أواصل دعوة الحوار مع اليسار الماركسي في بلادنا، حول تجربته، ممارساته، ومرجعيته النظرية. الهدف الأساسي هو تشجيع روح الحوار الموضوعي والعقلاني، استشرافا لواقع يكون فيه، اليسار، طرفا أساسيا وفاعلا، في بناء السودان الذي نحلم به، ونعمل من أجله. يجتهد هذه المقال، لاحتذاء منهجا تحليلا تاريخيا، يعتمد على الوثائق، وعلى الإرث الفكري والسياسي، الذي، انتجه الحزب الشيوعي، حول التحالفات، باعتباره قلب اليسار الماركسي في السودان، خلال الثمانية عقود الماضية. المقال، يشمل بعض التجارب الهامة، والأساسية التي خاضها الحزب الشيوعي، وليس كلها. جوهر المقال يؤكد، ان التحالفات، جزء اصيل من تكتيكات الحزب.
تواجه بلادنا وضعا كارثيا، وأزمة، غير مسبوقة، تتعلق بوجدها كدولة. فالحرب المدمرة التي استمرت قرابة الأربع أعوام، ويحلم، كل فريق، بتحقيق انتصار كامل ونهائي على الفريق الآخر، وهو الامر الذي اثبت الواقع استحالته، خلال هذه الحرب، وكل الحروب السابقة، التي حدثت في وطننا. استمرار الحرب هو الخطر الأكبر، الذي سيفتت السودان الي دويلات فاشلة، تحارب بعضها البعض، وتستغل مواردها لشراء المزيد من السلاح، وتقمع شعوبها. والخطوة الأولى نحو ذلك المستقبل المظلم هو انحدارنا المتسارع ، الآن، نحو الحرب الأهلية الاملة، التي يتحارب فيها الكل، ضد بعضهم البعض. هذا المصير الأسود يجعلنا، جميعا، امام المسئولية التاريخية، بالعمل الجاد لإيقاف الحرب، اليوم قبل الغد.
أهم التجارب التي سأتعرض لها، باختصار، هي:
• التحالف مع اليمين،
• اتفاقية الحكم الذاتي رفض ومقاومة، ثم مشاركة في انتخاباتها،
• الحكومة الوطنية الأولى والدعوة لتوحيد السودانيين،
• اختلاف الرأي لا يمنع التنسيق،
• تحالفات القضية الواحدة
• مصاعب الفترة الانتقالية بعد انتفاضة 1985.
واصلت جريدة اللواء الأحمر، الناطقة باسم الجبهة المعادية للاستعمار (الحزب الشيوعي لاحقا)، في أوائل خمسينيات القرن الماضي، الهجوم على الأحزاب الأخرى. وقادت حملة شعواء تركزت على السيد عبد الرحمن المهدي، ووصفته بأشنع الاوصاف. ورغم ذلك الهجوم والعداء الصارخ، وعندما استدعت القضية الوطنية التحالف مع حزب الامة تم التحالف في الجبهة الاستقلالية.
ذكر فيصل عبد الرحمن على طه في كتابه ” السودان على مشارف الاستقلال الثاني” في صفحة 25:
” عارض الحزب الشيوعي اتفاقية الحكم الذاتي ونشر أحد كوادره وهو قاسم امين ضابط نقابة عمال السكة الحديد كتيبا بعنوان ” اتفاقية السودان في الميزان” عرض فيه لبعض أوجه الاتفاقية وتناولها بنقد وتحليل اتسم في بعض جوانبه بالمبالغة والتهويل”.
ما حقيقة موقف الحزب الشيوعي من الاتفاقية: كتب عبد الخالق محجوب في كتاب لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني:
“ان الدعاوي العريضة للاستعماريين وللدوائر المصرية التي تتبجح بانها، منحت، الشعب السوداني استقلاله مجافية للواقع ووقحة في نفس الوقت فالاستعماريون نجوا بجلودهم من وطننا وكانت الاتفاقية انقاذا لهم من تطور الحركة الجماهيرية بطابعها الجديد.
لقد وقعت اتفاقية فبراير 1953 في ظرف كانت الحركة الجماهيرية فيها تسير بخطوات سريعة في نضالها ضد المستعمرين وتتخذ طابعا جديدا بظهور الجبهة المتحدة لتحرير السودان وقيام النقابات العمالية بدور فعال فيها. لقد كانت الحركة الجماهيرية تطالب بالجلاء الناجز للمستعمرين وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره وفي بناء سودان ديمقراطي حر، ولكن الاتفاقية لم تحقق هذا المطلب الشعبي، بل اجلته الى ثلاث سنوات ووضعت قيودا عدة على حرية الشعب السوداني وأعطت الحاكم العام البريطاني سلطات خطرة ليستغلها في تقوية النفوذ البريطاني والضغط على البرلمان. لقد اتخذت أحزاب الطبقة الوسطى موقف التبعية فقبلت الاتفاقية دون تعديل أو نقد ومن وراء ظهر الجبهة المتحدة لتحرير السودان التي كانوا يشتركون فيها”
. ورغم هذا العداء المعلن، شارك الحزب في الانتخابات، التي أجريت بموجب الاتفاقية، جنبا الى جنب مع بقية الأحزاب.
شهدت فترة الحكومة الوطنية الاولي صراعا ضاريا وخلافات حادة بدأت بقضية التحرير والتعمير، ايهما أولا. ثم ظهرت دعوات لإصدار قوانين لقمع الشيوعيين والنقابات. بل تجرأ وزير الارشاد السوداني الاتصال بالحكومة الإنجليزية لمساعدة السودان في محاربة الشيوعية واسقاط قيادة اتحاد العمال الشيوعية.
أصدرت الجبهة المعادية للاستعمار (الحزب الشيوعي) بيانا، رغم ذلك العداء الصارخ، بعنوان ” حقيقة الموقف الكامل للجبهة المعادية للاستعمار من الاحداث الجارية” نشر بالميدان العدد 126 بتاريخ 14 نوفمبر 1955:
” ليس لدي الجبهة موقف يختلف الآن، في جوهره عن موقفها قبل اسقاط الحكومة، في المكان الأول رأب الانقسام في صفوف السودانيين وتوحيدهم حول المبادئ الأساسية التي أشرنا لها وعلى رأسها ابعاد الحاكم العام فورا”.
ودعت الجبهة في 17 نوفمبر 1955: ” اننا نري المخرج الوحيد في تشكيل حكومة قومية، ليست الصفة اللازمة لها ان تكون من أحزاب مختلفة لتحقيق ائتلاف شكلي، بل الصفة اللازمة لها في المكان الأول ان تتشكل، حول برنامج معادي للاستعمار تسنده رقابة منظمة وحركة جماهيرية نشطة خارج البرلمان.”
قرر الحزب الشيوعي ان يشارك في انتخابات المجلس المركزي (خلال الحكم العسكري الأول)، بينما قررت الأحزاب الأخرى مقاطعة الانتخابات. وحدث خلاف حول ايهما اصح المشاركة أم المقاطعة؟
سأنقل من بيان الحزب حول المجلس المركزي، لمقارنته بوضعنا الحالي. اشير هنا، لضرورة تفهمنا للروح والمنهج الذي تميز به البيان الذي أصدره الحزب الشيوعي السوداني، حول انتخابات المجلس المركزي، خلال الدكتاتورية العسكرية الأولي (1958 -1964). جاء في البيان بتاريخ 9/3/1963، ما يلي:
“ في هذه الأيام يدور الجدل عاليا حول دخول او مقاطعة الانتخابات للمجالس المحلية، فان الحزب الشيوعي السوداني يرى من واجبه ان يؤكد بصورة قاطعة ان الاضراب السياسي العام ما زال السلاح القوي الذي يمكن ان تشهره الجماهير لإسقاط النظام الراهن، وانه لا مقاطعة الانتخابات او دخولها يمكن ان يكون بديلا لهذا الاضراب. ان الاضراب السياسي سيظل دائما هو المحك لاختبار صحة الطريق الذي تسلكه الجماهير في هذه القضية او تلك بما في ذلك المقاطعة او عدمها. وفي حالة الانتخابات للمجالس المحلية، بينما يرى الحزب الشيوعي أهمية خوض هذه المعركة وتحويلها الى مظاهرة كبرى، والارتفاع بمستوى المعركة سياسيا وتنظيميا من اجل التحضير للإضراب السياسي، يرى البعض الآخر ضرورة مقاطعتها كأسلوب من أساليب المعارضة للحكم العسكري. ومن الواضح ان كلا الشعارين يهدفان في ظاهرهما الى غرض واحد هو معارضة النظام الراهن والرغبة في انهائه. ان الحزب الشيوعي يهمه ان يكون موقفه واضحا امام الجماهير العمالية وكل الشعب في هذه النقطة بالذات. ذلك ان النظام الراهن برمته وليس مشتقاته فحسب، هو نظام رجعي غير ديمقراطي ودكتاتوري، وليس هناك سوى السذج من يعتقدون في ان تولد الدكتاتورية نظاما ديمقراطيا في نفس الوقت. وعليه فان جميع ما يسمى بمؤسسات التطور الدستوري التي تنشأ في ظل هذا النظام لا يمكن ان تلبي آمال الشعب في الديمقراطية الحقيقية.
إن الذين يدعون إلى مقاطعة المجالس المحلية رغم حسن نواياهم ومقاصدهم هم في رأينا يتخذون موقف غير سليم لا يفيد قضية النضال ضد النظام الراهن. انهم ينادون بالمقاطعة، ولكنهم لا يشيرون الى أي عمل ثوري بديل في مقابل ذلك. ان الجماهير حين تهرع للتسجيل والترشيح ليس استجابة لنداء الحكومة او تأييدا لها كما تزعم أجهزة الاعلام الرسمية، ولكنها مدفوعة بغريزتها الثورية لممارسة حق من حقوقها.
ومع ذلك فان الحزب الشيوعي يحترم بكل اخلاص رأي الذين يدعون لمقاطعة الانتخابات رغم اختلافه معهم من حيث انهم يكشفون عن موقفهم من النظام الراهن وهذا هو الجوهر الذي نلتقي معهم فيه التقاءا تاما. وعلى هذا فان الحزب الشيوعي على أتم استعداد أن يعمل عملا مشتركا خارج نطاق الانتخابات. انه على استعداد للتوقيع معهم فورا على وثيقة تطالب بإلغاء المجلس المركزي والمطالبة بتأسيس برلمان منتخب انتخابا مباشرا تكفل معه جل الحقوق والحريات الديمقراطية. وهو على أتم استعداد لوضع كل قواه في عمل إيجابي وجماهيري حقا لتحقيق هذا المطلب الشعبي السليم”.
حدثت في بلادنا تجارب عديدة، فيما يسمي بتحالف البند الواحد، وكان الحزب الشيوعي طرف في كل تلك التحالفات. ومن الأمثلة:
• دعوة الأحزاب الوطنية للتنسيق لإسقاط حكومة عبد الله خليل في جلسة البرلمان التي من المقرر ان تنعقد في 17 نوفمبر 1958.
• الحملة القوية التي تمت، خلال فترة الديمقراطية الأولي، داخل البرلمان وخارجه، لرفض المعونة الامريكية.
• تنسيق الحزب الشيوعي مع حزب الشعب الديمقراطي لرفض ومقاومة اجراء الانتخابات الجزئية في 1965 بعد ثورة أكتوبر والجنوب لا يزال مشتعلا بنيران الحرب الأهلية.
• جبهة الدفاع عن الديمقراطية خلال الديمقراطية الثانية التي ضمت قوي سياسية ونقابية منظمات المثقفين لرفض التعدي على الديمقراطية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية..
• مؤتمر الدفاع عن الوطن العربي.
• التحرك المدني والسياسي الساعي لمقاومة محاولة فرض الدستور الإسلامي في عام 1968.
• المشاركة في حملة نقابة المحامين لمواجهة قانون الترابي 1988
• توقيع الأحزاب على ميثاق الدفاع عن الديمقراطية خلال الفترة الديمقراطية الثالثة.
• قبول دعوة الحزب الاتحادي الديمقراطي للتحرك لدعم اتفاقية السلام بين قرنق والميرغني
• الحملة الجماهيرية لإيقاف اعدام الأستاذ محمود محمد طه.
هذه الأمثلة توضح بجلاء، ان لنا في تاريخنا المعاصر، تجارب التحالف من اجل قضية واحدة. الآن لا توجد قضية أكبر وأهم من قضية إيقاف الحرب. وهي قضية أجمعت كل القوى السياسية والمدنية عليها، ما عدا الاسلامويين الذين أشعلوا الحرب ويحلمون بالعودة للسلطة.
عندما انتصرت انتفاضة شعبنا في ابريل 1985، تفجر صراع حاد. وأدعو ان نقرأ بعقل مفتوح ما ورد في
خطاب داخلي، من سكرتارية الحزب، بتاريخ 10 يونيو 1986 تحت عنوان: ” فلنواصل تنظيم وتعبئة الجماهير لوقف التآمر ضد الديمقراطية والتراجع عن مطالب الانتفاضة واجهاضها”:
” المخاطر التي تحيط بالانتفاضة ما زالت قائمة ونتيجة لممارسات المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء وسياساتهما المناقضة لطموح جماهير الانتفاضة ومطالبها، وكذلك حلقات التآمر لإجهاض الانتفاضة، بهذا يصبح الخطر مباشرا على مستقبل الديمقراطية. كان هذا التآمر واضحا منذ البداية في تصريحات وبيانات رئيس المجلس العسكري الانتقالي وفي تكوين اللجنة المنوط بها وضع الدستور. فخلافا للإعلان الذي صدر بتكوين اللجنة من كافة الاتجاهات السياسية، اقتصر التكوين على الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة والحزب الاشتراكي الإسلامي والجبهة الإسلامية القومية (التي لم توقع على الميثاق الوطني) متجاهلا تمثيل الأحزاب الأخرى ومن ضمنها الحزب الشيوعي. ويمثل هذا خروجا واضحا على الميثاق والاتفاق السياسي الذي يحكم الفترة الانتقالية. ولهذا كان طبيعيا ان تأتي مسودة الدستور التي قدمتها اللجنة تقنينا وتمهيدا لضرب الديمقراطية وليس لها علاقة بفترة الانتقال.
ان ممارسات المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء وتعمد المراوغة والتسويف في اتخاذ القرارات حول القضايا التي أجمعت عليها الجماهير في ثورتها وعلى رأسها تصفية التركة المايوية المعيقة لاي تطور، يفتح الباب واسعا امام التآمر، بل يدعمه ويساعد على جرأة القائمين به. فهجوم المجلسين الواضح والمستتر على قيادة التجمع النقابي والذي يحوز ثقة الجماهير، وقمع اعتصام المحاسبين بالقوة، واعتقال النقابيين وأعضاء التجمع في بعض المدن وغيرها من الممارسات، يمثل مؤشرا واضحا لما يبطنه أعداء الانتفاضة من هجوم شامل على الديمقراطية. أمام هذه المخاطر فان على حزبنا تنظيم قوى الانتفاضة وتجميع صفوفها لتخوض معركة حازمة ضد كافة ممارسات السلطة وتباطؤها وتسويفها في تنفيذ مطالب الجماهير.”
رغم كل ذلك التآمر، تحالف الحزب الشيوعي مع بقية الأحزاب، تحت شعار وحدة قوى الانتفاضة، خلال المعارك النقابية، التي جرت في عام 1987، ورفض الدعوات التي طالبت بوحدة قوى اليسار.
خاتمة:
هذه بعض الأمثلة لمواقف الحزب الشيوعي، وليس كل المواقف المبدئية، التي اتخذها، في سبيل العمل الجبهوي. وما احوجنا لذلك الإرث الثوري والعقلاني، في وقتنا الحاضر، حيث تمسك كارثة الحرب، بخناق شعبنا.
