دقلو… قائد يمشي بين الأسلاك خطاب يتجاوز الإلقاء إلى التموضع

دقلو… قائد يمشي بين الأسلاك
خطاب يتجاوز الإلقاء إلى التموضع

«التاريخ لا يمنح شرعيته لمن يتكلم… بل لمن يبني.»

د. احمد التيجاني سيد احمد ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ روما ايطاليا
أولاً: سياق الزيارة

جاء خطاب محمد حمدان دقلو (حميدتي)، رئيس المكتب الرئاسي ورئيس الهيئة القيادية لتأسيس، في عنتبي على هامش زيارة رسمية إلى جمهورية أوغندا بدعوة من رئيسها يوري موسيفيني.

زيارة لم تكن بروتوكولية خالصة، بل حملت في طياتها أبعادًا إقليمية معقدة، خاصة في ظل دعوةٍ — عبر الرئيس الأوغندي — من الفريق أول عبد الفتاح البرهان للقاء مباشر.

في هذا السياق، لم يكن الخطاب مجرد كلمات تُقال، بل تموضعًا سياسيًا محسوبًا في لحظة إقليمية حساسة، حيث تتقاطع الدعوات وتتشابك الحسابات ويصبح كل حرف جزءًا من معادلة أكبر من المنبر.

ثانياً: بين الدعوة والقرار

قبول الذهاب إلى عنتبي لم يكن تفصيلًا إجرائيًا، بل قرارًا سياسيًا بامتياز.

السياسة في لحظات التحول ليست رفع الصوت، بل اختيار الموقع، وإدارة المسافة بين الممكن والمستحيل

القايد محمد حمدان دقلو بدا مدركًا لهذه المسافة

ثالثاً: طبقات الوعي

كان القايد مصحوبًا بما يثبت أن في معيته طبقاتٍ من الوعي، لا مجرد وفدٍ سياسي.

في مقدمة هذا الوعي عبد العزيز الحلو، نائب رئيس المكتب ونائب رئيس الهيئة القيادية لتأسيس، الرجل الذي حمل مشروع الهامش لعقود، وخاض به مساراتٍ طويلة من القطيعة والمواجهة، ليجلس اليوم إلى طاولة مختلفة، في سياق مختلف، ومعادلة جديدة.

ولا يمر ذكر الحلو دون أن يُستدعى معه اسم عمار أموم، نائبه، الذي يشغل موقع وزير خارجية التأسيس، في إشارة واضحة إلى أن ما كان صراعًا منفصلًا صار اليوم جزءًا من بوتقة واحدة تُعاد فيها صياغة الدولة نفسها.. عمار اموم بما يمثله من تجربة سياسية ممتدة بين السودان وجنوبه، ورؤية تتقاطع مع أسئلة الدولة والهوية والانتقال، وكأن المشهد كله يعكس محاولة واعية لردم فجواتٍ صنعتها عقود من الانقسام

ويمتد هذا الوعي ليشمل الدكتور المبروك سليم، والدكتور الهادي إدريس، والطاهر حجر، ومحمد حسن التعايشي رئيس الوزراء، وإبراهيم المرغني وزير رئاسة الوزراء، وخلدي فتحي عضو المكتب الرئاسي التي يرتبط اسمها بإدارة ملف النساء في مشروع التأسيس.

غير أن محدودية التمثيل النسوي في قيادة التأسيس أمر يستوجب مراجعة جادة، إذ إن الدولة التي لا تُشرك نساءها في دوائر القرار تبقى ناقصة التوازن. و لقد كرر القايد حميدتي في خطابه اهمية المرأة اكثر من مرة

رابعاً: جمهور يتجاوز النخبة

لم يكن الخطاب موجّهًا إلى النخبة فقط، بل إلى جمهور واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي أينما كانوا في كل القارات، وإلى اللاجئين السودانيين في أوغندا الذين يقارب عددهم المليون.

هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير المنظمات، بل بشرًا ينتظرون أفقًا وإشارة بأن الوطن لم يُغلق أبوابه خلفهم.

خامساً: من الكاريزما إلى المؤسسة

محمد حمدان دقلو يحمل خصال القيادة التي حملها قادة عبر التاريخ، لكن الامتحان الحقيقي ليس في الخطاب، بل في القدرة على تحويل الحضور إلى نظام، والكاريزما إلى مؤسسات، واللحظة إلى دولة.

قد يختلف الناس في التقييم، لكن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات، بل بالتحولات الكبرى.

سادساً: الخاتمةً لحظة التاريخ

خطاب عنتبي لم يكن إعلان انتصار، بل إعلان وعي. لكن الوعي — حين يقترن بالإرادة والبناء — هو الشرارة الأولى في كتابة تاريخ جديد.

في عنتبي لم يكن الأمر مجرد خطاب، ولا صورة استقبال، بل اختبارًا لقدرة مشروع كامل على الانتقال من التحالف إلى البناء، ومن التموضع إلى التأسيس الحقيقي

السودان اليوم لا يقف عند عتبة حدث عابر، بل عند مفترق تاريخي يعيد فيه تعريف الدولة نفسها: من يحكم؟ وكيف يُحكم؟ ولمصلحة من تُبنى السلطة؟

أن تمشي بين الأسلاك ليس شجاعة عسكرية فحسب، بل شجاعة سياسية؛ شجاعة الاعتراف بالتعقيد، والقدرة على إدارة التناقض، والاستعداد لتحويل الاختلاف إلى بنية لا إلى قطيعة.

فإن استطاع مشروع التاسيس أن يتحول من حضورٍ إلى نظام، ومن خطابٍ إلى مؤسسات، ومن زخمٍ إلى دولة — فسوف تذكر عنتبي بوصفها إحدى اللحظات التي بدأ فيها السودان كتابة فصلٍ جديد من تاريخه.

وإن لم يحدث ذلك، فستبقى اللحظة مجرد صورة في الأرشيف.

بين الاحتمالين يقف القائد، ويقف معه شعبٌ كامل ينتظر اكتمال البناء

والتاريخ — كما علمتنا التجارب — يمنح شرعيته لمن يبني.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف تأسيس
٢٥ فبراير ٢٠٢٦ روما – إيطاليا
ahnedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

فجر الدولة التأسيسية للسودان الجديد (تأسيس). 20 فبراير 2026 — أوغندا، أفريقيا، وإعادة البناء الهيكلي للسودان

د. احمد التيجاني سيداحمد ٢١ فبراير ٢٠٢٦ روما ايطاليا تقديمًفي 20 فبراير 2026، استقبل فخامة …