دم في الفاشر ودم في سيدني : من يقرر مَن هو الإنسان؟!

بقلم: د. عزيز سليمان – أستاذ السياسة والسياسات العامة
quincysjones@hotmail.com

“تقبل الله كل الضحايا الابرياء”

في دارفور، في مدينة الفاشر، سال الدم وما جفّ. آلاف الأرواح أُزهقت على يد الجنجويد ، والقرى أُحرقت حتى صارت رماداً. لا أحد تحرّك، سوى بضع بيانات “شجبٍ وإدانةٍ” من عواصم بعيدة، تُقرأ في نشرات الأخبار ثم تُنسى مع أول خبر رياضي. أما العالم، فواصل صمته المريب كأنّ الفاشر خارج خريطته الإنسانية.

لكن مع هجوم واحد وقع في بونداي بيتش في سيدني ، على احتفال ديني لليهود، تغيّر المشهد تماماً. لم يكد الغبار يهدأ، حتى خرج الرؤساء والزعماء من كل اتجاه، والبرلمانات استنفرت، والبيانات تدفقت كالسيل. بل إنّ الحكومة الأسترالية أعلنت في ذات الليلة عن تعديلات قانونية عاجلة ، ومنحت أجهزة الشرطة والأمن صلاحيات أوسع بدعوى “منع التهديدات”. وها هو البرلمان يقطع إجازته ليجتمع على وجه السرعة لتشريع قوانين جديدة، حتى لو أدّت إلى تقييد الحريات العامة.

قارن هذا بالذي حدث و يحدث في السودان: لا برلمان اجتمع، ولا قرار صدر، سوى كلمات باردة تواسي بلا روح. هذا هو الفارق بين دمٍ يُعامل كقضية وطنية تمسّ العالم بأسره، ودمٍ آخر يمرّ كأنّه خلل إحصائي. ليس لأنّ أرواح الفاشر بلا قيمة، بل لأنّ من يملك الكاميرا والمايكروفون هو من يملك تحديد من يستحق البكاء عليه.

الحقيقة المُرّة أن التحكم في الرواية صار هو السلاح الأخطر في هذا العصر. فحين تكون القضية متصلة باليهود، تُستدعى فوراً سردية “عداء السامية”، وتُغلق الأفواه باسم الحساسية الدينية والسياسية. أما حين تكون المأساة سودانية أو عربية أو إفريقية، فهي “معقدة” أو “بعيدة”، وبالتالي مؤجلة إعلامياً حتى إشعار آخر.

العالم اليوم لا يسيره الضمير، بل من يتحكم في الإعلام والقرار. الفاشر لا ينقصها الشجاعة، لكن ينقصها الصوت الذي يُسمع. وما لم نكتب نحن قصتنا ونروي نحن مأساتنا، فسيظلّ غيرنا هو من يقرر أيّ دمٍ له اسم، وأيّ دمٍ يضيع “ساكتاً” تحت غبار الأخبار.

حزني و اسفي على عالمٍ يوزّع الإنسانية بالانتقائية، ويقيسها بعدّاد المصالح.

عن عزيز سليمان

شاهد أيضاً

عبد ربه التائه وكاميرون هدسون: حين يتحدث أحدهما باسم السودان ويعتذر الآخر عنه

quincysjones@hotmail.comبقلم: د. عزيز سليمان – أستاذ السياسة والسياسات العامةفي قاعة الأمم المتحدة بالأمس، وقف عبد …