أعود لرد الدكتور سلمان محمد سلمان (سودانايل 9 أكتوبر 2013) على كلمة لي سلفت في هذا العمود راجعته في بعض ما قاله عن موقف الحزب الشيوعي من اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان (1959). ولم أعد اليوم لتعزيز خلاف موضوعي مع سلمان حول موقف الحزب من الاتفاقية (تأييدا أو معارضة أو صمتاً) التي يعتقد أنها كانت وبالاً على بلادنا. عدت بالأحرى للتوسع في مآخذي المنهجية على شغل سليمان التاريخي الذي ميزناه بالإحسان في كلمتنا الماضية. فقد وجدته كمن ضاق ذرعاً بمآخذي ووصفها بالتشكيك والقدح. واستنكر نقدنا “الحاد” لمصداقية النهج الأكاديمي الصارم الذي ترسمه. ونوه بمظان للوثائق في واشنطون ولندن والخرطوم والقاهرة ضرب لها أكباد الإبل لخمس سنوات. وأقول لسليمان إن مشروعية مآخذ الأنداد الأكاديميين وجدواها تبدأ تحديداً حين يحسن العالم استكمال عدته البحثية كما فعلت. فلسنا نعبأ بمن لم يجمره وكد البحث. ومن لم يقم بمثل ما قمت به غير مستحق للمؤاخذة ونعد بضاعته “جورنالستك” (شغل صحف). فلا نكلف أنفسنا حتى مؤاخذته: أي أنه غير مؤاخذ. ولا بد أن منضدة سلمان حاشدة بأوراق ومخطوطات ورسائل جامعية تنتظر أن يعمل فيها مبضع الجرح والتعديل في منهجها ليقرر صلاحية نشرها أو تمويلها او إجازتها. بل الأكاديمي منا محصن ضد الكشف عن هويته عند دور النشر والمجلات العلمية ووقفيات البحث لكي يحسن الطعن و”يغرقه” في ما تعرضه عليه. ولذا استغربت لسليمان يدعي حصانة ضد القدح في شغله لأنه قد أحسنه مع أن تقويم المنهج الذي اعتني به صاحبه بقوة هو كارنا وحرس كبارنا.
زعم سليمان أنني تناقضت بقولي مرة إن الحزب الشيوعي عارض الاتفاقية ثم استدرت 360 درجة وقلت إنه أيدها. ولم أقل بأي الموقفين لأنني بقدر ما فتشت لم أجد نصاً للحزب صريحاً مؤيداً أو معارضاً. كانت عنايتي هنا منهجية أيضاً لأن سلمان أفترض المعارضة للإتفاقية يوم توقيعها كخيار وحيد لا بديل له للأحزاب والساسة. ومن أيد من الأحزاب علناً أوصمتاً متواطيء حلت به لعنة كارثتها إلى الأبد. فقلت إن افتراض أن المعارضة آنذاك كانت الموقف الصحيح الوحيد تضييق للواسع. فالحزب الشيوعي ربما أيد الاتفاقية مع مصر الناصرية كالتزام منه بضريبة القومية العربية وحركة التحرر الوطني المعادية للاستعمار. وقدمت لهذا التقدير بقولي إنني إنما أقوله “كفاحاً”، أي بغير بينة وثقى، بل بالنظر إلى قرائن الأحوال. وكان أكثر همي أن أنبه سلمان إلى أنه بمثل ذلك التضييق لخيارات الناس في زمانهم ومكانهم، اي الجبر في التاريخ، إنما يقع في خطيئة الحكم على التاريخ بالعاقب (وهي ترجمتي ل hindsight ). وهو عيب في كتابة التاريخ نبه له في الصحف منذ أيام صديقنا بدر الدين سليمان.
أما ما أزعجني حقاً فهو استدعاء سلمان لمن نعرف ومن لا نعرف ليشهدوا على إطلاعه كتباً وغشيانه دور وثائق كنت نبهت إلى أنها ربما حملت أدباً شيوعياً مفيداً لغرضه عن موقف الشيوعي من الاتفاقية. وسلمان مصدق عندي ويكفيني قوله هو عن سائر الناس ممن ذكر. فبيننا زمالة لها أعراف تظلل خلافنا ونقاشنا تغنينا عن الشهود العدول. فقال إنه غشي أو إطلع بصورة ما على وثائق الشيوعي السوداني في موضعها المثالي في معهد الدراسات التاريخية الاجتماعية بأمستردام ولم يجد فيها شيئاً عن موقف الحزب من اتفاقية 1959. ويعرف سلمان أن “لا” حافة ليست مما يُقبل في مثل شغله. فالمطلوب من المؤرخ، متى لم يجد ضالته، إطلاعنا عن حقائق غيابها في ما نظر فيه من الوثائق. مثلاً ألمحت له بأنني نظرت في قائمة محتويات أرشيف المعهد العالمي على الإنترنت ووجدت بينها “الكتاب الأسود” 1960″. وهو سجل سنوي كان يصدره الشيوعيون عن سقطات عصابة 17 نوفمبر في عامها السلف. ولو كنت محله لقلت إنني نظرت في هذا الكتاب ولم أجد ضالتي بينما انتظرته أن يتطرق لهذا الموضوع بقرينة كذا وكذا. وقس على ذلك. ربما وجد دورة للجنة المركزية، مجلة الشيوعي، اللواء الأحمر، إلخ. فقول الباحث إنه لم يجد ضالته بعد غشيانه داراً للوثائق مثل تلك التي في أمستردام بغير تأسيس على ما وجد غير مبريء لأنه قول يحسنه كل أحد.
ومن تحشيدات سلمان التي أباها قلبي إحالة مسألة موقف الحزب الشيوعي من اتفاقية 1959 لقيادته الحالية “لتدلي بدلوها . . . وتشرح للقاريء ولجماهيرها وللشعب وللتاريخ موقف الحزب الشيوعي من الاتفاقية مباشرة بعد التوقيع عليها (وليس موقفها الآن) وتوضح إن كان ما كتبه الدكتور عبد الله علي إبراهيم يمثل فعلاً رأي الحزب الشيوعي في هذا الحدث الجلل”. وسلمان يعرف عني ربما بأفضل من ذلك. لم أرهن يوماً البحث عن الحقيقة بقيادة حزب ما أو جماعة ولم أنتظر حكمهما الجمعي على مباحثي. وودت لو عززني سلمان في هذه العقيدة والممارسة بروح الزمالة والمهنية بأن يبقى النقاش بيننا نجوى. ولو لم يزل سلمان يكل حقيقة موقف الحزب من الاتفاقية إلى قيادة الحزب الحالية فها قد خرج إليه منها الرفيق تاج السر عثمان (سودانايل 14 أكتوبر 2013) يزعم معارضة الحزب للاتفاقية في 1959 ولا دليلو ولا برهانو..
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم