كتب الأستاذ الجامعي د محمد عبد الحميد
هل يمكن أن تمثل الجنازة كتفاً يتعلق به متسلق ومدمن ظهور اجتماعي ليصبح “شخصية مجتمع”؟ هل يُعقل أن يتحول المشهد الأكثر خشوعاً في الحياة الإنسانية إلى منصة للاستعراض؟!.
الحالة السودانية في دفن الموتى حالة فريدة تتجلى فيها فكرة التواشج المجتمعي بأبهى صورها، وتبرز في عند الموت قيمة باقية. أن في لحظة الحاجة للعون، هناك دائماً من ينهض بمدّ يد المساعدة. تقوم هذه المنظومة على حالة شبه مؤسسية ترتكز على العرف والتطوع، تنشط عند الحاجة وتتلاشى عند لحظة إهالة التراب، لتعود وتنبض من جديد عند حالة موت أخرى. هكذا تدور هذه العملية بصمت يشبه صمت القبور ذاتها، وتستمد جلالها من مهابة الموت نفسه. إنها لحظة تتلاشى فيها نزعات التطلع، وتتوارى فيها رغبات الأنوية، ويستخلص الأحياء العبرة من عاقبة الأمور في القبور. إنه فعل لا ينظر أكثر من مقدار حجم القبر، ولا يرنو لحاجة في الدنيا أبعد مما تفرضه رحلة حياة انتهت للتو بمراسم دفن هي أبلغ ما قد تقدمه الحياة من دروس.
يُعد دفن الموتى في الوجدان والممارسة السودانية قمة سنام العمل التطوعي، فعلاً يقوم على التكافل الخالص خارج حسابات الربح، ويُمارَس كـ”فرض كفاية” اجتماعي. إنها عملية تقوم على الإخلاص للموت كما للحياة، يهبّ فيها الجيران والأهلون مدفوعين بوازع أخلاقي وديني لتجهيز المثوى الأخير للراحل دون انتظار جزاء أو شكور. التطوع، بهذا المعنى، وكما تؤكده ادبيات العلوم الإنسانية هو بذل جهد خارج إطار علاقات السوق، لا يحترف الربح المادي ولا يترجّى العائد المالي، إنما يقوم على تقدير الجهد بالشكر، ويرتبط في أقصى حالاته بتحقيق الذات كما أكّد على ذلك أبراهام ماسلو في هرمه الشهير للاحتياجات الإنسانية. هذا التطوع ليس مهنة ولا وظيفة، إنما فعل انغراس في الضمير والوجدان، وتحمّل صامت لمسؤولية ثقيلة تُؤدّى، ثم يُنسحب صاحبها إلى حياته دون ضجيج.
يرتبط هذا الفعل تاريخياً بالحيز الجغرافي بشكل عضوي، فالمتطوعون هم أبناء المنطقة، يدفنون موتى أحيائهم، ويخدمون أهل منطقتهم، ويقومون على مقابر يعرفونها كما يعرفون بيوتهم. هؤلاء النفر من الأخيار، الذين يحفظون أدوات الحفر في بيوتهم كأمانة للمجتمع، يجسدون أعلى مراتب “تحقيق الذات” بصيغة سودانية خالصة، حيث يجد الفرد قيمته في خدمة الجماعة وتخفيف مصاب الفقد ولوعة الفراق. لكل واحد منهم عمل يعود إليه بعد الدفن، ولكل مجموعة أدواتها البسيطة التي تُدار فيما بينها، في مشهد يعكس التضامن والتطامن المجتمعي. وحين تقع الوفاة، ينهض هؤلاء من حياتهم اليومية بلا استعراض، يحملون أدواتهم خفافاً إلى المقابر، وفي اللحظة التي يُغسَّل فيها الجثمان ويُكفَّن، يكون القبر قد أُعِدّ في صمت في جوف الليل، او رابعة النهار. تحت الشمس الحارقة، أو في مع لفح الزمهرير.
هذا العمل، وإن بدا غير مؤسسي، إلا أنه يتمتع بانضباط عفوي محكم، يقوده شخص خبير بصفته مرجعاً عملياً لا رئيساً إدارياً. يوجّه العمل ويضبط إيقاعه دون سلطة رسمية، ثم يختم المشهد بدعاء جامع يربط الأرض بالسماء، قبل أن يعود الجميع إلى أعمالهم لتسأنف الحياة من جديد. هذا الانضباط غير المكتوب هو سرّ بقاء الفضيلة واستمرارها عبر الأجيال. إنها منظومة قيمية كاملة، تعمل بكفاءة عالية رغم غياب الهياكل الرسمية، وتُنتج تماسكاً اجتماعياً يفوق ما تنتجه المؤسسات الحديثة بكل بيروقراطيتها.
لكن هذه الصورة النبيلة، وهذا الصمت الجليل الذي يشبه صمت القبور، بدأت تتعرض لعارض الظهور، والتسلق الاجتماعي. هنا يتوجب التساؤل هل يمكن للجنازة أن تكون كتفاً يتعلق به المتسلقون؟ بل هل يعقل أن تكون شخصية تتخصص في جنائز المشاهير والمسؤولين والرموز، وتتعامل مع الموت لا بوصفه نهاية إنسانية توقظ الخشية وتدعو للتأمل، وإنما فرصة للظهور الاجتماعي. إن في هذا ما يخرق صمت القبور بضجيج الاستعراض، وينتهك مهابة الموت بنزعات التطلع التي يُفترض أن تتلاشى عند هذه اللحظة.
هنا، تنكسر “لامركزية الدفن” التي حكمت العادة طويلاً. تتجاوز هذه الشخصية حدودها الجغرافية المتعارف عليها، وتنتقل بزيها المميز وعدسات الكاميرات تلاحقها، لتفرض نفسها كـ”قائد” للمشهد، وكأنها تؤدي دوراً تنتزع فيه أهمية غير متحققة. ليُفرَغ فيه التطوع من معناه القيمي ويتحول إلى “استثمار في الوجاهة”. بدلاً من أن تستخلص العبرة من عاقبة القبور وصمتها، تستخلص هذه الشخصية “فرصة تصوير” و”ظهوراً إعلامياً”. بدلاً من أن تقف عند حدود مقدار حجم القبر، تمدّ بصرها إلى ما هو أبعد: إلى المناصب، والعلاقات، والامتيازات التي يمكن حصدها من رماد الأحزان.
الأعجب أن لديها وظيفة رمزية غريبة: “مسؤول عن شؤون الموتى في بعثة الحج”، هذا المسمّى الملتبس. وكأن من يموت في مكة أو المدينة لن يجد من يواريه الثرى إن لم يحضر هذا “المتطوع النجم”! إنه اختزال فجّ لفكرة التطوع، وتحويلها من خدمة عامة إلى امتياز شخصي، ومن واجب جماعي إلى بطاقة تعريف اجتماعية. البقاع المقدسة، التي تضج بالمتطوعين من كل فج عميق منذ قرون، أصبحت في خيال هذه الشخصية تحتاج إلى “خبير سوداني” يضمن دفن الموتى! هنا يتحول الفعل الذي لا ينبغي أن “يرنو لحاجة في الدنيا أبعد مما تفرضه رحلة حياة انتهت للتو” إلى سلّم للصعود، وجسر لعبور المحيطات، وتذكرة لدخول دوائر النفوذ.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في جانبين أساسيين يهددان صميم فكرة التطوع. أولاً، تقويض التطوع المحلي وسلب الحق المعنوي: عندما يقتحم “غريب” مشهد الدفن في مقابر معينة بدافع الشهرة، فإنه يسلب أهل المنطقة حقهم المعنوي في مواراة فقيدهم، ويحول الطقس الجنائزي المهيب إلى عرض مسرحي. هذا يضعف روح “النفير” المحلي، ويُفرغ التطوع من جوهره الجماعي المرتبط بالمكان، ويحوّله من فعل جماعي مرتبط بالجغرافيا إلى أداء فردي “عابر للحدود”، تحكمه الرغبة في الظهور لا منطق الخدمة ورجاء الثواب. إنه يكسر تلك الحالة شبه المؤسسية القائمة على العرف، ويحوّل ما كان ينشط بصمت ويتلاشى بصمت، إلى كرنفال دائم الحضور، مستمر الضجيج.
ثانياً، البحث عن الامتيازات واستثمار الموت: الظهور المتعمد وسط المشاهير والمسؤولين الحكوميين يحوّل الدفن إلى أداة تسلّق اجتماعي، تُستثمر فيها لحظة الحزن لضمان مصالح ومزايا كان يُفترض أن تكون بعيدة كل البعد عن هذا الفعل الأخلاقي الخالص.
دفن الموتى في السودان ليس منصة ولا بطاقة تعريف ولا سلّماً للصعود الاجتماعي. إنه فعل تواضع كامل أمام هشاشة الإنسان، وتنتهي فيها كل الأنانيات، ويقف الجميع متساوين أمام حقيقة الفناء. سيظل دفن الموتى أسمى آيات التكافل ما دام بعيداً عن بريق الأضواء وأجندات المصالح، ما دام محافظاً على صمته الذي يشبه صمت القبور، ومستمداً جلاله من مهابة الموت لا من التماع فلاشات الكاميرات.
تبقى العبرة ليست في الظهور بل في الإخلاص، وليست في الزي المميز بل في القلب الخالص، وليست في تجاوز الحدود الجغرافية بل في احترامها. فالتطوع الحقيقي لا يبحث عن كاميرا، ولا ينتظر تصفيقاً. إنه يعمل في صمت يشبه صمت القبور، ويرحل في صمت أعمق، تاركاً وراءه قبراً مهيّأً ونفوساً مطمئنة، لا صوراً وعناوين.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم