دود الأرض في المزاد بحري … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

aibrahim@abdullahi4president.com

 

 

في مسرحيتي "السكة الحديد قرَّبت المسافات . . . وكثيراً"  وصفت رجلاً من أعيان القرية نهم في استحواذ الأرض بأنه من "دود الأرض". واحتجت إمرأة على غريزة الملكية القابضة فيه لأنه لا يشبع من إزدراد الأرض. قالت:"من رأى دود الأرض إلا آكلاً طينا".

ويبدو أن عصرنا هذا هو عصر "دود الأرض". فالمستثمرون والمفترون الآن يتربصون بساحات الأحياء القديمة ليحولوها إلى منشآت للسوق والوجاهة لم تكن في أصل تخصيص هذه الساحات كمتنفس بيئيّ يعينهم سلطات ولائية تفرق الوطن الجميل تصديقا تصديقا. وظللت أرصد نهوض أهل هذه الأحياء ضد هذا الرعي الجائر لدود الأرض. لو أذكر جيداً كان بعض ساحة المزاد هذه موضوع نزاع بين الشرطة وأهل الحي. ثم كان ميدان المولد موضوع نزاع بين أهل الحلة الجديدة والإمدادات الطبية. وأثار ميدان الأهلية عند بيت الزعيم الأزهري نزاعاً أيضاً. وهناك حي آخر من المحتجين في أم درمان لو أذكر جيداً. وهذا ما احتفلت به الصحف من شره دود الأرض. ويا ما في السواهي دواهي.    

  ولابد لنا من أن نثمن هنا عرض الصحفيان أحمد حمدان وعلم الهدي لواقعة أخرى بين الأهالي ودود الأرض (الأحداث 20 أكتوبر 2009). فقد وصفا تجمهر مواطني حي المزاد ببحري يوم 19 الماضي دفاعاً عن ساحتهم الشعبية التي تم منحها لمستثمر يقيم عليها ملعباً تجارياً للسداسيات يؤجره للراغب. شوفوا النجاضة دي يا أهل الله!  وكانت آليات المستثمر تشق عنان الساحة غير مصغية للمحتجين.

من الجهة الأخرى فالساحة موضوع نزاع قديم بين نادي المزاد ونادي التحرير. وسيرفع المتجمهرون للسلطات مذكرة وقعتها 26 هيئة رياضية وجماعة من المجتمع المدني برد الحق إلى الحي وفريقه نادي المزاد.  ويقول السيد خالد نوري رئيس اللجنة الشعبية بالحي إن التحرير متعد متهجم. فالساحة هي لنادي المزاد لا يملك سواها بينما للتحرير ملعبه الخاص. وحملت المذكرة بياناً بملكية حي المزاد وناديه للساحة. فقد وضع المرحوم زين العابدين محمد أحمد، وزير الشباب المايوي المعروف، حجر أساس مجمع المزاد الشعبي في عام  1975. ومن حسن توثيق المذكرة لحق المزاد في الساحة أنها ألحقت بها تغطية لمناسبة وضع حجر الأساس بجريدة الأيام. وأرفقت فواتير المياه التي سددها نادي المزاد لقطعة الأرض المخصصة له في الساحة. ووثقت المذكرة لصنوف الإعتداء على أرض الساحة من مدارس وغيرها بلغت جملتها 12 اعتداء شملت، ويا للغرابة، مجلس الشباب والرياضة ببحري ومنازل لضباط نظاميين. وكانت أفحش هذه الإعتداءات على الساحة هي منحها لنادي التحرير لإنشاء استاده عليها في مناسبة احتفالية في دولة مايو بعد 1975 وهو تاريخ وضع حجر أساس مجمع المزاد. وتبقي من كل هذا القضم للساحة ميدان ترابي في الجهة الشرقية هو ما منحته الدولة لمثتثمر ميدان السداسيات التجاري. 

لابد لكل مهتم بصحة البيئة أن يحي هذه الوقفة الشجاعة لأهل حي المزاد يصدون دود الأرض عن حمى حيهم. فلافتاتهم تقول: "عاوزين نتنفس" وهذا مربط الفرس في أصل هذه الساحات. واحتجوا على المستثمر لأنه سيأخذ أرضاً يتريض عليها أبناؤهم ليؤجرها بالشيء الفلاني فيشردهم. كما سيأتي الملعب المؤجر بالسيارات الغريبة للحي فتلوث البئية بضوضاء الصوت والدخان. وكل هذا وعي حضري تربوب وبيئيّ تشتريه الحكومات ولا تجده. وأخطر من هذا كله فوقفة المزاد ذاتها عند الحق بتوثيق ماكر. والحق غلاّب. ووددت لو سأل حمدان "لوبي البيئة" السوداني متعدد الروؤس إن كانت وقفة المزاد داخلة في عداد شغله أم انها وقفة تفوت ولا بيئة تموت.     

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

“حميدتي” للبرهان: أبيتها مملحة تأكلها قروض

عبد الله علي إبراهيم كان الدمج في القوات المسلحة كفراً في عقيدة دقلو فلم يتصالح …

اترك تعليقاً