زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
تآكل الدبلوماسية السودانية في ايام فوضي الحرب الحالية و ليحيل ذلك السفارات غنائم والكفاءة ترفاً وابناء الاقربين هم الاجدار بتمثل الشعب السوداني , في سياق عالمي تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتُبنى العلاقات الدولية على أسس المصالح والاستراتيجيات الواضحة، تظل الدبلوماسية السودانية تعاني من أزمة هيكلية عميقة. لم تعد التعيينات في المناصب الخارجية العليا تخضع لمعايير الكفاءة والخبرة والتمثيل المشرف، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد “غنائم” تُوزع وفق حسابات ضيقة، تتراوح بين المحسوبية القبلية والولاءات السياسية الضيقة، وصولاً إلى مكافأة الأتباع.
استبدال المؤسسة بالولاء منهجية التعيينات المشوهة
لقد تحولت السفارات والبعثات الدبلوماسية من كونها واجهات تمثل دولة وتدافع عن مصالحها، إلى مناصب “بركة” تُمنح كجزاء أو وسيلة لاسترضاء. المشكلة ليست في شخصيات فردية قد تفتقر للكفاءة، بل في نظام تعيين متكامل يضع معايير “الولاء” و”الانتماء للشلة” فوق معايير العلم والخبرة واللغة والقدرة على التفاوض. هذا النموذج ينتج سفراء قد يجيدون التعامل مع الدوائر الداخلية الضيقة، لكنهم يعجزون عن فك شفرات العلاقات الدولية المعقدة.
لغة التخاطب العالمي بين الترف والمؤامرة!
في عصر العولمة، حيث اللغة أداة التواصل الأولى والتفاوض، ما زال هناك من يرى إتقان اللغات الأجنبية “ترفاً نخبوياً” أو حتى “مؤامرة استعمارية”. هذه العقلية، عندما تتمترس خلف منصب دبلوماسي رفيع، تنتج عزلةً ذاتية للدولة. فكيف يمكن لسفير أن يشرح رؤية بلده، أو يدافع عن مصالحها الاقتصادية، أو يبني تحالفات استراتيجية، إذا كان عاجزاً عن التخاطب المباشر والفهم الدقيق لسياقات الحوار الدولي؟
الدبلوماسية كامتداد للجهل المؤسسي
الحقيقة المؤلمة أن “السفير غير الكفء” ليس ظاهرة فردية عابرة، بل هو نموذج مُصغر لدولة اختارت – أو أجبرت – على تصدير إشكالياتها الداخلية إلى الخارج. بدلاً من أن تكون البعثات الدبلوماسية نافذة تُعرض من خلالها رؤية البلاد وسياستها وثقافتها، تتحول إلى صناديق مختومة تحمل داخلها نفس علاقات القوى والجهل المؤسسي الذي تعانيه الداخل.
في المحافل الدولية، بينما تناقش الدول اتفاقيات التجارة، وأمن الطاقة، وحل النزاعات، وأجندة التنمية، قد يجد الممثل الدبلوماسي الذي لا يملك أدوات الحضور الفاعل نفسه غارقاً في هوامش اللقاءات، أو متكئاً على تفسيرات ذاتية تقلل من شأن التفاصيل القانونية والسياسية التي تشكل أساس العلاقات بين الدول. النتيجة متراكمة: عزلة متزايدة، وسخرية مكتومة من الشركاء، وفقدان متسارع للمصداقية والنفوذ.
النظام السياسي المنبع الحقيقي للأزمة
طالما بقي التعيين في المناصب السيادية والدبلوماسية خاضعاً لمعايير “من أبوك؟”، و”لمن تنتمي؟”، و”كم قدمت من خدمات للشلة الحاكمة؟”، فسيظل التدهور هو السمة الغالبة. إنها أزمة نظام سياسي، في مراحله المختلفة، قد يخاف من الكفاءة المستقلة، ويشك في المعرفة المتخصصة، ويُفضل الولاء الأعمى على العقل النقدي القادر على إدارة الدولة ككيان مؤسسي حديث.
نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه
الخطر الحقيقي لا يكمن في سخرية الدول من سفير غير مؤهل، بل في أن تصبح الدولة نفسها موضوعاً للسخرية والاستخفاف. الدبلوماسية ليست منصباً شرفياً، ولا مكافأة على خدمات سابقة، بل هي خط الدفاع الأول عن المصالح العليا للبلاد في السلم والحرب.
إن إنقاذ الوجه الدولي للسودان يبدأ بإصلاح جذري لآلية اختيار ممثليه. يتطلب ذلك
مأسسة التعيينات بوضع معايير موضوعية وعلنية للتعيين في السلك الدبلوماسي، تشمل المؤهل العلمي، وإتقان اللغات، والخبرة في الشؤون الدولية أو الاقتصادية أو القانونية.
فصل السياسة عن الإدارة وجعل السفارات مؤسسات دولة وليست حكراً على تيار حاكم أو جماعة بعينها.
الاستثمار في التدريب وإنشاء أكاديمية وطنية للدبلوماسية تُعيد تأهيل الكوادر وفق المستويات العالمية.
محاسبة الأداء وربط البقاء في المنصب وتحقيق الترقيات بالإنجازات الملموسة وبناء مصالح للبلاد.
السودان دولة ذات تاريخ وحضارة وموقع جيوسياسي إستراتيجي لا يحتاج إلى “بَخَرة” وعلاقات تقليدية ليمثل نفسه، بل يحتاج إلى عقول متفتحة، وكفاءات مشهود لها، ودبلوماسيين يقرأون خريطة العالم بعيون القرن الحادي والعشرين. المستقبل لا يُبنى بالولاءات الضيقة، بل بالكفاءة التي تفرض الاحترام، والسياسة الرشيدة التي تحفظ كرامة الدولة ومصلحة مواطنيها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم