????????????????????????????????????

دعوة للنقاش والتفاكر: مبادرة لإنشاء قانون زراعي سوداني موحّد

إعداد: الصادق عبدالله أبوعيّاشة
sadigabdala@gmail.com
فبراير 2026
هذا ملخص من ورقة عمل تفصيلية, تهدف هذه المبادرة إلى الدعوة للتفكير والشروع في إحداث تحول نوعي في البناء التشريعي المنظم للقطاع الزراعي في السودان، والذي يتوقع أن ينجز ويجيز قانون زراعي سوداني موحّد يشكل إطارًا مرجعيًا جامعًا، يؤسس لإدارة حديثة ومستدامة لهذا القطاع السيادي الاقتصادي الهام. وسيادي لأنه معني بدءاً بشأن تنمية واستثمار واستدامة الموارد الطبيعية الزراعية التي هي أصل الدولة. وما الدولة إلا (إقليم وشعب وسيادة).
وقد انبثقت الفكرة لدى المبادر (الصادق أبوعياشة) نتيجة تعدد المشاركة في مجال إعداد، ومناقشة وإجازة السياسات العامة، التي تأتي على رأسها التشريعات وما يلي ذلك من خطط وبرامج عمل. وقد كان مبعث الفكرة أثناء اشتراك صاحب المبادرة في مجال التدريب وتصميم نظم الزراعة، والمشاركة في إعداد دراسات تتعلق بمهام واختصاصات بعض مكونات وزارة الزراعة، الأمر الذي قاد إلى البحث في الأصول والخلفيات القانونية والمؤسسية للقطاع، وتحليل مسار تطوره التاريخي والتشريعي، والوقوف على واقع الإطار القانوني الحاكم له.
وقد أظهرت الدراسة والتتبع لتاريخ إنشاء مصلحة الزراعة أن النشاط الزراعي في السودان لا يخضع لقانون شامل ينظم القطاع بوصفه منظومة متكاملة، وإنما تحكمه شبكة واسعة من القوانين المتفرقة، التي صدرت في أزمنة وسياقات مختلفة، وتعالج جوانب جزئية من العملية الزراعية المتسلسلة، المتداخلة، دون أن يجمعها إطار قانوني موحد.
وتشمل هذه القوانين مجالات الأراضي والحيازة، ونزع الملكية، والغابات، والمراعي، والبيئة، والتقاوي، والأسمدة، والسلامة الحيوية، ومكافحة التصحر، والاستثمار، إضافة إلى قوانين مجاورة تؤثر بعمق في النشاط الزراعي مثل قوانين المياه، والمجلس الزراعي، والتخطيط العمراني، والحكم اللامركزي، والتعدين، والاتفاقيات الدولية، بما في ذلك ما طرأ من اتفاقيات التكامل والتعاون الإقليمي وتنظيم الاستثمار المحلي والأجنبي. وقد لا حظ صاحب المبادرة بأن هذا التعدد في التشريعات لا يعكس وفرة تشريعية بقدر ما يعكس غياب رؤية تشريعية جامعة تنظم العلاقة بين الدولة ومواردها الطبيعية والمنتجين والمستثمرين والولايات والقطاع الخاص، وتضبط سلسلة القيمة الزراعية في إطار استراتيجي متكامل. وقد زاد من وهج الفكرة بإطلاع صاحب المبادرة على القانون الزراعي الشامل الذي تبنته دولة الصين في العقود الأخيرة، بإرثها وكفاءة إدارتها لمواردها الطبيعية، والذي أنجز منه نسخة مترجمة. وقد سبقتها الدولة المصرية ب في جمع وتنسيق القوانين المنظمة للزراعة تحت مظلة تشريعية موحدة. وهناك تجارب أخرى للدول.
طبيعة المشكلة:
تتجلى الإشكالية المحورية في السودان بأن الزراعة، رغم كونها العمود الفقري للاقتصاد السوداني وأحد أهم ركائز الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، والاستدامة، لا يحكمها قانون مهني موحد، ولا إطار مرجعي ينسق بين التشريعات القائمة ويعالج أوجه التعارض والتداخل بينها.
وقد ترتب على هذا الواقع تشتت وتعدد الصلاحيات التنفيذية، وتداخل في الاختصاصات بين الوزارات والمؤسسات، وما صاحب ذلك من ضعف في التنسيق بين مستويات الحكم، وغياب الاستقرار التشريعي، فضلًا عن فجوات تنظيمية في مجالات الاستثمار، والتسويق، وإدارة الموارد، وحوكمة الإنتاج.
وتشير الخلفيات إلى أنّ القوانين القائمة قد صدرت في سياقات تاريخية مختلفة، بعضها في عهد الحكم الثنائي، وبعضها في مرحلة الدولة الوطنية، وبعضها في ظل سياسات التحرير واللامركزية، وما صاحب ذلك من موجات في تشجيع وتنظيم الاستثمار في العهود المختلفة، ذلك دون أن تخضع لإعادة بناء شاملة تعيد صياغتها ضمن رؤية معاصرة تستجيب للتحولات التقنية والبيئية والاقتصادية.
إن تتبع نشأة وزارة الزراعة وتطورها يكشف أن مسارها المؤسسي كان دائمًا انعكاسًا لطبيعة الدولة في كل مرحلة. ففي الفترة السابقة لعام 1898، كانت الزراعة نشاطًا معاشيًا تحكمه الأعراف القبلية ونظم الحواكير والملكية الجماعية، دون وجود تشريعات مكتوبة أو جهاز إداري مركزي. ومع قيام الحكم الثنائي عام 1898، بدأت الدولة تتدخل تدريجيًا عبر إنشاء مصلحة الزراعة كجهاز فني يتبع السكرتير الإداري العام، لتصدر لوائح وأوامر لتنظيم الأراضي والري والمشاريع المروية، خاصة مع قيام مشروع الجزيرة في عشرينيات القرن العشرين، الذي شكل نقطة تحول في تاريخ الإدارة الزراعية. وما صاحب ذلك من إنشاء اتفاقيات لإدارة وتنظيم مياه الري. ذلك إلى أن جاءت إصلاحات عام 1948 بإنشاء الجمعية التشريعية وتنظيم المجلس التنفيذي، فانتقل الاختصاص الزراعي من مصلحة فنية إلى وزارة ذات صفة سيادية، واستقر وجودها دستوريًا مع الحكم الذاتي ثم الاستقلال في عام 1956.
بعد الاستقلال، شهد القطاع الزراعي سن تشريعات قومية لتنظيم المشاريع المروية والمطرية، وتعزيز الإرشاد والبحوث، وترسيخ الدور المركزي للدولة في التخطيط الزراعي. وفي السبعينيات والثمانينيات توسع تدخل الدولة وأعيد تنظيم قوانين الأراضي والمشاريع، مع تركيز واضح على التخطيط المركزي والتنمية الريفية. وما صاحب ذلك من خلل في رعاية المشروعات المروية والزراعة الآلية على النظم الغابية والرعوية وعلى نظم الزراعة المعيشية. ثم جاءت مرحلة التسعينيات حتى 2010 باتجاه تحرير الاقتصاد الزراعي وتعزيز اللامركزية، حيث سُنت قوانين للاستثمار الزراعي، ونُقلت بعض الاختصاصات إلى الولايات، وتراجع دور الدولة المباشر في الإنتاج إلى دور تنظيمي وإشرافي. إلى أن جاءت مرحلة ما بعد الألفية التي اتسمت بمحاولات التكيف مع تحديات الأمن الغذائي والتغير المناخي وجذب الاستثمار. مع كل ذلك ظلت التشريعات مبعثرة وتعاني من عدم الاستقرار والتعديل المتكرر المجتزأ في أغلب الاحيان، دون بروز رؤية لمراجعة البناء التشريعي وتطوير قانون إطاري جامع لإحكام سياسة شاملة للقطاع.
يظهر من التسلسل التشريعي عبر الحقب، بأن التشريع الزراعي في السودان ظل يتشكل بصورة تراكمية، استجابة لاحتياجات مرحلية، دون أن يتبلور في صورة قانون مرجعي موحد ينظم القطاع بوصفه سلسلة متكاملة تبدأ بإدارة الموارد الطبيعية، عبر العملية الإنتاجية ثم التصنيع الزراعي، والنقل والتخزين، والتجارة، والتمويل، وتنتهي بالاستهلاك والأسواق، والأنشطة الإنتاجية وآفاق الإستدامة في عصر مهددات بيئية ماحقة. إن التعامل مع هذه الحلقات بصورة مجزأة، بحيث تخضع كل منها لقوانين وأنظمة مؤسسية منفصلة ومتباينة، قد أضعف الترابط بين الإنتاج والتصنيع، وبين الإنتاج والأسواق، وبين التمويل وإدارة المخاطر، وأدى إلى تعدد الجهات التنفيذية وأضعف الدور الرقابي لاستدامة الموارد دون تنسيق ملزم.
كما أن إدارة الموارد الطبيعية، من أراضٍ ومياه وغابات ومراعي، ومحميات طبيعية وحياة برية، لا تزال خاضعة لقوانين متوازية ومؤسسات متعددة، مما يفاقم بيئة النزاع ويهدد الاستدامة ويضعف التخطيط البيئي طويل الأمد. وفي ذلك تشير الوقائع إلى نتائج ماحقة على الموارد الطبيعية بسبب الأنشطة التوسعية المختلفة.
وفي ظل التغير المناخي وتزايد الضغوط على الموارد، يصبح إدماج مبدأ الاستدامة في صلب التشريع الزراعي ضرورة لا خيارًا. كذلك فإن ارتباط القطاع الزراعي بالأمن القومي والمخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية يتطلب إطارًا قانونيًا يربط الإنتاج بالتخطيط الغذائي وإدارة الطوارئ، بدل الاعتماد على إجراءات إدارية متفرقة.
ولا ينفصل هذا كله عن الحاجة إلى بناء موارد بشرية من الكادر الوطني المؤهل لإدارة القطاع استراتيجيًا، يمتلك أدوات التخطيط بعيد المدى، ويفهم التشبيكات القانونية والمؤسسية، وقادر على إدارة الاستثمار والمخاطر والموارد في سياق إقليمي ودولي معقد. كما أن انخراط السودان في اتفاقيات دولية تتعلق بالتجارة، والاستثمار، وحماية البيئة، والتنوع الحيوي، يفرض ضرورة وجود إطار قانوني وطني يدمج هذه الالتزامات بصورة متسقة، ويوازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات الانفتاح الاقتصادي والتكامل والتعاون الدولي والاقليمي.
بناءً على ما تقدم، يخلص هذا المشروع إلى أن مراجعة وتطوير الإطار التشريعي المنظم للقطاع الزراعي لم تعد مسألة فنية جزئية، بل ضرورة وطنية استراتيجية. فالمطلوب ليس إضافة قانون جديد إلى منظومة قائمة، بل إعادة بناء المشهد التشريعي والتنظيمي عبر إعداد قانون زراعي سوداني موحّد يشكل مظلة عليا تحكم القطاع، وتنسق بين القوانين المتخصصة، وتنظم توزيع السلطات والصلاحيات بين مستويات الحكم، وتؤسس لمنظومة قومية مستدامة لإدارة الموارد الطبيعية، وتعزز الأمن الغذائي، وتدعم الاستثمار والإنتاج، وتربط الزراعة بسلسلة القيمة الكاملة في إطار استراتيجي طويل الأمد.
إن تبني مشروع القانون الزراعي الموحّد، عبر مشاورات فنية وقانونية واسعة تشارك فيها الجهات المختصة ووزارة العدل والمؤسسة التشريعية، يمثل خطوة مفصلية في مسار الانتقال إلى دولة مؤسسات حديثة، مستقرة تشريعيًا، قادرة على تعظيم العائد من مواردها الزراعية، وتحويل الزراعة من قطاع مُدار بالتجزئة وردود الأفعال إلى قطاع سيادي متكامل يقود التنمية الوطنية، ويحقق رفاهية شعب السودان، ويصون حقوق الأجيال القادمة في موارد مستدامة. فبراير 2026.

عن الصادق عبدالله عبدالله

شاهد أيضاً

الصوم والفيسيولوجيا .. المشقة تجلب التيسير

الصادق عبدالله أبوعيّاشة الدمام ، رمضان 1446، مارس 2025 مقدمة هذا موضوع للنظر في ممارسة …