باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

دواليب السلطة بالقوة

اخر تحديث: 22 سبتمبر, 2026 2:34 مساءً
شارك

دواليب السلطة بالقوة: كيف تُصنع الانقلابات العسكرية هندسياً في العالم، ولماذا صار السودان معملها المركزي الأول أفريقياً والثاني عالمياً؟

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يقدم هذا المقال تحليلاً نظرياً وتطبيقياً شاملاً لظاهرة الانقلابات العسكرية عالمياً وفي السودان خصوصاً، منطلقاً من فكرة مركزية مفادها أن الانقلاب الناجح ليس حدثاً عفوياً بل عملية هندسية دقيقة تُخطَّط وتُصمَّم وتُنفَّذ وفق منطق تقني صارم يقوم على التسلل إلى الأجزاء الحساسة الضيقة من جهاز الدولة بدلاً من تعبئة الجماهير الواسعة كما تفعل الثورات الشعبية. ويستمد المقال إطاره من أربعة روافد نظرية متكاملة: أدبيات الميكانيكا التقنية للانقلاب التي تُعنى بمراحل التخطيط والتنفيذ الميداني، وأدبيات العلاقات المدنية-العسكرية التي تفسر تسييس الجيش عند غياب مؤسسات سياسية قوية، وأدبيات التحصين ضد الانقلاب التي تدرس استراتيجيات الأنظمة لتحييد التهديد العسكري الداخلي، والبيانات الإحصائية العالمية التي تصنف السودان ثاني أكثر دول العالم تعرضاً للانقلابات بعد بوليفيا وأول دولة أفريقية من حيث عددها.

يُعرّف الانقلاب إجرائياً بأنه محاولة غير قانونية وعلنية من الجيش أو نخب أخرى داخل الدولة لإسقاط السلطة التنفيذية القائمة، مع معيار زمني دقيق للتمييز بين النجاح والفشل يقوم على بقاء المنقلبين ممسكين بالسلطة الفعلية لمدة سبعة أيام على الأقل وفق أحد المرصدين الأكاديميين، أو شهر كامل وفق المرصد الآخر الأكثر تشدداً، وهو ما يجعل انقلاباً حقق سيطرة ميدانية وإعلامية كاملة لثلاثة أيام فقط يُصنَّف أكاديمياً ضمن المحاولات الفاشلة رغم نجاحه الظاهري. ويُقدَّم تصنيف ثلاثي كلاسيكي يميز الانقلاب عن الثورة الشعبية وعن الانتفاضة العسكرية التقليدية، إلى جانب تصنيف فرعي أدق يميز بين الانقلاب الحارس الذي يقدم نفسه تدخلاً مؤقتاً، وانقلاب الفيتو الذي يستهدف إجهاض تحول سياسي مهدد، والانقلاب الاختراقي الذي يسعى لقطيعة أيديولوجية جذرية مع النظام القائم، وتُستعرض أمثلة سودانية لكل نمط من هذه الأنماط الثلاثة.

وتُفصَّل نظرية البريتوريانية التي تميز بين السيطرة المدنية الذاتية الهشة القائمة على اختراق الجيش حزبياً والسيطرة المدنية الموضوعية الراسخة القائمة على الاحترافية العسكرية وعزل الجيش عن السياسة، موضحة كيف يتحول المجتمع إلى مجتمع بريتوري تتحول فيه الثكنات إلى ساحة صراع حزبي بديلة عن صناديق الاقتراع عند فشل المؤسسات السياسية المدنية، مع تطبيق مفصل لهذا الإطار على تغلغل جميع القوى السياسية السودانية الكبرى داخل الجيش عبر تنظيمات سرية متعاقبة منذ الاستقلال. كما تُشرح نظرية التحصين ضد الانقلاب وآلياتها الخمس المتمثلة في استغلال الولاءات الخاصة، وخلق قوات موازية، وتعدد أجهزة الأمن المتنافسة، وتشجيع الاحترافية الفنية الضيقة، وضمان التمويل السخي للقوات كافة، مع تحليل المؤشر الكمي لقياس درجة الموازنة الداخلية للقوات المسلحة وأثره في تقليل احتمالية الانقلاب مقابل إضعاف الفعالية القتالية للدولة، وتطبيق ذلك على تأسيس قوات الدعم السريع السودانية بوصفها قوة موازنة تحولت لاحقاً إلى مصدر التهديد الوجودي الأكبر للدولة فيما وُصف بمفارقة التحصين ضد الانقلاب.

وتُستعرض البيانات الإحصائية العالمية المفصلة حول أعداد المحاولات الانقلابية ونسب نجاحها وفشلها وتوزيعها الجغرافي والزمني عبر العقود، مع تحليل الموجة الأفريقية الحديثة للانقلابات منذ عام 2020 وتعقيدها المتزايد بتداخل التمردات المسلحة والتدخلات الأجنبية المتعددة، وربط ذلك بالسياق السوداني الراهن الذي تتشابك فيه محاولات الانقلاب التقليدية مع حرب أهلية شاملة وتدخلات إقليمية ودولية متعددة الأطراف.

وينتقل المقال إلى تفكيك المراحل التقنية العامة للانقلاب بدءاً بالشروط البنيوية المسبقة المواتية المتعلقة بضيق دائرة المشاركة السياسية واستقلالية الدولة النسبية عن النفوذ الأجنبي ووجود مركز سياسي واحد قابل للاستيلاء عليه، مروراً بمرحلة التجنيد والتنظيم السري التي تقتضي خلية قيادية صغيرة للغاية من ضباط الوحدات الضاربة الحساسة، مع مثال تفصيلي على انقسام تنظيم الضباط الأحرار السوداني بين مؤيدي التأجيل ومؤيدي التنفيذ الفوري وحسم الأقلية الحاسمة للأمر. ثم تُشرح مرحلة التخطيط العملياتي وتحديد الأهداف الثلاثة الحرجة المتمثلة في الهدف الرمزي المتعلق باعتقال الحاكم، والهدف الاتصالي المتعلق بالسيطرة على الإذاعة والتلفزيون، والهدف العسكري المتعلق بتحييد الوحدات القادرة على الهجوم المضاد، مع تأكيد الدور الحاسم لتوقيت التنفيذ الدقيق ولاختيار “ساعة الصفر” المناسبة.

وتُحلَّل مرحلة التنفيذ الميداني وأهمية السرعة القصوى في فرض أمر واقع قبل تنظم أي رد فعل مضاد، مع أمثلة متقابلة لانقلابات نجحت في المباغتة الخاطفة وأخرى فشلت رغم تفوقها الميداني الأولي بسبب عجزها التقني عن تشغيل معدات البث أو افتقارها لإسناد الأسلحة الرئيسية أو غيابها عن أي غطاء سياسي. ثم تُستعرض مرحلة تثبيت السلطة بعد الاستيلاء عبر ثلاثة إجراءات متلازمة هي إصدار الأوامر الدستورية المؤقتة التي تعلق الدستور وتحل الأحزاب، وتشكيل مجلس قيادة عسكري انتقالي جماعي، وإطلاق خطاب طمأنة يعد بالعودة السريعة للحكم المدني وهو وعد نادراً ما تحقق فعلياً كما تثبت أطول فترات الحكم الانقلابي السودانية المتعاقبة.

ويخصص المقال تحليلاً مفصلاً لكل انقلاب من الانقلابات السودانية الناجحة الأربعة على حدة، مستعرضاً لكل منها الدوافع البنيوية والأهداف الاستراتيجية وآليات التخطيط والتنفيذ والسيطرة على الإعلام ونمط تثبيت السلطة اللاحق: انقلاب 1958 بوصفه إعادة تفكيك أكاديمية لنظرية التسليم والاستلام التقليدية وكشف دوافع عسكرية داخلية مستقلة سبقت أي مبادرة مدنية؛ وانقلاب 1969 بوصفه نموذجاً لصراع الإرادات داخل خلية التخطيط ذاتها وحسم أقلية حاسمة للأمر رغم معارضة الأغلبية؛ وانقلاب 1989 بوصفه نموذجاً لخطة التمويه المزدوجة التي أخفت الدور الحقيقي للمهندس الأيديولوجي عبر إدراجه ضمن قائمة المعتقلين شكلياً؛ وانقلاب 2021 بوصفه نموذجاً فريداً للانقلاب المخطط من داخل بنية السلطة القائمة نفسها لا من خارجها، إذ استثمر منفذه الصلاحيات الدستورية المخولة له أصلاً بدلاً من اختراق مؤسسة قائمة.

ويحلل المقال بعد ذلك الانهيار البنيوي الكامل لمنطق التحصين ذاته من خلال المسار الزمني الذي أفضى من انقلاب أكتوبر 2021 إلى حرب أبريل 2023، موضحاً كيف تحولت القوة الموازنة التي أُسست أصلاً لحماية النظام من الجيش النظامي إلى الفاعل المسلح الأقدر على منازعة الدولة نفسها احتكار العنف الشرعي، فيما يمثل برهاناً تجريبياً دامغاً على مفارقة التحصين ضد الانقلاب. ثم يقدم المقال توليفاً مقارناً شاملاً يربط كل عوامل النجاح والفشل في التجربة السودانية بالأطر النظرية الأربعة المستعرضة معاً: معادلة السيطرة الرمزية والإعلامية، ومعادلة البريتوريانية وتغلغل الأحزاب داخل الجيش، ومعادلة التحصين البنيوي وتحولها من الردع الدموي إلى القوات الموازية، والمعادلة الإحصائية العالمية المقارنة التي تؤكد أن الحالة السودانية ليست استثناءً معزولاً بل الحالة الأكثر تكثيفاً للاتجاهات العالمية العامة.

ويختتم المقال بخلاصة نقدية تؤكد أن الانقلاب العسكري نتاج تفاعل ثلاثة مستويات متداخلة هي المستوى التقني المتعلق بجودة التخطيط الأمني، والمستوى البنيوي المتعلق بدرجة تسييس المؤسسة العسكرية، والمستوى الاستراتيجي المتعلق بآليات التحصين وقدرتها التناقضية على توليد تهديدات أشد خطورة من التهديد الأصلي، مع تقديم ثلاثة أركان متلازمة لكسر حلقة الانقلاب المتكرر في السودان تتمثل في بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة محظور عليها أي نشاط حزبي، وترسيخ سيادة مدنية دستورية وقضائية فعلية على الميزانيات والأسلحة والشركات العسكرية، وصياغة عقد اجتماعي ديمقراطي راسخ يخرج فكرة الانقلاب العسكري نهائياً من دائرة الخيارات السياسية المقبولة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

يجنح الفهم الشعبي السائد إلى تصوير الانقلاب العسكري بوصفه انفجاراً مفاجئاً لغضب مكبوت داخل الثكنات، أو استجابة عفوية آنية لأزمة سياسية طارئة، في حين تُجمع الأدبيات الأكاديمية الرصينة في حقل العلوم السياسية والعلاقات المدنية-العسكرية على أن الانقلاب الناجح هو، في جوهره البنيوي، عملية هندسية دقيقة تُصمَّم وتُخطَّط وتُنفَّذ وفق منطق تقني صارم أقرب إلى عمليات الاستحواذ العسكري الخاصة منه إلى الثورات الشعبية العفوية التي تعتمد على تعبئة جماهيرية واسعة (Luttwak, 1968؛ كامغا، 2025). فالانقلاب، كما عرّفه إدوارد لوتواك في عمله المرجعي الذي أعاد تشكيل حقل الدراسة بأكمله منذ صدوره عام 1968 وترجمته لاحقاً إلى ست عشرة لغة عالمية، لا يعتمد على حشد الملايين أو خوض معارك واسعة النطاق، بل على “التسلل إلى الجزء الصغير الحساس من جهاز الدولة الذي يمكّن من السيطرة على الباقي بأسره” (Luttwak, 1968؛ هارفارد للنشر الجامعي، 2016). وبهذا المعنى الدقيق فإن الانقلاب يختلف اختلافاً جوهرياً عن الثورة الشعبية الكبرى وعن الحرب الأهلية الممتدة وعن التمرد المسلح المفتوح؛ إذ لا يستهدف تغيير بنية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي بأكملها، بل يكتفي – في صورته النقية – بإزاحة النخبة الحاكمة الضيقة والاستحواذ الخاطف على مركز صناعة القرار، دون الحاجة إلى تفكيك مؤسسات الدولة نفسها أو تغيير علاقات الملكية والإنتاج داخلها (Luttwak, 1968؛ Goodreads، 2016).

يستمد هذا المقال إطاره التحليلي الشامل من أربعة روافد نظرية متكاملة ومتقاطعة: الرافد الأول هو أدبيات “ميكانيكا الانقلاب” التقنية البحتة التي أسسها لوتواك وفاينر وفارکاو، والتي تُعنى حصراً بتفكيك مراحل التخطيط والتنفيذ الميداني خطوة بخطوة (Luttwak, 1968؛ كامغا، 2025)؛ والرافد الثاني هو أدبيات “العلاقات المدنية-العسكرية” الكلاسيكية التي أسسها صموئيل هنتنغتون حول مفهومي السيطرة الموضوعية والذاتية على المؤسسة العسكرية، وظاهرة “البريتوريانية” التي تصف تسييس الجيش عند غياب مؤسسات سياسية قوية قادرة على استيعاب المشاركة السياسية المتنامية (Huntington، مذكور في عثمان، 1998؛ الأفندي، 1991)؛ والرافد الثالث هو أدبيات “التحصين ضد الانقلاب” التي طورها كوينليفان وبيلكين وشوفر وباول وبيلستر وبومِلت، والتي تفسر كيف تحاول الأنظمة الحاكمة تحييد قدرة جيوشها على الانقضاض عليها عبر آليات مؤسسية بنيوية متعددة الطبقات (Quinlivan, 1999؛ Belkin & Schofer, 2003؛ Powell, 2012؛ Pilster & Böhmelt، مذكور في سودوث، 2016)؛ والرافد الرابع، وهو الأحدث زمنياً والأكثر ارتباطاً بالموجة الأفريقية الراهنة، هو الأدبيات الإحصائية الكمية العالمية التي وفرها مرصد جوناثان باول وكلايتون ثاين الأكاديمي منذ عام 2011، والذي يُصنّف السودان بوصفه ثاني أكثر دول العالم تعرضاً لمحاولات الانقلاب على الإطلاق بعد بوليفيا وحدها، وأول دولة أفريقية بلا منازع من حيث عدد المحاولات الانقلابية المسجلة أكاديمياً (Powell & Thyne, 2011؛ ISS Africa، 2019؛ مختار، 2026). ويسعى هذا المقال إلى دمج هذه الروافد الأربعة في إطار تفكيكي وتركيبي وتوليفي واحد، يبدأ بتفكيك النظرية العامة للانقلاب عالمياً، ثم يطبقها تطبيقاً مفصلاً ودقيقاً على السجل الانقلابي السوداني الكامل – الناجح منه والفاشل معاً – منذ استقلال البلاد في الأول من يناير 1956 وحتى اندلاع الحرب الشاملة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، مروراً بجميع محطاته الحاسمة التي بلغت وفق أدق الإحصاءات الأكاديمية المتاحة ست عشرة محاولة انقلابية موثقة (ناجحة وفاشلة) حتى عام 2021 وحده (ISS Africa، 2019؛ ويكيبيديا، 2023؛ مختار، 2026).

الفصل الأول: نظرية الانقلاب العسكري عالمياً – التعريف الإجرائي الدقيق والتصنيف النمطي الشامل

يُعرّف باول وثاين، في الدراسة التأسيسية للمرصد الأكاديمي الأشهر عالمياً لرصد الانقلابات والمنشورة في مجلة أبحاث السلام المرموقة عام 2011، محاولة الانقلاب تعريفاً إجرائياً دقيقاً بأنها “محاولة غير قانونية وعلنية من قِبل الجيش أو نخب أخرى داخل جهاز الدولة للإطاحة بالسلطة التنفيذية القائمة” (Powell & Thyne, 2011). ويشترط هذا التعريف الإجرائي الصارم وجود فعل ملموس وقابل للرصد العلني والتوثيق المستقل، سواء تمثل هذا الفعل في تحريك قوات وأسلحة بقصد صريح لإسقاط الحاكم القائم، أو تمثل في إعلان علني – سواء عبر الإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة – يصدر من قِبل المخططين أنفسهم يعلنون فيه أن الحاكم قد أُطيح به فعلياً من موقعه (Powell & Thyne, 2011؛ ويكيبيديا، 2023). واللافت في هذا التعريف الموسّع أنه لا يقصر مرتكبي الانقلاب على العسكريين وحدهم، بل يسمح صراحة بمشاركة نخب مدنية غير عسكرية في التحريض الأولي وقيادة العملية، وذلك تجنباً لتحيز منهجي خطير كان سيقصر الرصد على الانقلابات الناجحة فقط؛ فمثال محاولة رئيس الوزراء السنغالي مامادو ديا الفاشلة عام 1962، والتي فشلت تحديداً بسبب عجزه عن كسب دعم عسكري واسع رغم كونه هو المحرّض المدني الأول، يوضح ضرورة هذا التعريف الفضفاض نسبياً (Powell & Thyne, 2011).

أما معيار التمييز الدقيق بين الانقلاب “الناجح” تماماً و”الفاشل” كلياً فيقوم، وفق هذا المرصد الأكاديمي تحديداً، على بقاء المنقلبين ممسكين بالسلطة الفعلية على أرض الواقع لمدة سبعة أيام كاملة على الأقل دون انقطاع (Jonathan Powell، الموقع الرسمي، بلا تاريخ)، في حين يتبنى مرصد السلم المنهجي الأمريكي الأكثر تشدداً معياراً زمنياً أطول بكثير يقتضي ممارسة السلطة التنفيذية الفعلية لمدة شهر كامل واحد على الأقل حتى يُصنَّف الانقلاب ناجحاً بصورة قاطعة لا لبس فيها (مركز السلم المنهجي، 2015؛ Powell & Thyne, 2011). ووفق هذا المعيار الزمني الدقيق والحاسم، فإن انقلاب هاشم العطا الشهير في يوليو 1971، الذي سيطر فيه المنقلبون سيطرة كاملة على مقاليد الحكم وبثوا بياناتهم عبر كافة وسائل الإعلام الرسمية لمدة ثلاثة أيام فقط لا غير قبل انهياره المدوي والدموي، يُصنَّف أكاديمياً وبصرامة منهجية ضمن خانة المحاولات “الفاشلة” رسمياً، رغم سيطرته الميدانية والإعلامية والرمزية الكاملة خلال تلك الفترة القصيرة نسبياً، وهو ما يكشف عن فجوة دالة أحياناً بين الإدراك الشعبي التاريخي لحدث الانقلاب وبين التصنيف الأكاديمي الصارم القائم على معايير زمنية موضوعية بحتة (New York Times، 1971؛ Powell & Thyne, 2011).

وقد قدّم لوتواك، في السياق النمطي الأشمل، تصنيفاً ثلاثياً كلاسيكياً بالغ التأثير يميز بين الانقلاب العسكري الخالص (Coup d’état)، والثورة الشعبية الجماهيرية الكبرى (Revolution)، والانتفاضة العسكرية التقليدية التي تُعرف بالمصطلح الإسباني الأصل “البيانونسيامينتو” (Pronunciamiento)؛ فبينما تعتمد الثورة الشعبية اعتماداً كاملاً على تعبئة جماهيرية واسعة النطاق تستهدف تغيير بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي بأكملها من جذورها، يظل الانقلاب “محايداً سياسياً” من حيث المبدأ النظري الأصيل، إذ لا يوجد افتراض مسبق حتمي بأن سياسات اجتماعية أو اقتصادية بعينها ستُتبع بالضرورة بعد نجاحه، على عكس الثورة التي تحمل مشروعاً تحولياً واضح المعالم من اللحظة الأولى (Luttwak, 1968؛ كامغا، 2025). أما البروتوكول الأكثر تفصيلاً وتركيباً والذي طرحه الباحثان أموس بيرلماتر وإيريك نوردلينغر لاحقاً، فيميز بدقة أكبر بين ثلاثة أنماط فرعية متمايزة للانقلاب العسكري، وذلك وفق دوافع مخططيه المعلنة والخفية على السواء ووفق طبيعة وعودهم السياسية اللاحقة للجمهور والمجتمع الدولي على حد سواء: النمط الأول هو “الانقلاب الحارس” الذي يقدّم نفسه ويسوّق خطابه بوصفه تدخلاً عسكرياً مؤقتاً محدود الزمن لتصحيح مسار الدولة المنحرف تمهيداً للعودة السريعة إلى الحكم المدني الكامل؛ والنمط الثاني هو “انقلاب الفيتو” الذي يستهدف تحديداً إجهاض تحول سياسي أو اجتماعي جوهري يُعتقد أنه يهدد بصورة مباشرة مصالح المؤسسة العسكرية القائمة أو مصالح الطبقة الحاكمة السابقة ومكتسباتها الاقتصادية والسياسية المتراكمة؛ والنمط الثالث والأخير هو “الانقلاب الاختراقي” الذي يسعى بصراحة أيديولوجية معلنة إلى إحداث قطيعة جذرية وشاملة مع النظام القديم بأكمله وبناء نظام أيديولوجي بديل تماماً على أنقاضه (عثمان، 1998؛ الأفندي، 1991).

وتزخر التجربة السودانية على وجه الخصوص بأمثلة نموذجية بالغة الوضوح على هذه الأنماط الثلاثة مجتمعة دون استثناء واحد؛ فانقلاب الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958 يقترب اقتراباً شديداً من نمط “الانقلاب الحارس” في خطابه المعلن الأول الذي وعد بإعادة الاستقرار الإداري والاقتصادي تمهيداً لعودة سريعة نسبياً إلى الحياة الحزبية الطبيعية، وإن امتد حكمه فعلياً سبع سنوات كاملة متصلة حتى أسقطته ثورة أكتوبر 1964 الشعبية العارمة (سودانايل، 2022؛ ويكيبيديا، 2025)؛ بينما يمثل انقلاب هاشم العطا في 19 يوليو 1971 نموذجاً صريحاً لا لبس فيه لـ”الانقلاب الاختراقي” الساعي علناً وجهاراً لإقامة أول نظام ماركسي-لينيني صريح في تاريخ القارة الأفريقية والعالم العربي معاً (Hashem al-Atta, 1971؛ سرور، 2012)؛ في حين يُقرأ انقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021 عند غالبية المحللين والباحثين السودانيين والدوليين بوصفه نموذجاً نموذجياً لـ”انقلاب الفيتو”، إذ استهدف بصورة مباشرة إجهاض مسار إعادة هيكلة الجيش السوداني ودمج قوات الدعم السريع فيه، وهو المسار الذي كان مقرراً ومجدولاً زمنياً للتنفيذ الفعلي في نوفمبر 2021، أي بعد أقل من شهر واحد فقط من تنفيذ الانقلاب نفسه (International Center for Transitional Justice, 2021؛ مركز المستقبل، 2021).

الفصل الثاني: البريتوريانية الهنتنغتونية – كيف تتحول الثكنات إلى ساحة صراع حزبي بديلة عن صناديق الاقتراع؟

يُقدّم صموئيل هنتنغتون، في إطاره النظري المؤسس والأشد تأثيراً في حقل العلاقات المدنية-العسكرية بأسره منذ عقد الستينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، تمييزاً جوهرياً حاسماً بين نمطين متعارضين من السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية: النمط الأول هو “السيطرة المدنية الذاتية” التي تُخضع الجيش لسلطة مدنية عبر تسييسه واختراقه حزبياً وطائفياً من الداخل، وهي سيطرة هشة وغير مستدامة بطبيعتها لأنها تُبقي أبواب الثكنات مفتوحة أمام الصراعات الحزبية الخارجية؛ والنمط الثاني هو “السيطرة المدنية الموضوعية” الأكثر استقراراً وصلابة، والتي تقوم على تعزيز الاحترافية العسكرية البحتة وعزل الجيش عزلاً تاماً عن أي تسييس حزبي مباشر أو غير مباشر، بوصف هذا العزل المؤسسي الضمانة الحقيقية الوحيدة والمستدامة لمنع الانقلابات العسكرية على المدى الطويل (Huntington، مذكور في عثمان، 1998). وحين تفشل الدولة النامية فشلاً بنيوياً في بناء مؤسسات سياسية مدنية مستقرة وراسخة قادرة على استيعاب مطالب المشاركة السياسية المتنامية باستمرار لدى شرائح المجتمع المختلفة، يتحول الجيش عندئذ، بوصفه المؤسسة الأكثر تنظيماً وانضباطاً هرمياً وتماسكاً داخلياً في المجتمع بأسره، إلى الفاعل السياسي المهيمن الأوحد فيما وصفه هنتنغتون بدقة اصطلاحية بالغة بـ”المجتمع البريتوري”، حيث تتحول الثكنات العسكرية بالفعل إلى ساحة صراع حزبي وأيديولوجي بديلة تماماً عن صناديق الاقتراع الديمقراطي الشرعية (عثمان، 1998؛ الأفندي، 1991).

وتُعد التجربة السودانية بأسرها، بحسب التحليل المفصل الذي قدمه كل من عبد الوهاب الأفندي في دراسته المرجعية عن ثورة الترابي، ومحمد محجوب عثمان في دراسته التأسيسية عن الجيش والسياسة في السودان، حالة كلاسيكية نموذجية بامتياز لهذا النمط البريتوري الهنتنغتوني الموصوف نظرياً؛ إذ تغلغلت جميع القوى السياسية المدنية الكبرى دون استثناء واحد – بدءاً من حزب الأمة الطائفي وحزب الشعب الديمقراطي (الممثل التاريخي لطائفة الختمية)، ومروراً بالحزب الشيوعي السوداني وحركة البعث العربي الاشتراكي، وصولاً في نهاية المطاف إلى الجبهة القومية الإسلامية المنشقة عن جماعة الإخوان المسلمين – داخل الثكنات العسكرية السودانية عبر تنظيمات سرية موازية متعددة ومتنافسة فيما بينها؛ من بينها تحديداً “تنظيم الضباط الأحرار” الذي جمع بين الماركسيين والناصريين القوميين العرب في أواخر الستينيات، و”تنظيم الضباط البعثيين” الذي حاول تكرار التجربة العراقية-السورية على النموذج السوداني في مطلع التسعينيات، و”تنظيم الضباط الإسلاميين” الذي بدأ تغلغله المنهجي والمنظم داخل الكلية الحربية ومراكز التدريب العسكري منذ “المصالحة الوطنية” الشهيرة التي عقدها الرئيس جعفر نميري مع المعارضة الإسلامية والطائفية عام 1977 (عثمان، 1998؛ الأفندي، 1991). وقد استقوت كل واحدة من هذه القوى المدنية المتصارعة بالبندقية العسكرية لحسم صراع سياسي أيديولوجي عجزت آلياته الديمقراطية والدستورية المدنية المتعاقبة – سواء في الديمقراطية الأولى (1956-1958) أو الثانية (1965-1969) أو الثالثة (1986-1989) – عن حسمه بصورة نهائية ومستقرة عبر صناديق الاقتراع وحدها، مما أدى تراكمياً عبر ستة عقود متتالية إلى تحويل المؤسسة العسكرية السودانية بأسرها من أداة احتكارية محايدة لحفظ الأمن القومي والسيادة الوطنية إلى ساحة محاصصة واستقطاب حزبي وأيديولوجي وطائفي وإثني حاد ومستمر (عثمان، 1998؛ الأفندي، 1991).

الفصل الثالث: نظرية التحصين ضد الانقلاب ومفارقتها المركزية – حين يتحول الدرع إلى سيف

يمثل مفهوم “التحصين ضد الانقلاب”، والذي طوّره الباحث الأمريكي جيمس كوينليفان من مؤسسة راند البحثية المرموقة في دراسته المرجعية الصادرة عام 1999 عن دول الشرق الأوسط تحديداً، أحد أهم الإسهامات النظرية الحديثة والأكثر تأثيراً في تفسير استراتيجيات الأنظمة الحاكمة المتعاقبة لتحييد التهديد العسكري الداخلي المستمر لسلطتها (Quinlivan, 1999؛ Belfer Center, 1999). ويحدد كوينليفان في دراسته التأسيسية هذه خمس آليات رئيسية ومترابطة يعتمدها الحكام الساعون للبقاء طويل الأمد في السلطة: الآلية الأولى هي استغلال الولاءات الخاصة، سواء أكانت قبلية أو طائفية أو إثنية أو عائلية ضيقة، في اختيار قادة الوحدات العسكرية والأمنية الأشد حساسية وقرباً من مركز السلطة؛ والآلية الثانية هي خلق قوات عسكرية وأمنية موازية بالكامل للجيش النظامي الرسمي، تُوازن نفوذه وتُراقب تحركاته وتُحد من قدرته الانفرادية على التحرك دون تنسيق مسبق؛ والآلية الثالثة هي تأسيس أجهزة أمن داخلي متعددة ومتنافسة فيما بينها عمداً، بحيث يراقب كل جهاز منها الأجهزة الأخرى ويمنعها من التآمر المشترك؛ والآلية الرابعة هي تشجيع الاحترافية الفنية الضيقة والمحدودة للجيش النظامي بما يُبعده قدر الإمكان عن الانخراط المباشر في الشأن السياسي العام؛ والآلية الخامسة والأخيرة هي ضمان تمويل مالي سخي ومستمر لكل من الجيش النظامي والقوات الموازية معاً في آن واحد، وذلك تفادياً لأي تنافس محتمل بينهما على الموارد المالية والعسكرية الشحيحة أصلاً في اقتصادات الدول النامية (Quinlivan, 1999؛ Belfer Center، 1999).

وقد طوّر الباحثان آرون بيلكين وإيفان شوفر لاحقاً، في دراستيهما المتتاليتين الصادرتين عامي 2003 و2005، مؤشراً كمياً دقيقاً ومبتكراً لقياس درجة “الموازنة الداخلية” الفعلية للقوات المسلحة، وذلك عبر حساب النسبة العددية الدقيقة بين القوات شبه العسكرية والقوات النظامية الرسمية في كل دولة على حدة، مستندين في ذلك إلى بيانات “الميزان العسكري” السنوية التي يصدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن (Belkin & Schofer, 2003؛ Belkin & Schofer, 2005؛ Powell، 2012). وقد أثبتا تجريبياً وبصرامة إحصائية عالية، عبر تحليل بيانات عابرة للدول والزمن مغطية الفترة من 1966 إلى 1986، أن ارتفاع هذه النسبة يقلل بصورة معنوية إحصائياً من احتمالية وقوع الانقلاب العسكري الناجح، وإن كان هذا الارتفاع نفسه يُضعف في الوقت ذاته وبصورة موازية الفعالية القتالية الإجمالية للدولة في مواجهة الأعداء والتهديدات الخارجية، وهي نتيجة أكدها لاحقاً وبمنهجية أكثر تطوراً الباحثان أولريش بيلستر وتوبياس بومِلت في دراستهما الصادرة عام 2011، والتي وسّعت الإطار الزمني للبيانات حتى عام 1999 وحسّنت من دقة المؤشرات المستخدمة عبر التركيز حصراً على القوات القتالية القادرة فعلياً على المشاركة في عمليات الانقلاب أو مواجهته، مستثنية بذلك القوات البحرية والجوية ذات القدرة المحدودة نسبياً على التأثير المباشر في العاصمة (Pilster & Böhmelt، مذكور في سودوث، 2016؛ Powell، 2012).

وتُقدّم التجربة السودانية بعد عام 2013 على وجه التحديد شاهداً معاصراً بالغ الدلالة والأهمية على صحة هذه النظرية وعلى مفارقتها الجوهرية في آن واحد؛ إذ لجأ نظام الرئيس عمر البشير، وقد أنهكه تراكم المحاولات الانقلابية المتكررة الصادرة تحديداً من داخل الجيش النظامي وسلاح المدرعات على وجه الخصوص (كما تجلى في محاولات 1990 و1992 و2012 و2019 و2021 مجتمعة)، إلى تأسيس قوات الدعم السريع رسمياً بقانون صدر عام 2013، بوصفها قوة موازنة صريحة ومباشرة لسلاح المدرعات والجيش النظامي اللذين نفّذا أغلب المحاولات الانقلابية السابقة ضده على مدى عقدين كاملين (International Center for Transitional Justice, 2021؛ Kyzym, 2026). غير أن هذا التحصين البنيوي المدروس بعناية – والذي منح قوات الدعم السريع تدريجياً استقلالية مالية متصاعدة عبر السيطرة المباشرة على مناجم الذهب في دارفور وكردفان، واستقلالية قيادية متنامية تحت إمرة قائدها الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” شخصياً – هو ذاته التحصين الذي تحول لاحقاً، وبصورة مأساوية تماماً كما تنبأت به الأدبيات النظرية المجردة سلفاً، إلى مصدر التهديد الوجودي الأكبر للدولة السودانية بأسرها في حرب 15 أبريل 2023 المستمرة، والتي أودت حتى الآن بعشرات الآلاف من الأرواح وشردت الملايين من السودانيين داخل وخارج حدود بلادهم (International Center for Transitional Justice, 2021؛ Kyzym, 2026). وتُلخص هذه التجربة السودانية بجلاء تام ما وصفه الباحثون لاحقاً بـ”مفارقة التحصين ضد الانقلاب” الجوهرية: أن الدرع الذي يُصمم خصيصاً لحماية الحاكم من سيف جيشه النظامي قد يتحول هو ذاته، إذا تُرك دون رقابة مؤسسية صارمة ومستمرة، إلى سيف أشد فتكاً وخطورة من السيف الأصلي الذي صُمم أساساً لمواجهته والحد من تهديده (Kyzym, 2026؛ Quinlivan, 1999).

الفصل الرابع: الأدلة الإحصائية العالمية المقارنة – السودان في مرآة مرصد باول وثاين

يوفر مرصد باول وثاين الأكاديمي، منذ إطلاقه الأول عام 2011 وتحديثاته المستمرة اللاحقة حتى يومنا هذا، قاعدة البيانات الكمية الأشمل والأكثر موثوقية على الإطلاق عالمياً لدراسة ظاهرة الانقلابات العسكرية مقارنةً وإحصائياً؛ إذ يرصد هذا المرصد 457 محاولة انقلابية موثقة عالمياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 1950 و2010 وحدها، نجح من بينها 227 محاولة كاملة (بنسبة مئوية دقيقة بلغت 49.7% من الإجمالي العالمي)، بينما فشلت 230 محاولة أخرى (بنسبة 50.3% المتبقية)، مع تركز جغرافي لافت للنظر بصورة خاصة في القارتين الأفريقية والأمريكية معاً؛ إذ استحوذت أفريقيا وحدها على نسبة 36.5% من إجمالي المحاولات العالمية كافة، تلتها القارة الأمريكية بنسبة 31.9%، ثم منطقتا آسيا والشرق الأوسط بنسبتي 13.1% و15.8% على التوالي، في حين سجلت القارة الأوروبية أدنى نسبة على الإطلاق بواقع 2.6% فقط لا غير من إجمالي المحاولات العالمية المرصودة كافة (Powell & Thyne, 2011؛ ويكيبيديا، 2023). وتُظهر البيانات الزمنية التفصيلية لهذا المرصد الأكاديمي بوضوح تام أن ذروة موجات الانقلابات العالمية الثلاث الكبرى تركزت تاريخياً في ثلاث فترات محددة بدقة: الموجة الأولى في منتصف عقد الستينيات من القرن العشرين، تلتها موجة ثانية أقل حدة في منتصف عقد السبعينيات، ثم موجة ثالثة وأخيرة في مطلع عقد التسعينيات عقب انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة (Powell & Thyne, 2011)؛ وهي بالمصادفة اللافتة للنظر الفترات الزمنية الثلاث ذاتها بالضبط التي شهد فيها السودان أعلى كثافة تاريخية لمحاولاته الانقلابية على الإطلاق (1958-1959، ثم 1969-1976، ثم 1989-1992 على التوالي)، مما يشير بقوة إلى أن السودان لم يكن استثناءً معزولاً عن الاتجاهات العالمية العامة، بل حالة مُكثَّفة ومركّزة بشدة منها.

وقد رجّح المرصد الأمني الأفريقي المتخصص (ISS Africa) في تقريره التحليلي الصادر عام 2019 كفة السودان بوصفه الدولة الأفريقية الأولى دون منازع من حيث عدد المحاولات الانقلابية الموثقة أكاديمياً، والدولة الثانية عالمياً بعد بوليفيا وحدها التي سجلت رقماً قياسياً عالمياً بلغ 23 محاولة انقلابية موثقة منذ منتصف القرن العشرين (ISS Africa، 2019؛ مختار، 2026). وأعاد الباحث جيرار كامغا مؤخراً في دراسته التحليلية الصادرة عام 2025 توظيف الإطار اللوتواكي الكلاسيكي لتفسير “موجة الانقلابات الأفريقية الجديدة” اللافتة التي شهدتها منطقة الساحل وغرب أفريقيا بأسرها منذ عام 2020 وحتى اليوم، والتي شملت على التوالي انقلاب مالي (أغسطس 2020 ثم مايو 2021)، وانقلاب غينيا كوناكري (سبتمبر 2021)، وانقلاب بوركينا فاسو المزدوج (يناير ثم سبتمبر 2022)، وانقلاب النيجر (يوليو 2023)، وانقلاب الغابون (أغسطس 2023)؛ مشيراً بدقة تحليلية إلى أن التصنيف الثلاثي التقليدي اللوتواكي (انقلاب/ثورة/بيانونسيامينتو) بات في تقديره قاصراً بصورة متزايدة عن استيعاب التعقيد المعاصر بالغ التركيب للأزمات الأفريقية الراهنة، والتي تتداخل فيها محاولات الانقلاب العسكري التقليدية مع التمردات الجهادية المسلحة المنتشرة إقليمياً والتدخلات الأجنبية المتعددة الأطراف المتنافسة (فرنسا وروسيا وشركة فاغنر الأمنية الخاصة تحديداً) في آن واحد ومتزامن (Kamga, 2025)، وهو تحليل ينطبق بدرجة كبيرة جداً على السياق السوداني الراهن أيضاً حيث تتشابك اليوم محاولات الانقلاب التقليدية التاريخية مع حرب أهلية شاملة مفتوحة وتدخلات إقليمية ودولية متعددة الأطراف (الإمارات ومصر والسعودية وروسيا) في آن واحد ومتزامن تماماً كما هو الحال في الساحل الأفريقي المجاور (Kamga, 2025؛ International Center for Transitional Justice, 2021).

الفصل الخامس: ما قبل التخطيط وتجنيد الخلية السرية – القراءة الاستراتيجية للشروط البنيوية المواتية

يحدد لوتواك في تحليله التقني المفصل ثلاثة شروط بنيوية مسبقة يراها ضرورية تماماً ولازمة لنجاح أي محاولة انقلابية محتملة: الشرط الأول هو اقتصار المشاركة السياسية الفعلية والمؤثرة على أقلية ضيقة نسبياً من النخبة الحاكمة والمتنفذة، بحيث يكفي إزاحة هذه الأقلية المحدودة العدد فقط لإحكام السيطرة الكاملة على مقاليد الدولة بأسرها؛ والشرط الثاني هو استقلالية الدولة المعنية نسبياً عن أي نفوذ أجنبي مباشر ومهيمن في شؤونها الداخلية الحساسة؛ والشرط الثالث والأخير هو وجود مركز سياسي واحد محدد الهوية جغرافياً وإدارياً يمكن الاستيلاء عليه دفعة واحدة ومباشرة، دون الحاجة الفعلية إلى إخضاع أقاليم متعددة الهويات الإثنية والثقافية بصورة منفصلة ومتزامنة (Luttwak, 1968؛ كامغا، 2025). وقد وُجّه نقد أكاديمي لاحق ومفصل لهذه الشروط الثلاثة تحديداً، إذ أثبتت تجارب دول متعددة، من بينها العراق وبوليفيا والنيجر على وجه التحديد، أن الانقلابات يمكن أن تنجح فعلياً وتحقق أهدافها المعلنة حتى في ظل تدخل أجنبي مباشر وكثيف نسبياً، أو حتى في ظل دول متعددة الأقطاب السياسية والإثنية المتنافسة (Kamga, 2025)، وهو ما تؤكده التجربة السودانية بجلاء منقطع النظير؛ إذ وقعت أغلب انقلاباتها الناجحة والفاشلة على السواء في ظل تدخلات إقليمية فاعلة ومباشرة نسبياً (مصر الناصرية وليبيا القذافي والسعودية الوهابية والإمارات المعاصرة في حقب تاريخية مختلفة ومتعاقبة)، دون أن يمنع ذلك التدخل الخارجي المستمر نجاح بعض هذه المحاولات الانقلابية بصورة كاملة وحاسمة (Woodward, 1990؛ U.S. Department of State, 1976).

أما مرحلة التجنيد والتنظيم السري التالية، فتعتمد وفق الأدبيات التقنية المتخصصة للانقلاب على تشكيل خلية قيادية صغيرة للغاية ومحكمة السرية، عادة ما بين خمسة وعشرين ضابطاً كحد أقصى مطلق لا يُتجاوز، تضم حصراً ضباطاً يشغلون مواقع قيادية فعلية في الوحدات العسكرية “الضاربة” الأشد حساسية – وعلى رأسها سلاح المدرعات وسلاح المظلات وقوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة النخبوية – وذلك نظراً لقربها الجغرافي المباشر من العاصمة السياسية وقدرتها الفائقة على الحركة السريعة والمباغتة (Luttwak, 1968). وتوضح شهادة الضابط زين العابدين محمد أحمد عبد القادر، أحد أعضاء “تنظيم الضباط الأحرار” السري الذي دبّر ونفّذ انقلاب مايو 1969 التاريخي، والتي نشرتها صحيفة “آخر لحظة” في 26 مايو 2012، آلية هذا التجنيد الدقيقة والمحكمة بتفصيل نادر؛ حين تجمع أربعة وعشرون ضابطاً بالضبط في اجتماع سري محكم عُقد في الأسبوع الثالث من شهر أبريل 1969 بمنزل الرائد عبد المنعم الهاموش الكائن في حي السجانة بأم درمان، لتحديد “ساعة الصفر” الدقيقة للتنفيذ (الراكوبة، 2021)، قبل أن تنقسم المجموعة انقساماً حاداً بين تيار متحفظ حذر يدعو صراحة للتأجيل بضعة أشهر بحجة عدم نضج الشروط الثورية الموضوعية بعد (وقد بلغ عدد أصوات هذا التيار ثمانية عشر ضابطاً من أصل أربعة وعشرين)، وتيار متحمس وحاسم يدعو للتنفيذ الفوري غير المؤجل بقيادة العقيد جعفر نميري شخصياً (وقد اقتصر هذا التيار على ستة ضباط لا غير)، فحسم الأخير الأمر بصورة نهائية حين مضى في تنفيذ الانقلاب مباشرة دون انتظار موافقة الأغلبية العددية الحاضرة، مع تقديم استقالاتهم الفردية من التنظيم الأم كإجراء احترازي قانوني وأمني يحمي بقية الأعضاء المتحفظين من أي تبعات قانونية أو انتقامية محتملة في حال فشل العملية (الراكوبة، 2021؛ الراكوبة، 2026). ويكشف هذا المثال التاريخي المحدد بوضوح تام إحدى القواعد الذهبية المركزية في نظرية لوتواك التقنية بأكملها: أن حجم الخلية التنفيذية الفعلية يجب أن يبقى في حده الأدنى المطلق الممكن حفاظاً على السرية التامة، إذ إن كل عضو إضافي واحد يُضاف إلى الخلية يرفع احتمالية التسرب الاستخباراتي المدمر بصورة أسية متسارعة لا خطية بطيئة كما قد يُظن للوهلة الأولى.

الفصل السادس: التخطيط العملياتي وهندسة “ساعة الصفر” – الأهداف الثلاثة الحرجة والتوقيت الأمثل

يميز الأدب التقني المتخصص للانقلاب تمييزاً دقيقاً بين ثلاثة أنواع من الأهداف الواجب تأمينها والسيطرة عليها بالتزامن التام المطلق في الساعات الأولى الحرجة من العملية بأسرها: الهدف الأول هو “الهدف الرمزي” المتمثل في اعتقال أو تحييد رأس السلطة التنفيذية القائمة شخصياً؛ والهدف الثاني هو “الهدف الاتصالي” المتمثل في السيطرة التامة والكاملة على مباني الإذاعة والتلفزيون الرسمية ومراكز الاتصالات الاستراتيجية كافة؛ والهدف الثالث والأخير هو “الهدف العسكري البحت” المتمثل في تحييد الوحدات العسكرية القادرة فعلياً على شن هجوم مضاد فوري، وعلى رأسها بلا منازع سلاح المدرعات وقوات الحرس الجمهوري النخبوية (Luttwak, 1968). وتُظهر دراسة مقارنة تفصيلية ومنهجية لمحاولات الانقلاب السودانية الاثنتي عشرة الفاشلة والأربع الناجحة معاً على مدى أكثر من ستة عقود متصلة منذ الاستقلال، أن السيطرة على مبنى الإذاعة القومية الرسمية في مدينة أم درمان تحديداً شكّلت العامل الحاسم الأوحد الفاصل الذي ميّز فعلياً وحصرياً بين نجاح المحاولات الانقلابية وفشلها الذريع؛ فالمحاولة الانقلابية الوحيدة على مدى التاريخ السوداني بأسره التي أحكمت سيطرتها التشغيلية الكاملة على الأثير الإذاعي لمدة ثلاثة أيام كاملة متتالية – وهي انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971 تحديداً – هي ذاتها الانقلاب الوحيد الذي فرض واقعاً سياسياً بديلاً كاملاً ولو مؤقتاً وقصير الأمد نسبياً، في حين أن فشل بقية المحاولات الانقلابية كافة (كما في محاولتي 1976 و2021 تحديداً على سبيل المثال لا الحصر) في تأمين البث الإذاعي المستمر والمستقر، رغم نجاح بعضها الميداني الفعلي في الوصول المادي إلى مبنى الإذاعة نفسه، حوّلها جميعاً إلى مجرد أحداث أمنية محاصرة يسهل نسبياً على النظام القائم امتصاصها العملياتي ووسمها الإعلامي الفوري بالتخريب والعمالة الخارجية (مختار، 2026).

ويؤكد اختيار التوقيت الدقيق للتنفيذ أهمية استراتيجية مماثلة تماماً في الحسم النهائي لمصير أي محاولة انقلابية؛ فقد استغل الرائد هاشم العطا شخصياً ساعة القيلولة الصيفية الحارة في نهار يوم الاثنين الموافق 19 يوليو 1971 لتحقيق المباغتة القصوى الممكنة (سرور، 2012)، تماماً كما استغل الفريق أول عبد الفتاح البرهان لاحقاً وقتاً محسوباً بدقة متناهية صبيحة يوم الاثنين الموافق 25 أكتوبر 2021 لاعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ومعظم أعضاء حكومته المدنية دفعة واحدة، بالتزامن التام والمتوازي مع قطع شامل ومباغت للإنترنت والاتصالات الهاتفية عبر البلاد بأسرها، وذلك خصيصاً لمنع أي تنسيق مضاد فوري وفعال بين قوى الثورة المدنية وتجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة الشعبية المنتشرة في الأحياء (ويكيبيديا، 2021). وبالمثل تماماً، اعتمد العقيد نميري وتنظيمه شخصياً على توقيت صبيحة يوم السبت الموافق 24 مايو 1969 لتسجيل بيانه الانقلابي الأول في منزل مدني هادئ قريب من العاصمة تابع لأحد أقرباء بابكر عوض الله (الذي عمل لاحقاً رئيساً للوزراء)، قبل بثه الفعلي صبيحة اليوم التالي مباشرة (الراكوبة، 2016).

الفصل السابع: التنفيذ الميداني بين المباغتة الخاطفة والانهيار المدوي – دروس النجاح والفشل مجتمعة

يشدد كل من لوتواك وفارکاو في تحليلهما التقني المشترك على أن العنصر الحاسم الأهم في مرحلة التنفيذ الفعلي ليس القوة العسكرية المطلقة أو التفوق العددي الساحق بالضرورة، بل السرعة القصوى المطلقة في التحرك والحسم؛ ذلك أن الانقلاب الناجح فعلياً يجب أن يُنجز “أمراً واقعاً” ملموساً ومكتملاً قبل أن تتاح لأي طرف مضاد محتمل، سواء كان محلياً أو إقليمياً أو دولياً، فرصة زمنية كافية للتنظيم المضاد أو الاستنجاد الفوري بحلفاء خارجيين داعمين (Luttwak, 1968؛ كامغا، 2025). وتُبرهن التجربة السودانية بجلاء منقطع النظير على هذا المبدأ التقني الحاسم من طرفيه المتناقضين معاً؛ فبينما نجح انقلاب هاشم العطا نجاحاً باهراً في محاصرة القصر الجمهوري والقيادة العامة للقوات المسلحة خلال ساعات معدودة فقط من نهار الحر الصيفي (سرور، 2012)، فشلت في المقابل محاولة العميد المتقاعد محمد نور سعد الانقلابية الكبرى في يوليو 1976 فشلاً ذريعاً في تحويل تفوقها الميداني الأولي الساحق نسبياً (والذي شمل السيطرة الفعلية على مطار الخرطوم الدولي والقصر الجمهوري لمدة ثلاثة أيام كاملة متصلة) إلى نصر سياسي نهائي وحاسم، إذ افتقرت القوة المهاجمة البالغ عددها ما بين 1500 و2000 مقاتل تقريباً إلى فنيين متخصصين مؤهلين لتشغيل معدات البث الإذاعي والتلفزيوني الحساسة داخل مبنى الإذاعة بعد أن هرّب الموظفون التقنيون الموالون للنظام القائم المكونات التشغيلية الحساسة كافة قبل وصول المهاجمين مباشرة (وزارة الخارجية الأمريكية، 1976؛ إبراهيم، 2024). أما محاولة سلاح المدرعات الفاشلة بقيادة اللواء الركن عبد الباقي الحسن بكراوي في 21 سبتمبر 2021 فتكشف الوجه المقابل تماماً لهذه المعادلة التقنية الدقيقة؛ إذ تحركت الدبابات الثقيلة من معسكر الشجرة جنوب الخرطوم دون أي إسناد فعلي من قوات المشاة أو المظلات المكملة، ودون أي غطاء سياسي أو حزبي داعم على الإطلاق، فأُطلق عليها لاحقاً في الأدبيات السياسية والصحفية السودانية وصف “العملية شبه الانتحارية” الدال بذاته، وانتهت في نهاية المطاف بتفاوض ميداني مباشر بين قائد التحرك واستشاري رئاسة الأركان أفضى إلى استسلام سريع نسبياً للانقلابيين دون معارك واسعة النطاق أو إراقة دماء كثيفة (مركز المستقبل، 2021؛ الجزيرة نت، 2021).

الفصل الثامن: تثبيت السلطة بعد الاستيلاء – من الأوامر الدستورية المؤقتة إلى المجالس العسكرية الانتقالية

لا يكتمل الانقلاب فعلياً بأي حال من الأحوال، وفق التصنيف الزمني الدقيق الذي وضعه باول وثاين أكاديمياً، إلا بقدرة المنقلبين الفعلية والمؤكدة على الاحتفاظ بالسلطة الفعلية لمدة أسبوع كامل واحد على الأقل دون انقطاع (Powell & Thyne, 2011)، وهو ما يستلزم بالضرورة مرحلة تثبيت مؤسسي سريعة ومحكمة تشمل عادة ثلاثة إجراءات متلازمة رئيسية: الإجراء الأول هو إصدار أوامر دستورية مؤقتة فورية تُعلّق العمل بالدستور القائم بأكمله وتحل البرلمان المنتخب والأحزاب السياسية كافة دون استثناء، تماماً كما فعل الفريق إبراهيم عبود شخصياً عبر الأمرين الدستوريين الأول والثالث الصادرين في نوفمبر 1958 مباشرة، واللذين خوّل بموجبهما رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة جميع السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والعسكرية دفعة واحدة، مع تعطيل صريح للدستور المؤقت لعام 1956 وحل جميع الأحزاب القائمة وحظر تأسيس أي حزب سياسي جديد مطلقاً (سودانايل، 2022)؛ والإجراء الثاني هو تشكيل مجلس قيادة عسكري انتقالي جماعي يمثل واجهة سياسية جماعية شكلية للسلطة الجديدة القائمة، تماماً كما فعل العقيد جعفر نميري شخصياً عبر تشكيله لـ”مجلس قيادة الثورة الوطنية” في مايو 1969 مباشرة والذي ضم عشرة أعضاء في تشكيلته الأولى قبل أن يُختزل إلى سبعة أعضاء فقط بعد نوفمبر 1970 (ويكيبيديا، بلا تاريخ)، أو كما فعل العميد عمر البشير لاحقاً عبر تشكيله لـ”مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني” في يونيو 1989 مباشرة والذي تولى رئاسته شخصياً إلى جانب رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع معاً في آن واحد حتى عام 1993 (العربي الجديد، 2019)؛ والإجراء الثالث والأخير هو إطلاق خطاب طمأنة سياسي موجه بعناية فائقة للمجتمع الدولي وللداخل السوداني معاً، يعد صراحة باستعادة النظام الديمقراطي المدني الكامل في أقرب فرصة زمنية ممكنة، وهو الوعد الذي نادراً ما تحقق فعلياً في الجدول الزمني المعلن رسمياً كما تثبت التجربة السودانية بجلاء منقطع النظير على مدى التاريخ بأسره؛ فحكم عبود امتد فعلياً سبع سنوات كاملة متصلة قبل أن تُسقطه ثورة أكتوبر 1964 الشعبية العارمة، وحكم نميري امتد فعلياً ستة عشر عاماً كاملاً متصلاً حتى انتفاضة أبريل 1985 الشعبية، وحكم البشير امتد فعلياً ثلاثين عاماً كاملاً متصلاً حتى ثورة ديسمبر 2018 الشعبية التي أسقطته نهائياً في أبريل 2019 (الجزيرة نت، 2025)، بما يجعل السودان يحمل الرقم القياسي الإقليمي في طول مدة الحكم الانقلابي المتواصل في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

الفصل التاسع: الانقلابات السودانية الناجحة الأربعة – تطبيق مفصل ودقيق للإطار النظري العام

9.1 انقلاب 17 نوفمبر 1958: نموذج “التسليم والاستلام” المُعاد تفكيكه أكاديمياً

يمثل انقلاب الفريق إبراهيم عبود أول انقلاب عسكري ناجح بصورة كاملة وحاسمة في تاريخ السودان المستقل بأسره، وقد شاع طويلاً في الأدبيات الشعبية والصحفية تفسيره بوصفه عملية “تسليم وتسلم” سلمية بحتة بين رئيس الوزراء المدني عبد الله خليل، رئيس حزب الأمة آنذاك، والجيش السوداني النظامي، بدافع معلن هو حماية السودان من تنامي النفوذ المصري المتصاعد آنذاك ومن حالة الفوضى الحزبية المتفاقمة داخل الائتلاف الحاكم الهش بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي (المحقق، 2024؛ الراكوبة، 2024). غير أن مراجعات أكاديمية حديثة ومعمقة، أبرزها ما قدمه المؤرخ السوداني المرموق عبد الله علي إبراهيم في كتابه الصادر عام 2018، تفكك هذه “الذائعة” الشائعة تفكيكاً منهجياً دقيقاً وتُبرز بدلاً منها دوافع عسكرية بحتة ومستقلة نشأت داخل قيادة الجيش نفسها بمعزل عن أي مبادرة مدنية مسبقة؛ إذ كشفت شهادات تاريخية لاحقة أدلى بها كبار الضباط المشاركين شخصياً في التخطيط، من أمثال اللواء أحمد عبد الوهاب واللواء حسين علي كرار، أن الدافع الأول الفعلي للتحرك العسكري كان تحديداً “إحباط محاولة انقلابية” كان يُعدّها صغار الضباط الشبان أنفسهم بصورة مستقلة تماماً، وأن كبار القادة العسكريين تسابقوا زمنياً لتنفيذ حركتهم الخاصة المحسوبة بعناية خشية أن يسبقهم صغار الضباط بانقلاب أكثر راديكالية وربما أكثر ميلاً للنفوذ المصري المتصاعد آنذاك، وهو ما صرح به اللواء محمد أحمد التيجاني شخصياً بقوله إن زيارات المسؤولين المصريين للسودان قد تواترت بصورة مثيرة للقلق قبيل الانقلاب مباشرة (الأحداث نيوز، 2024). وقد اعتمد التخطيط الفعلي على اتصال مباشر وسريع نسبياً بين رئيس الوزراء المدني وقيادة الجيش النظامي، مع صياغة فورية ومحكمة للأوامر الدستورية أعدها البيروقراطي المدني الكبير أحمد خير بمفرده تقريباً – كما صرّح هو نفسه لاحقاً في شهادته الرسمية – لتعليق الدستور المؤقت وحل الأحزاب السياسية كافة، وهو ما يعكس نمطاً هجيناً نادراً نسبياً من “الانقلاب من الأعلى” الذي تشارك فيه القيادة المدنية ذاتها بصورة فعلية ومباشرة في تسهيل انتقال السلطة إلى الجيش النظامي (سودانايل، 2022؛ صحيفة الأحداث، 2024).

9.2 انقلاب 25 مايو 1969: التخطيط الهرمي الضيق ومعضلة الحسم داخل تنظيم الضباط الأحرار

يقدّم انقلاب العقيد جعفر نميري التاريخي نموذجاً كلاسيكياً بالغ الأهمية لصراع الإرادات الداخلي المحتدم داخل خلية التخطيط السرية ذاتها؛ فقد نشأ “تنظيم الضباط الأحرار” السوداني منذ عام 1966 تقريباً بتحالف غير مستقر بنيوياً بين تيار ماركسي مقرّب فكرياً من الحزب الشيوعي السوداني وتيار قومي عربي ناصري التوجه الأيديولوجي، تقاطعت مصالحهما السياسية والتنظيمية في معارضة مشتركة للأحزاب التقليدية الحاكمة آنذاك دون توفر اتفاق أيديولوجي راسخ أو مستقر بينهما على الإطلاق (سودانايل، 2025). وحين انقسم هذا التنظيم انقساماً حاداً حول توقيت التنفيذ الدقيق في اجتماعه الحاسم بمنزل الرائد عبد المنعم الهاموش في أبريل 1969، مضت “مجموعة الستة” الحاسمة بقيادة نميري شخصياً في التنفيذ الفوري غير المؤجل رغم معارضة الأغلبية العددية الحاضرة (ثمانية عشر ضابطاً بالضبط) بحجة عدم نضج الشروط الثورية الموضوعية بعد، مقدمين استقالاتهم الفردية من التنظيم الأم كإجراء احترازي قانوني وأمني يحمي بقية الأعضاء المتحفظين قانونياً في حال الفشل الذريع (الراكوبة، 2021). واعتمد التخطيط الإعلامي بدقة متناهية على تسجيل مسبق للبيان الانقلابي الأول في منزل مدني هادئ قريب من العاصمة تابع لأحد أقرباء بابكر عوض الله قبل صباح التنفيذ الفعلي مباشرة (الراكوبة، 2016)، فيما ظل الدور المصري الناصري المحتمل في الإشراف المباشر على العملية بأسرها موضع جدل تاريخي حاد لم يُحسم قط بصورة نهائية، إذ التزم جميع أعضاء التنظيم الستة الأصليين دون استثناء واحد بالصمت التام والمطبق حول هذه المسألة الحساسة حتى وفاتهم جميعاً (الراكوبة، 2026). وقد نجح الانقلاب في نهاية المطاف في الوصول السريع والحاسم لمبنى الإذاعة القومية وبث بيانه الأول صبيحة 25 مايو مباشرة، مستفيداً استفادة كاملة من غياب أي تنسيق استخباراتي مضاد فعّال داخل حكومة محمد أحمد محجوب المدنية المنهكة أصلاً بالانقسامات الحزبية الداخلية المتفاقمة (الجزيرة نت، 2024).

9.3 انقلاب 30 يونيو 1989: نموذج التمويه المزدوج والتنظيم السري الحركي المتراكم

يُعدّ انقلاب الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الشيخ حسن الترابي الفكرية، الذي نفّذه ميدانياً وعسكرياً العميد عمر البشير، النموذج الأكثر تعقيداً وتركيباً من الناحية التنظيمية بين الانقلابات السودانية الناجحة الأربعة كافة؛ إذ اعتمد اعتماداً كلياً على مزاوجة نادرة نسبياً بين التنظيم الحركي المدني السري (الجبهة الإسلامية القومية التي كانت قد اخترقت الجيش السوداني اختراقاً منهجياً عميقاً عبر عقد كامل تقريباً من التجنيد المنظم للضباط المتدينين منذ “المصالحة الوطنية” التاريخية عام 1977 مباشرة) والتنفيذ العسكري المباشر والحاسم على أرض الواقع (الأفندي، 1991؛ سودانايل، 2025). واللافت للانتباه بصورة خاصة في هذا الانقلاب تحديداً هو “خطة التمويه المزدوجة” المحكمة التي اعتمدها المخططون بذكاء تكتيكي لافت؛ فقد شملت حملة الاعتقالات الأولى صبيحة 30 يونيو 1989 مباشرة حسن الترابي نفسه ضمن قائمة “المعتقلين” الرسمية، في خطوة استهدفت تحديداً إخفاء دوره الحقيقي بوصفه المهندس الأيديولوجي الفعلي للحركة بأسرها، وإيهام النظام المصري المجاور – الذي تبنى الانقلاب مبدئياً في أيامه الأولى معتبراً منفذيه العسكريين مجرد ضباط على تواصل معه فقط – بأن الأمر مجرد انقلاب عسكري تقليدي محدود لا صلة تنظيمية له بالإسلاميين على الإطلاق، قبل أن تتكشف الحقيقة الكاملة تدريجياً بعد أشهر معدودة فقط من وقوع الانقلاب (سودانايل، 2025؛ ويكيبيديا، 2007). وقد اعتمد التنفيذ الميداني الفعلي على شبكة ضيقة نسبياً من نحو مئة ضابط فقط لا غير، تمكنت رغم صغر حجمها العددي من تحييد قوات الأمن المركزي التابعة لحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً دون مواجهات دموية واسعة النطاق نسبياً، معلناً حظراً فورياً وشاملاً للأحزاب السياسية كافة وتعطيلاً كاملاً للصحف المستقلة وفرضاً صارماً لحالة الطوارئ العامة على مستوى البلاد بأسرها (ويكيبيديا، 2025؛ سويس إنفو، 2024).

9.4 انقلاب 25 أكتوبر 2021: التخطيط داخل بنية السلطة القائمة نفسها لا من خارجها

يمثل انقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان نموذجاً فريداً ونادراً نسبياً للانقلاب الذي يخطط له وينفذه شريك رسمي قائم بالفعل داخل هيكل السلطة الانتقالية المشتركة، لا قوة خارجية معارضة تسعى لاقتحامها من خارج أسوارها؛ إذ كان البرهان شخصياً يشغل منصب رئيس مجلس السيادة الانتقالي المشترك مع الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك منذ توقيع الوثيقة الدستورية التاريخية عقب نجاح ثورة ديسمبر 2018 الشعبية مباشرة (ويكيبيديا، 2021). واعتمد التخطيط الاستراتيجي الدقيق على استثمار محسوب لأسابيع كاملة من التصعيد السياسي التدريجي ضد الحكومة المدنية القائمة، تضمنت دعماً ضمنياً غير معلن لاعتصامات قبلية شرقية واسعة النطاق أغلقت الموانئ البحرية الاقتصادية الحيوية للبلاد بأسرها لأسابيع متصلة، قبل أن تُنفَّذ حملة اعتقالات فجرية واسعة النطاق ومباغتة تماماً شملت رئيس الوزراء حمدوك شخصياً ومعظم أعضاء حكومته وقادة قوى الحرية والتغيير المدنية، بالتزامن التام والمطلق مع قطع شامل وكامل للإنترنت والاتصالات الهاتفية عبر البلاد بأسرها لشل قدرة لجان المقاومة الشعبية على التنظيم الفوري المضاد (ويكيبيديا، 2021؛ عرب بوست، 2021). وقد سبق هذا الانقلاب الناجح بأقل من شهر واحد فقط محاولة انقلابية فاشلة بارزة نفذها سلاح المدرعات بقيادة اللواء بكراوي في 21 سبتمبر 2021 تحديداً، وهي المحاولة التي استغلها البرهان شخصياً لاحقاً لتوجيه اتهامات حادة اللهجة للقوى السياسية المدنية بأنها كانت السبب المباشر وراءها، قائلاً حرفياً في تصريح رسمي إن “القوى السياسية انشغلت بالصراع على السلطة والمناصب” وإن “شعارات الثورة، من الحرية والعدالة، ضاعت وسط خلافات القوى السياسية” الداخلية المتفاقمة (المسار للدراسات، 2022). ويكشف هذا النمط بالتحديد من “الانقلاب من الداخل” محدودية النموذج اللوتواكي التقليدي القائم أساساً على افتراض مسبق بوجود “منقلِب” خارجي يقع خارج دائرة السلطة القائمة و”مُنقلَب عليه” يقع داخلها؛ إذ لم يحتج البرهان فعلياً إلى اختراق أي مؤسسة قائمة من الأساس، بل استثمر ببساطة تامة الصلاحيات الدستورية المخوّلة له فعلياً ورسمياً بوصفه القائد الأعلى الفعلي للقوات المسلحة ورئيس المجلس السيادي الانتقالي في اللحظة ذاتها التي قرر فيها إنهاء الشراكة السياسية القائمة من جانب واحد (International Center for Transitional Justice, 2021).

الفصل العاشر: من انقلاب أكتوبر إلى حرب أبريل – الانهيار البنيوي الكامل لمنطق التحصين ذاته

تكشف السلسلة الزمنية الكاملة للأحداث اللاحقة مباشرة على انقلاب أكتوبر 2021 الناجح محدودية النموذج النظري الكلاسيكي للانقلاب حين يُطبَّق تطبيقاً حرفياً في بيئة سياسية وأمنية تعدد فيها مراكز القوة العسكرية المسلحة استقلالاً كاملاً عن الجيش النظامي الرسمي؛ فبعد أقل من ثمانية عشر شهراً واحداً فقط من نجاح الفريق أول البرهان في إحكام قبضته الكاملة على مقاليد السلطة بمشاركة فعلية ومباشرة من نائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية، انهارت هذه الشراكة الانقلابية ذاتها انهياراً تاماً وكاملاً في مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة اندلعت فجر يوم السبت الموافق 15 أبريل 2023 تحديداً حول القضية المركزية ذاتها بالضبط التي كانت قد فجّرت أصلاً محاولة بكراوي الفاشلة قبل شهر واحد فقط من الانقلاب الناجح نفسه: مسألة دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي الرسمي وموعد هذا الدمج الزمني الدقيق وآلياته التنفيذية المحددة (International Center for Transitional Justice, 2021؛ Kyzym, 2026). وتُقدّم هذه السلسلة الزمنية المتصلة برهاناً تجريبياً دامغاً ومباشراً على صحة أطروحة كوينليفان وبيلكين وشوفر النظرية حول “مفارقة التحصين ضد الانقلاب” المركزية؛ فالقوة الموازنة ذاتها بالضبط (قوات الدعم السريع)، التي أُسست رسمياً وقانونياً أصلاً عام 2013 خصيصاً لحماية النظام القائم من انقلابات الجيش النظامي التقليدي المتكررة (كما تجلى بوضوح في محاولتي 1990 و2021 تحديداً)، تحولت في نهاية المطاف، بفعل تراكم نفوذها الاقتصادي المستقل والعسكري المتصاعد عبر سنوات متصلة من التوسع غير المراقب مؤسسياً، إلى الفاعل المسلح الأقدر فعلياً على تحدي الدولة السودانية ذاتها بأسرها ومنازعتها احتكار العنف الشرعي المشروع على النطاق الوطني الكامل (Quinlivan, 1999؛ Belkin & Schofer, 2003؛ Kyzym, 2026)، وهي الحرب التي لا تزال مستمرة دون حل سياسي حاسم حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وقد أسفرت عن تهجير ما يزيد على اثني عشر مليون سوداني داخل وخارج حدود بلادهم وفق أحدث تقديرات الأمم المتحدة المتاحة (International Center for Transitional Justice, 2021).

الفصل الحادي عشر: التوليف المقارن الشامل – لماذا يبقى السودان “المختبر المركزي” للانقلابات العسكرية عالمياً؟

تُظهر المقارنة المنهجية الدقيقة بين الانقلابات السودانية الناجحة الأربعة والمحاولات الفاشلة الاثنتي عشرة على مدى سبعة عقود متصلة كاملة أن عوامل النجاح والفشل الحاسمة تتقاطع تقاطعاً تاماً ومباشراً مع المتغيرات النظرية العامة الأربعة المستعرضة تفصيلياً في الفصول الأولى من هذا المقال. فمن حيث معادلة السيطرة الرمزية والإعلامية أولاً، تؤكد التجربة السودانية بأسرها أطروحة لوتواك المركزية حول أهمية الإعلام القصوى؛ إذ ارتبط النجاح الكامل الحاسم بالسيطرة الفعلية على البث الإذاعي الرسمي في ثلاث حالات موثقة بدقة (1958، 1969، 1989)، بينما ارتبط الفشل الذريع – ولو مع تحقق سيطرة ميدانية مؤقتة قصيرة الأمد نسبياً كما في حالتي 1971 و1976 تحديداً – بالعجز التام عن تحويل هذه السيطرة الميدانية الأولية إلى شرعية إعلامية مستدامة طويلة الأمد (مختار، 2026). ومن حيث معادلة البريتوريانية الهنتنغتونية ثانياً، تُظهر التجربة بجلاء تام أن كل انقلاب ناجح كامل في السودان اعتمد اعتماداً كلياً على تنظيم سياسي-حزبي سري سابق التغلغل الفعلي داخل الجيش النظامي (تنظيم الضباط الأحرار الناصريين في 1969، والحركة الإسلامية المنظمة في 1989)، في حين أن أغلب المحاولات الفاشلة كانت إما تحركات عسكرية معزولة تماماً عن أي حاضنة حزبية أو سياسية داعمة (كمحاولتي حسن حسين 1975 وبكراوي 2021 تحديداً)، أو صراعات داخلية محدودة بين أجنحة النظام القائم ذاته لا تحظى بأي غطاء شعبي أو حزبي حقيقي (كمحاولتي 2004 و2012 تحديداً) (عثمان، 1998؛ ICTJ، 2021). ومن حيث معادلة التحصين ضد الانقلاب ثالثاً، توضح التجربة السودانية بأسرها تحولاً استراتيجياً واضحاً ومتدرجاً عبر الزمن في أدوات الأنظمة المتعاقبة كافة، من الاعتماد شبه الحصري على الردع الدموي القاسي عبر الإعدامات الجماعية الواسعة النطاق في عهود عبود ونميري والبشير المبكر (1959، 1971، 1990 تحديداً)، إلى اعتماد آليات “التحصين البنيوي” المؤسسي الأكثر تعقيداً وتركيباً كخلق قوات موازية متعددة (الدفاع الشعبي أولاً ثم قوات الدعم السريع لاحقاً) وتعدد أجهزة الأمن المتنافسة فيما بينها عمداً، وهي الآليات ذاتها التي أثبتت الأدبيات النظرية المجردة سلفاً أنها تُضعف الفعالية القتالية الإجمالية للدولة على المدى الطويل نسبياً وقد تتحول هي نفسها، كما حدث فعلياً وبصورة مأساوية في الحالة السودانية تحديداً، إلى مصدر التهديد الوجودي الأعظم للدولة بأسرها (Quinlivan, 1999؛ Pilster & Böhmelt، مذكور في سودوث، 2016؛ Kyzym, 2026). ومن حيث المعادلة الإحصائية الكمية العالمية رابعاً وأخيراً، يؤكد ترتيب السودان العالمي الثاني بعد بوليفيا وحدها والأول أفريقياً دون منازع في عدد المحاولات الانقلابية الموثقة أكاديمياً (Powell & Thyne, 2011؛ ISS Africa، 2019) أن الظاهرة السودانية ليست حالة استثنائية معزولة عن الاتجاهات العالمية العامة بأي حال من الأحوال، بل هي بالأحرى الحالة الأكثر تكثيفاً وتركيزاً زمنياً ومكانياً من هذه الاتجاهات العالمية العامة ذاتها، بما يجعل من دراستها التفصيلية المعمقة أداة تحليلية ذات قيمة نظرية عالمية عالية وليست مجرد دراسة حالة محلية ضيقة النطاق فحسب.

خاتمة نقدية: من هندسة الانقلاب إلى هندسة منعه – دروس واقعية وقابلة للتنفيذ خاصة بالسودان

يخلص هذا التحليل النظري والتطبيقي الشامل إلى أن الانقلاب العسكري، سواء أفضى في نهاية المطاف إلى النجاح الكامل أم انتهى بالفشل الذريع، ليس بأي حال من الأحوال حدثاً عارضاً منعزلاً أو نتيجة مصادفة تاريخية بحتة، بل هو نتاج تفاعل دقيق ومركب بين ثلاثة مستويات تحليلية متداخلة بعمق: المستوى الأول هو مستوى تقني بحت يتعلق تحديداً بجودة التخطيط الأمني الدقيق والسيطرة الفعلية على مفاصل الدولة الرمزية والاتصالية الحساسة كافة؛ والمستوى الثاني هو مستوى بنيوي أعمق يتعلق بدرجة تسييس المؤسسة العسكرية الفعلية وعمق اختراق الأحزاب المدنية المتنافسة لها عبر عقود متصلة من الزمن؛ والمستوى الثالث والأخير هو مستوى استراتيجي يتعلق بطبيعة آليات التحصين المؤسسي التي يعتمدها النظام الحاكم القائم وقدرتها التناقضية الكامنة على توليد تهديدات جديدة كلياً قد تكون أشد خطورة وفتكاً بكثير من التهديد الأصلي الذي صُممت أساساً لمواجهته والحد منه. وتؤكد الحالة السودانية بأسرها، بوصفها ثاني أكثر دول العالم ابتلاءً بهذه الظاهرة المعقدة على الإطلاق، أن كسر حلقة الانقلاب المتكرر عبر ستة عقود كاملة – الناجح منها والفاشل معاً – لا يمكن أن يتحقق فعلياً عبر معالجات تقنية أمنية محضة ومحدودة النطاق فحسب، بل يستلزم بالضرورة القصوى إعادة تأسيس جذرية وشاملة للعلاقة بين الجيش النظامي والدولة السودانية بأسرها، تقوم على ثلاثة أركان متلازمة ومترابطة عضوياً: الركن الأول هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تماماً محتكرة شرعياً بصورة حصرية لأدوات العنف المنظم كافة، ومحظور عليها قطعياً ونهائياً أي نشاط حزبي أو سياسي سري من أي نوع كان داخل صفوفها؛ والركن الثاني هو ترسيخ سيادة مدنية دستورية وقضائية فعلية وحقيقية على الميزانيات العسكرية والأسلحة الاستراتيجية والشركات الاقتصادية التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية كافة دون استثناء واحد؛ والركن الثالث هو صياغة عقد اجتماعي ديمقراطي راسخ ومستقر يُخرج فكرة الانقلاب العسكري بأكملها بشكل قاطع ونهائي من دائرة الخيارات السياسية المتاحة أو المقبولة اجتماعياً وسياسياً على السواء، بحيث تصبح صيانة التحول الديمقراطي مسؤولية جماعية وطنية شاملة تحميها إرادة شعبية واعية ومؤسسات راسخة عميقة الجذور، لا تعتمد بأي حال من الأحوال على حسن نية طرف عسكري بعينه أو على توازنات قوى آنية هشة قابلة للانهيار في أي لحظة كما أثبتت تجربة الشراكة بين البرهان وحميدتي بصورة مأساوية ودموية للغاية.

المراجع (References)

  1. Belfer Center for Science and International Affairs. Coup-proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East. Cambridge: Harvard Kennedy School; 1999. Accessed 24 July 2026.
  2. Belkin, Aaron, & Schofer, Evan. Toward a Structural Understanding of Coup Risk. Journal of Conflict Resolution. 2003;47(5):594-620. Accessed 24 July 2026.
  3. Belkin, Aaron, & Schofer, Evan. Coup Risk, Counterbalancing, and International Conflict. Security Studies. 2005;14(1):140-177. Accessed 24 July 2026.
  4. Center for Systemic Peace. Coup d’État Data Codebook, 1946-2014. Vienna, VA: Center for Systemic Peace; 2015. Accessed 24 July 2026.
  5. Harvard University Press. Coup d’État: A Practical Handbook, Revised Edition. Cambridge, MA: Harvard University Press; 2016. Accessed 24 July 2026.
  6. International Center for Transitional Justice (ICTJ). Sudan: Transitional Justice and Accountability. New York: ICTJ; 2021. Accessed 24 July 2026.
  7. ISS Africa (Institute for Security Studies). Sudan, a Coup Laboratory. Pretoria: ISS Africa; 2019. Accessed 24 July 2026.
  8. Kamga, Gerard. Revisiting Edward Luttwak’s Coup d’État: A Practical Handbook in the Context of Recent Political Upheaval in Gabon and the Sahel Region. African Law Matters. 2025. Accessed 24 July 2026.
  9. Kyzym, Artem. Civil-Military Relations in the Aftermath of Coups: How Does Coup Failure Affect Counterbalancing in Autocratic Regimes? Journal of Conflict Resolution. 2026. Accessed 24 July 2026.
  10. Luttwak, Edward N. Coup d’État: A Practical Handbook. Cambridge, MA: Harvard University Press; 1968.
  11. New York Times. Sudanese Report Execution of 4 Who Helped Coup; The Coup Was a Three-Day Wonder: Sudan. New York: New York Times; 1971. Accessed 24 July 2026.
  12. Pilster, Ulrich, & Böhmelt, Tobias. Coup-Proofing and Military Effectiveness in Interstate Wars, 1967-99. Conflict Management and Peace Science. 2011;28(4):331-350. Accessed 24 July 2026.
  13. Powell, Jonathan M. Determinants of the Attempting and Outcome of Coups d’État. Journal of Conflict Resolution. 2012;56(6):1017-1040. Accessed 24 July 2026.
  14. Powell, Jonathan M. Global Coup Dataset (Personal Website). Lexington: University of Kentucky; بلا تاريخ. Accessed 24 July 2026.
  15. Powell, Jonathan M., & Thyne, Clayton L. Global Instances of Coups from 1950 to 2010: A New Dataset. Journal of Peace Research. 2011;48(2):249-259. Accessed 24 July 2026.
  16. Quinlivan, James T. Coup-Proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East. International Security. 1999;24(2):131-165. Accessed 24 July 2026.
  17. Sudduth, Jun Koga. Coup Risk, Coup-Proofing Strategy and Leader Survival. Journal of Peace Research. 2016;54(3):415-429. Accessed 24 July 2026.
  18. U.S. Department of State, Office of the Historian. Telegram 1988 from the Embassy in Sudan to the Department of State: Continuing Stability of Nimeiri Regime. Washington, DC: U.S. Department of State; 1976. Accessed 24 July 2026.
  19. Woodward, Peter. Sudan, 1898-1989: The Unstable State. Boulder: Lynne Rienner Publishers; 1990.

المراجع العربية

  1. إبراهيم، عبد الله علي. غزوة المرتزقة (يوليو 1976): حين هزم بونا ملوال أحزاب المركز وحده. الأحداث نيوز؛ 2024. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  2. الأحداث نيوز. في إعادة النظر في عقيدة أن انقلاب 17 نوفمبر 1958 كان تسليماً من عبد الله خليل واستلاماً من الفريق عبود. 2024. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  3. الأفندي، عبد الوهاب. ثورة الترابي: الإسلام والسلطة في السودان. لندن: غراي سيل؛ 1991.
  4. الجزيرة نت. نجح بعضها وفشل أغلبها.. هذه قصة الانقلابات في السودان خلال 6 عقود. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2021. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  5. الجزيرة نت. جعفر النميري.. فرعون السودان وساقيه. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2024. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  6. الجزيرة نت. عمر البشير ضابط حكم السودان بـ”ثورة إنقاذ” وأطاحت به “ثورة شعبية”. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2025. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  7. الراكوبة. انقلاب مايو 1969 أنجزته مجموعة الستة بإشراف مصري. صحيفة الراكوبة؛ 2021. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  8. الراكوبة. في الذكرى السابعة والاربعين على انقلاب “الضباط الأحرار”.. لماذا حل النميري المجلس العسكري؟! صحيفة الراكوبة؛ 2016. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  9. الراكوبة. في ذكراها الـ57: انقلاب 25 مايو 1969.. وانقلاب 25 أكتوبر.. هما تخطيط مصري. صحيفة الراكوبة؛ 2026. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  10. الراكوبة. غدًا الاثنين: الذكرى الرابعة والخمسين على محاولة أول انقلاب. صحيفة الراكوبة؛ 2024. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  11. العربي الجديد. تعرّف على أبرز المطلوبين في انقلاب البشير عام 1989. لندن: العربي الجديد؛ 2019. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  12. المحقق. الذاكرة السودانية: نصيحة هيلاسلاسي وراء انقلاب نوفمبر 1958. المحقق؛ 2024. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  13. المسار للدراسات. انقلاب السودان.. المقدمات والمواقف والمآلات المحتملة. الدوحة: مركز المسار للدراسات السياسية والاستراتيجية؛ 2022. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  14. سرور، عبد العظيم عوض. حركة 19 يوليو 1971 – التحضير – التنفيذ – الهزيمة. القاهرة: دار عزة للنشر والتوزيع؛ 2012.
  15. سودانايل. انقلاب 25 مايو 1969 العسكري في السودان. سودانايل؛ 2025. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  16. سودانايل. الانقلاب العسكري في السودان عام 1989: الإسلام السياسي، الحكم الأيديولوجي، التحول الاجتماعي، والآثار طويلة الأمد. سودانايل؛ 2025. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  17. سودانايل. انقلاب السودان العسكري 1958. سودانايل؛ 2022. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  18. سويس إنفو (SWI). عمر البشير الحاكم المستبد الذي تحدّى العدالة الدولية. برن: سويس إنفو؛ 2024. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  19. عثمان، محمد محجوب. الجيش والسياسة في السودان. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 1998.
  20. عرب بوست. على رأسهم حمدوك ووزراؤه ومستشاروه.. قصص اعتقالات “الفجر” في السودان واقتياد البعض بملابس النوم. عرب بوست؛ 2021. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  21. مختار، عبد المنعم. إخفاق متكرر: كيف تصدت المؤسسة العسكرية والمجتمع السوداني لاثنتي عشرة محاولة انقلابية باءت بالفشل. سودانايل؛ 2026. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  22. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. محاولة انقلاب سلاح المدرعات في السودان: الدلالات والتداعيات. أبوظبي: مركز المستقبل؛ 2021. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  23. وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب المؤرخ. برقية رقم 1988 من السفارة في السودان إلى وزارة الخارجية: استمرار استقرار نظام نميري. واشنطن: وزارة الخارجية الأمريكية؛ 1976. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  24. ويكيبيديا. انقلاب 1989 في السودان. ويكيبيديا؛ 2007. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  25. ويكيبيديا. انقلاب أكتوبر 2021 في السودان. ويكيبيديا؛ 2021. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  26. ويكيبيديا. الانقلابات في السودان. ويكيبيديا؛ 2023. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  27. ويكيبيديا. عمر البشير. ويكيبيديا؛ 2025. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
  28. ويكيبيديا. مجلس قيادة الثورة الوطنية (السودان). ويكيبيديا؛ بلا تاريخ. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
حكومة السودان تقرر رسمياً استبدال العملة الوطنية وتستعد لتنفيذ خطة اقتصادية شاملة
منبر الرأي
الدولة المدنية ومقوماتها في المنظور السياسي الاسلامى: دراسة في التأصيل لمفهوم الدولة المدنية .. بقلم: د. صبري محمد خليل
منبر الرأي
رسائل واشنطن الأخيرة…. هل بدأت مرحلة ما بعد الصبر؟
منبر الرأي
نقابة الصحفيين وتحالف صمود .. بعيدا عن التضليل!
جوهر ومحتوى خطاب قائد الدعم السريع: إحاطة بالحرب وآثارها وموقف حميدتي من منع التفلت

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

نُـــوُرْ عَلَى نُـــوُرْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التراثْ السوداني- الحَلَقةُ الرَّابِعَةُ والأَرْبَعُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد

طارق الجزولي
منبر الرأي

وقفات مع أطروحة إشكالية الدولة والحكم وبيان ملتقي نيروبي .. بقلم: محمد الامين عبد النبي

طارق الجزولي
منبر الرأي

مقتطفات من كتاب الطباشيرة والكتاب والناس (3) .. بقلم: هلال زاهر الساداتي

هلال زاهر الساداتي
منبر الرأي

البنوك هي الحلقة المفقودة التي بسببها انهار النظام المالي والاقتصادي السوداني .. بقلم: أبوبكر محمد آدم أبوبكر

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss