كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
دعوها لأبناء أمدرمان… ولا تخافوا عليها لصاً
في فصل دراسي في أي مدرسة من مدارس أمدرمان، قد يفوق عدد تلاميذه الأربعين، يكتظون فيه كما تكتظ صفحة العمر بالآمال العراض… هؤلاء الطلاب يدرسون منهجاً موحداً مع بقية تلاميذ البلاد طولاً وعرضاً، وقد تشكل عقولهم مخرجات تلك المناهج التي يتلقونها، ولكنهم في الداخل يتشكلون بعامل آخر، ربما يكون أكثر مضاءً من قوة المنهج… تلكم هي الثقافة الأمدرمانية، يتشبع بها أولئك التلاميذ، فتصوغهم صوغاً مختلفاً على اختلاف مللهم ونحلهم، وقسمات أوجههم، وسحنات ألوانهم، وحتى دياناتهم ودلالات أسمائهم.
تلك الثقافة التي تتخلل مسامهم هي “اليد الخفية” التي قال بها آدم سميث عندما وصف انتظام الناس في السوق الرأسمالية. فلا أحد يدري على وجه التحقيق مَن صاغ تلك الثقافة، لكنهم يتشربونها، ولا أحد يدرك متى تخلقت، ولكنهم يتمثلونها. إنها تيار يسري في الوجدان فيخلق حالة واحدية يصح أن يُطلق عليها النسيج الأمدرماني الفريد. فلا هم بشر فوق البشر، ولا هم غرباء على أنفسهم. إنهم نتاج شفرة فريدة، أقوى من المنهج، وأمضى من الموسى، وأصلب من الفولاذ. إنها مضغةٌ لا تُعجن إلا في أمدرمان، وصبغةٌ لا تُصبغ إلا بها، جوهرٌ فردي لا يشاركها فيه غيرها، يتجلى في لمساتهم وومضاتهم، ويجيد قراءته من يتنسمه. تشعر بها في اللغة، والسلوك، والإشارة، وحتى النبرة. وللأمدرمانيات نصيب وافر من هذه الثقافة، وإن اختلفت تجلياتهن في فضاءاتهن الخاصة، تبقى هي السند ذاته.
ومن هذه الومضة الخفية، وتلك النبرة المتميزة، تنبت في نفس كثير من أبناء أمدرمان حصانةٌ عجيبة ضد عِقَد النقص التي تعتري الكثيرين ممن قصدوا العاصمة يبحثون عن موطأ قدم. تراهم هناك، في زحام العاصمة الكبير، يزاحمون الناس بالمناكب، ويجهدون ويلهثون لكي ينتزعوا لأنفسهم مكانة اجتماعية متصنعة، ويتخيرون من الكلمات منتقاها علّها تبرز لهم مكاناً علمياً أو أدبياً لا يدركون كنهه، ويتشكلون حسب مطالب أهل المجلس وأصحاب الحظوة، بزعم أن ذلك يقربهم من الدوائر النافذة زلفى، ويتصنعون مكارماً، ويتزيون بملابس يتحلون بها عسى أن ترفعهم درجات في مجالس الأنس أو المحافل الرسمية.
أما ابن أمدرمان، فيغلب عليه ألا تغريه تلك المجالس، لأنه ببساطة هو رائدها الأصيل. يجلس فيها بأريحية الشريك، لا بلهفة المستجدي، يفيض عفويةً وتلقائية، حتى إذا ما أشتم في المجلس رائحة رياء أو بادرة نفاق، انسحب بكبريائه الأمدرماني الأصيل، كأنما يحافظ على كنز ثمين يخشى عليه من دنس الابتذال. وغالباً ما يأنف أبناء هذه الثقافة من التودد لأصحاب المال، لأن أهل المال عندهم يُقوَّمون بقيمتهم الإنسانية لا بقيمة أرصدتهم وخزائنهم ومفاتيح ممتلكاتهم. والمفارقة العجيبة أن حتى أهل المال من أبناء أمدرمان أنفسهم يستجيبون لذات الشفرة الجينية، يعرفون الملق فيعافونه، ويمقتون النفاق فلا يأنسون له، ولا يبهرهم مستجد النعمة ولا قديمها، لأنهم يدركون أن النعمة إذا جاءت من غير استحقاق، صاحبها في طريق ذي اتجاه واحد، متى ما حار به الدليل وناشته الخطوب، مضى في متاهات التيه، فلن يعرف للصعود طريقاً مرة أخرى.
أما الحكام والسلاطين، فقلما يمالئهم ابن أمدرمان أو يداهنهم، لأن الكون عنده، ببهرجه وزينته، لا يساوي “زقاق جالوص” من أزقة أمدرمان العتيقة. لهم من الأنفة والترفع ما لا يدرك سره إلا من رضع من ثدي تلك الثقافة الخفية، التي توحي لهم – من حيث لا يدري الآخرون – أن مركز الكون يدور حتماً في فلك أمدرمان. قد لا يقولونها تحدياً أو جهراً، ولكنهم إذا استدعى الأمر، قذفوا بها في وجه العنتيل بلا جلبة أو تردد.
وإذا ما نال ابن أمدرمان نصيباً في منصب عام، تجلت فيه خصلة الزهد والترفع، فغالباً ما ينفر من العبث بالمال العام، لا خوفاً من سوط قانون أو رقابة بشر، وإنما لأنه يترفع عنه وأن كانت به خصاصة، فهم لا يخشون أملاقاً، ولا يرهبون فقراً، لأن كرامتهم عندهم أغلى من أن توزن بدرهم أو دينار. وعندما تصطرع في نفسية ابن أمدرمان مغريات اللحظة ونزعة التسامي، وتشتجر في كيانه الرغبة في الانسياق مع الضعف البشري أمام المغرِيات مع حتمية السمو التي تغرسها فيه ثقافته.. فإنه يستعصم بذاك الإهاب الأمدرماني الذي يعيده إلى جذوره، كأنما يسمع همساً من أزقة أمدرمان العتيقة يقول له: “لستَ من هؤلاء”. إنهم يعرفون يقيناً أن كنوز الدنيا وزخرفها لا تساوي جلسة أنس بهيجة، مغسولة بالصفاء، تحت عمود إنارة في زقاق عتيق. ولعل أكثر ما عُرف عن هذه الثقافة أنها تستقبح مد اليد إلى المال العام، ولا ترهقها ذلة أو انكسار أمام متسيد أو مستجد نعمة. قد يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وهم بعد لا يملكون إلا ما يقيم أودهم ويحفظ كرامتهم، لكنهم ينظرون دائماً إلى جذرهم الضارب في عمق الأرض التي يتعشقونها. لذلك تراهم لا يتطلعون للتطاول في البنيان، وإن سكنوه تواضعوا للناس، وكأن لسان حالهم يرى في البنيان الشاهق علامة تمييز سلبي، لا مفخرة كما يتوهم المستجدون الذين ظنوا أن المال والمنصب يعوضان الحرمان.
فإذا عُهد لأحد أبناء أمدرمان بعمل، فستجده يقوم به بحقه المنوط بالواجب والمستحق. فلا هم حداة مصالح، ولا هم طلاب مناصب، ولا هم متعجلون يرومون من الحياة أخذ كل شيء قبل أن يعطوا أي شيء. وهذا هو ديدن أبناء طينة أمدرمان، مهما كان أصل عرقهم وجذر قبيلتهم، فهم أبناء كل القبائل، يتميزون بصفة واحدة جامعة… أنهم أبناء “البقعة المباركة”.
ولعل من أعجب خصائص أمدرمان أنها لا تحتكر هذه الثقافة لمن وُلدوا فيها، إذ تكاد تعيد تشكيل القادم إليها. فما أكثر من دخلها غريباً، ثم خرج منها يحمل بين خافقيه شيئاً من روحها ولهجتها وأنفتها وعفويتها، يترفق بذلك الحمل ولا يتمنى أن ينزل عن كاهليه، حتى غدا الانتماء إليها انتماءً ثقافياً قبل أن يكون انتماءً جغرافياً. فكأن أمدرمان تسبغ على من يطيل المقام فيها ذلك الإهاب الأمدرماني الفريد.
هذا ليس اعتداداً مناطقياً ضيقاً، ولا عنصرية جغرافية، إنما هو إظهارٌ لمكرمة المكان عندما تعرف فضلها، وازدهاءٌ بوشيجة يعجب أمرها. وإظهار لتجلي ثقافة عندما تدرك كنهها….تلك التي وحدت الكثير من أبناء السودان الذين تشربوا هذا الإرث، فحملوه بين جوانحهم هوية تحصنهم من شرور التملق والتزلف، ويستشعرون بها زهواً وكبرياءً باذخاً لا تكسره عوادي الدهر، ولا تنال منه نائبات السنين.
لأجل هذا كله، ولأجل هذه الطينة العصية على التدجين… دعوها لأبناء أمدرمان، ولا تخافوا عليها لصاً!
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
