دبلوماسية “أنا وأخوي الكاشف”: بيان من وزارة خارجية بورتسودان يثير الضحك والسخرية

الصادق حمدين

عندما تصدر وزارة خارجية بورتسودان الكيزانية بياناً تعلن فيه “متابعتها” لقرار الولايات المتحدة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، كما دعت فيه إلى تصنيف قوات الدعم السريع “المتمردة” جماعة إرهابية أيضاً، وأكدت في الوقت ذاته رفضها لكل أشكال الإرهاب والتطرف، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو ذلك المثل الشهير: “شرّ البليّة ما يُضحك”. فالمفارقة هنا ليست مجرد تناقض في خطاب سياسي، بل مشهد أقرب إلى محاولة ساذجة للتذاكي على مجتمع دولي يعرف جيداً مع من يتعامل.

لكن هذه المفارقة لا تقف عند حدود السخرية؛ فهي تكشف مستوى فادحاً من الاستخفاف بالعقول ومحاولة بائسة لإعادة تدوير خطاب فقد مصداقيته منذ زمن. فأن حديث من ارتبط تاريخه السياسي والتنظيمي بالإسلام الحركي عن محاربة التطرف، فذلك أشبه بمحاولة إقناع العالم بأن المشكلة يمكن أن تكون هي نفسها الحل. إنها ليست زلة خطابية عابرة، بل نموذج مكثف لخطاب سياسي يحاول ارتداء ثوب البراءة أمام الخارج، بينما يعرف الجميع خلفيته الحقيقية وسجله المثقل بالموبقات والفظائع.

المشكلة ليست في البيان ذاته، بل في الافتراض الضمني الذي يقف خلفه: افتراض أن المجتمع الدولي يفتقر إلى المعلومات، أو أنه يمكن خداعه بلغة دبلوماسية فضفاضة. وهذا افتراض ساذج إلى حد بعيد. فالمؤسسات الدولية وأجهزة الدول الكبرى لا تبني قراراتها الحساسة، مثل تصنيف تنظيم ما إرهابياً، على الانطباعات أو الشائعات، بل على ملفات ضخمة من المعلومات والتقارير والرصد طويل الأمد. هذه الملفات تتضمن أسماء، وشبكات علاقات، ومسارات تمويل، وبنى تنظيمية، وتاريخاً كاملاً من النشاط السياسي والتنظيمي وعن أسماء الأفراد ومدى تورطهم في الجرائم الارهابية.

لذلك فإن محاولة التبرؤ الخطابي أو التذاكي الساذج، أو إصدار بيانات تتظاهر بالحياد تجاه قضية تمسّ صلب البنية السياسية القائمة، تبدو أقرب إلى محاولة إنكار لما هو معروف ومثبت. أو كمن ينظر إلى المرآة وينكر نفسه باصرار بليد .المجتمع الدولي لا يتعامل مع كيانات مجهولة، ولا يتخذ قراراته بناءً على الظنون. بل على العكس، حين يصل الأمر إلى مستوى التصنيف بالإرهاب، فهذا يعني أن الأدلة التي جُمعت عبر سنوات قد بلغت درجة عالية من اليقين المؤسسي والسياسي أي وراء مرحلة أي شك معقول.

من هنا يصبح السؤال المشروع: لمن يُوجَّه هذا الخطاب الذي تفضح كلماته مضمونه؟ هل هو موجّه للخارج، أم للاستهلاك الداخلي؟ لأن الخارج، ببساطة، يعرف التفاصيل. ويعرف هويات الأفراد المنتمين للتنظيمات، ويعرف مواقعهم داخل مؤسسات الدولة، ويملك سجلات دقيقة عن تاريخهم السياسي والتنظيمي. لذلك فإن محاولة تقديم خطاب يوحي بالمسافة أو الحياد تبدو محاولة لا تقنع أحداً خارج حدود الخطاب نفسه.

إن الدبلوماسية، في جوهرها، تقوم على قدر من المصداقية والواقعية. أما أسلوب الفهلوة السياسية أو محاولة الالتفاف اللفظي على الوقائع، فغالباً ما ينتهي بنتيجة عكسية: فقدان ما تبقى من الثقة الدولية. فالعالم اليوم ليس ساحة معزولة كما كان قبل عقود؛ المعلومات تتقاطع بين الدول والأجهزة والمنظمات، والذاكرة المؤسسية للدول طويلة جداً.

لهذا فإن الاعتقاد بأن الاتهام يمكن مواجهته بالإنكار اللفظي أو بالبيانات الإنشائية هو اعتقاد لا ينسجم مع طبيعة النظام الدولي المعاصر. فالقرارات التي تُبنى على قواعد معلومات واسعة لا يمكن تفكيكها ببيان دبلوماسي، ولا يمكن إبطالها بعبارات عامة عن رفض الإرهاب.

ولعل أكثر ما يثير السخرية في بيان وزارة الخارجية ليس الحديث عن رفض الإرهاب، بل دعوتها لتصنيف قوات الدعم السريع “المتمردة” تنظيماً إرهابياً. فالمشهد هنا يكاد يكون نسخة سياسية من النكتة السودانية الشهيرة. وكأن لسان حال الوزارة يردد ما قالته الفنانة السودانية الراحلة الأيقونة عائشة موسى، حين سألها مقدم برنامج من القاهرة الإذاعي هل تجيدين القراءة والكتابة، فضحكت قائلة: (لا، لكن أنا ما براي، معاي أخوي الكاشف).

الفارق الوحيد أن الجملة هنا تمت صياغتها في بيان صدر بلغة دبلوماسية متذاكية، لكن معناها الضمني يبدو واضحاً: لسنا وحدنا في القائمة. وكأن الرسالة المبطنة للمجتمع الدولي هي: إذا كان هناك إرهاب، فالدعم السريع أيضاً إرهابي!

لكن السياسة الدولية لا تُدار بمنطق “أنا وأخوي الكاشف”، ولا تُبنى قراراتها على توزيع التهم بالتساوي لإراحة الضمير السياسي الأخواني. فالإشارة بالاتهام إلى آخرين لا تمحو الاتهام الأول، ومحاولة جرّ الآخرين إلى القائمة لا تخرج أحداً منها. ولهذا تبدو هذه الدعوة أقرب إلى حيلة مكشوفة… تعيدنا مرة أخرى إلى الحقيقة البسيطة: شرّ البليّة ما يُضحك.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

انحياز خارج الحدود: لماذا يراهن “الناجيان” على حصان إيران الخاسر؟

الصادق حمدين لم يعد في هذا المشهد السياسي المربك ما يمكن اخفاؤه أو أن يُوارى …