، ونشطت حركة النشر والتوزيع. وفي قلب هذا المشهد الثقافي برزت دار مدارك للطباعة والنشر بوصفها واحدةً من دور النشر السودانية، التي أسهمت في رفد المكتبة السودانية والعربية بعشرات العناوين في مجالات الفكر، والأدب، والسياسة، والتاريخ، والنقد الثقافي. وارتبط اسمها بمؤسسها ومديرها الأستاذ الشاعر إلياس فتح الرحمن، الذي لم يكن مجرد ناشرٍ تقليدي، بل مثقفًا منحازًا إلى حرية الكلمة، ومؤمنًا بأن الكتاب يمكن أن يكون أداةً للتنوير وحفظ الذاكرة الوطنية. وقد استطاع، عبر مشروع “مدارك”، أن يخلق فضاءً ثقافيًا احتضن الكتّاب والمبدعين والباحثين، وأن يفتح أبواب الدار أمام تيارات فكرية متعددة، الأمر الذي أكسبها مكانةً خاصة في الوسط الثقافي السوداني.
تأسست الدار في الخرطوم، واتخذت من شارع محمد نجيب، مع تقاطع شارع (41) العمارات، مقرًا لها، قبل أن تصبح مقصدًا للمثقفين والقراء والباحثين عن الكتب الجادة والنادرة. وقد عُرفت الدار باهتمامها بطباعة المؤلفات السودانية، وإعادة نشر أعمال فكرية وأدبية أسهمت في إثراء النقاش العام حول قضايا الهوية، والديمقراطية، والثقافة، والتاريخ السوداني. ولم يكن الطريق أمام “مدارك” مفروشًا بالورود؛ إذ واجهت تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متكررة. ففي مارس 2016 تعرّضت الدار لمداهمة أمنية، وصودرت بعض الكتب والوثائق، كما اعتُقل مديرها إلياس فتح الرحمن وخضع لتحقيقات مطوّلة بسبب نشاط الدار الثقافي والفكري. وقد أثارت تلك الحادثة تضامنًا واسعًا في الأوساط الثقافية والإعلامية، باعتبارها استهدافًا لحرية النشر والتعبير في السودان. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، واصلت الدار أداء رسالتها الثقافية. وتشير بعض التقارير إلى أن مدارك” أصدرت أكثر من 450 كتابًا في مجالات متعددة، وهو رقم يعكس حجم الجهد الذي بذله إلياس فتح الرحمن في خدمة صناعة الكتاب السوداني. كما عُرف بمواقفه المناهضة لقرصنة الكتب والدفاع عن حقوق المؤلفين والناشرين في السودان.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، وما جرّته من خرابٍ واسع طال الإنسان والمكان، لم تكن دار “مدارك” بمنأى عن ذلك الإعصار الذي اجتاح الخرطوم وبدّد ملامح حياتها الثقافية والمعرفية. فقد تعرّضت الدار لاحتلالٍ من قبل قوات الدعم السريع، وتحولت أروقتها التي كانت تضجّ بالكتب والحوارات الثقافية ولقاءات الكتّاب إلى فضاءٍ موحش تتناثر فيه الأوراق والمخطوطات والكتب المبعثرة في مشهدٍ موجع، بدا وكأنه اعتداءٌ على ذاكرة السودان الثقافية نفسها، لا على مبنىً من الطوب والإسمنت فحسب. كانت الرفوف التي طالما احتضنت عناوين الفكر والأدب والتاريخ أشبه بجسدٍ منهكٍ أُفرغ من روحه، بينما تناثرت مقتنيات الدار في صورة تختزل ما أصاب الخرطوم من انكسار حضاري ومعرفي.
وخلال فترة احتلال قوات الدعم السريع للحاضرة الخرطوم، اضطر إلياس فتح الرحمن إلى مغادرتها والعودة إلى مسقط رأسه بقرية الكرو في الولاية الشمالية، حاملاً معه وجع الفقد وقلق المثقف على مصير الكتاب والذاكرة الوطنية. هناك، بعيدًا عن ضجيج الحرب، ظلّ مشدودًا إلى الخرطوم وإلى “مدارك” التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد دار نشر، بل مشروع عمرٍ كامل، وبيتًا للمعرفة، ومنبرًا للمثقفين والباحثين والكتّاب. ومع انحسار بعض ألسنة الحرب في الأشهر الماضية، عاد إلياس إلى الخرطوم بروحٍ تشبه روح الذين يفتشون بين الأنقاض عن ما تبقى من المعنى. وعندما سألته مستفسرًا عن وضع مدارك، رد إلياس في حسرة، قائلًا “حينما بدأت نذر قيامتنا في ساعاتها الأولى هرولت نحو الدار، وحملنا ما استطعنا حمله من المقتنيات الثمينة، لوحات، وخزف، وبعض كتب، ومخطوطات مهمة. وأودعناها قبوًا في السطوح من الصعب الوصول إليه، وأغلقنا المدخل المؤدي إليه. تم النهب والتكسير لما عداها، خاصه المنحوتات المجسمة للراحلين جون قرنق، ومحمد المهدي المجذوب، وعبد الله الطيب، والطيب صالح، وإسماعيل الأزهري، وكلها من أعمال الفنان النحات الراحل صالح الزاكي. أحاول منذ عودتي [إلى الخرطوم] الاستعانة بفريق له معي تاريخ وعيش وملح، وفيهم النجار والحداد والسباك والمرممين وعمال النظافة، وقطعت اشواطًا لا بأس بها، وربما بعد العيد أكمل المهمة، ثم بعد ذلك أحاول حل مشكلة الأجهزة التي نهبت حتى فلاشاتها. ويقيني أن مدارك ستطل ثانية بشيء لا يستهان به من عافيتها.”
عاد إلياس إلى الخرطوم ليعيد الحياة إلى “مدارك”، وليبعث فيها شيئًا من دفء الأيام القديمة، مؤمنًا بأن الثقافة تستطيع، مهما اشتد الخراب، أن تنهض من تحت الركام. ولم يقتصر جهده على ترميم الدار واستعادة نشاطها، بل انشغل كذلك بمحاولات إنقاذ بعض المكتبات الخاصة التي تمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية السودانية؛ إذ أدرك أن ضياع هذه المكتبات لا يعني فقدان كتبٍ فحسب، وإنما فقدان سيرٍ وتجارب وأصواتٍ وطبقاتٍ كاملة من تاريخ السودان الفكري. ولذلك بدا وكأنه يخوض معركةً أخرى موازية للحرب، معركة الدفاع عن الذاكرة والمعرفة في زمن الانهيار. إن تجربة دار مدارك للنشر لا تختزل فقط تاريخ مؤسسة للنشر، بل تعبّر عن سيرة جيلٍ من المثقفين السودانيين الذين آمنوا بأن الثقافة فعل مقاومة، وأن الكتاب يمكن أن يظل شاهدًا على حيوية المجتمع، حتى في أحلك الظروف. أما إلياس فتح الرحمن، فقد مثّل نموذج الناشر الذي تجاوز الدور التجاري إلى دور المثقف الحارس للمعرفة والذاكرة الوطنية، وظل اسمه مرتبطًا بإحدى أهم التجارب الثقافية المستقلة في السودان المعاصر.
ahmedabushouk62@hotmail.com
