د. عبد المنعم مختار
يمثل مسار الانتقال السياسي في السودان بعد عام 2019 مثالًا صارخًا على كيف يمكن لانقسام القوى المدنية، وغياب الانضباط التحالفي، وتغليب الحسابات الأيديولوجية، أن يقود إلى انهيار انتقال ديمقراطي كامل وانزلاق الدولة نحو الحرب. فقد انتقل السودان خلال أربع سنوات فقط من لحظة ثورية جامعة في 2019 إلى انقلاب عسكري في 2021، ثم إلى حرب شاملة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مع انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة المركزية. هذا المسار لم يكن نتيجة حتمية للعسكر وحدهم، بل نتيجة مباشرة أيضًا لقرارات ومواقف سياسية داخل المعسكر المدني أسهمت في تفكيكه وإضعافه من الداخل.
تؤكد الأدبيات المقارنة في دراسات التحول الديمقراطي أن نجاح الانتقال من السلطوية يتطلب وجود جبهة مدنية موحدة قادرة على فرض شروطها التفاوضية على المؤسسة العسكرية. فكل التجارب الناجحة نسبيًا—مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا وتشيلي—اعتمدت على انضباط تحالفي صارم، وتقديم تنازلات تكتيكية موحدة، ومنع تحول الخلافات الداخلية إلى انقسامات تفاوضية. في المقابل، فإن النماذج الفاشلة مثل ليبيا واليمن والسودان تظهر نمطًا متكررًا: انقسام القوى المدنية إلى محاور متصارعة، يسمح للعسكر بإعادة هندسة المشهد السياسي بالقوة.
في السودان، شكّلت قوى الحرية والتغيير الإطار المدني الرئيسي الذي قاد إسقاط نظام البشير في 2019، مستندة إلى تحالف واسع شمل أحزابًا ونقابات ولجان مقاومة. لكن هذا التحالف، بدل أن يتحول إلى بنية حكم انتقالية منضبطة، ظل أسيرًا لانقسامات داخلية حادة حول طبيعة المرحلة الانتقالية وحدود العلاقة مع المؤسسة العسكرية. هذا الضعف البنيوي جعل التحالف عرضة للإضعاف السياسي بمجرد الانتقال من لحظة الثورة إلى لحظة الحكم.
في قلب هذا الانقسام برز الدور السياسي للحزب الشيوعي السوداني كعامل سلبي مركزي في إضعاف وحدة القوى المدنية. فقد تبنى الحزب منذ البداية موقفًا أيديولوجيًا متصلبًا يقوم على رفض كامل لأي شراكة مع المؤسسة العسكرية، واعتبار أي صيغة انتقالية تشاركية “إعادة إنتاج للدولة القديمة” وليس قطيعة معها. هذا الموقف، رغم مظهره الراديكالي، تجاهل ميزان القوة الحقيقي في المرحلة الانتقالية، حيث كانت المؤسسة العسكرية تحتفظ بسيطرة كاملة على أدوات العنف والاقتصاد والأمن.
الأخطر من ذلك أن الحزب لم يكتفِ بالمعارضة السياسية داخل الأطر التفاوضية، بل لعب دورًا مباشرًا في تقويض وحدة التحالف المدني عبر دفع جزء من الشارع ولجان المقاومة نحو خطاب إسقاطي شامل يرفض قوى الحرية والتغيير نفسها، وليس فقط الشراكة مع العسكر. فقد ساهم الخطاب السياسي المرتبط بالحزب في تغذية سردية تعتبر الحكومة الانتقالية مجرد امتداد للنظام القديم، ما أدى إلى خلق حالة عداء داخلية بين مكونات الثورة نفسها، وتحويل الصراع من مواجهة مع العسكر إلى صراع مدني–مدني مدمّر.
وقد كان لهذا المسار أثر بالغ الخطورة على بنية “لجان المقاومة”، التي شكلت أحد أهم إنجازات الثورة السودانية. فبدل أن يتم إدماج هذه اللجان في إطار سياسي موحد يدعم الانتقال الديمقراطي، تم دفع جزء منها إلى مواقع رفض جذري لأي تسوية، بما في ذلك رفض قوى الحرية والتغيير ككل. هذا التوجيه السياسي غير المسؤول ساهم في تفتيت الطاقة الثورية وتحويلها إلى قوة احتجاجية غير قابلة للترجمة السياسية، ما أضعف القدرة على بناء جبهة مدنية تفاوضية موحدة.
إن هذا النمط من السلوك السياسي لا يمكن النظر إليه بوصفه اختلافًا ديمقراطيًا مشروعًا فقط، بل بوصفه خطأ استراتيجيًا جسيمًا في سياق انتقال هش. فبدل أن يسهم الحزب في تعزيز وحدة القوى المدنية في مواجهة مؤسسة عسكرية منظمة ومتماسكة، ساهم في تعميق الانقسام وتوسيع فجوة الثقة داخل المعسكر المدني، وهو ما منح الجيش ميزة تفاوضية حاسمة. فالمؤسسة العسكرية لم تكن بحاجة إلى هزيمة القوى المدنية عسكريًا في تلك المرحلة، بل فقط إلى انتظار تفككها الذاتي، وهو ما تحقق بالفعل.
وقد استثمر الجيش هذا الانقسام بمهارة سياسية واضحة، عبر التفاوض الانتقائي مع مكونات مدنية مختلفة، وإضعاف مركز القرار المدني، وتأجيل الملفات الجوهرية مثل إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات. ومع غياب جبهة مدنية موحدة، تحولت عملية الانتقال إلى سلسلة من الترتيبات الهشة التي انتهت بانقلاب أكتوبر 2021، الذي أنهى فعليًا الشراكة الانتقالية وأعاد السلطة إلى المؤسسة العسكرية بشكل مباشر.
تشير تقارير تحليلية مثل مؤشر التحول BTI إلى أن أحد أهم أسباب فشل الانتقال في السودان كان غياب التنسيق داخل القوى المدنية، وتعدد مراكز القرار السياسي، وفشلها في تقديم موقف تفاوضي موحد تجاه الجيش. لكن هذه العوامل البنيوية لا يمكن فصلها عن القرارات السياسية التي ساهمت في تفكيك وحدة هذا المعسكر بدل تعزيزها.
بعد الانقلاب، دخلت البلاد مرحلة انهيار سياسي متسارع، حيث تشتتت القوى المدنية أكثر، وفشلت في إعادة بناء تحالف فعال، بينما انتقل مركز الصراع إلى المجال العسكري المباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع. ومع اندلاع الحرب في 2023، انهارت الدولة فعليًا كمركز سيادي موحد، وتفككت مؤسساتها، وانهار الاقتصاد والخدمات الأساسية، وظهرت سلطات متنافسة على الأرض.
في هذا السياق، يصبح من الضروري تقييم الدور السياسي للحزب الشيوعي السوداني بشكل نقدي صارم. فبينما يطرح الحزب نفسه كقوة مبدئية ترفض التنازلات، فإن نتاج هذا الموقف في سياق انتقالي هش كان عمليًا إضعاف الجبهة المدنية، وتفتيت التحالف الثوري، والمساهمة في خلق بيئة سمحت بعودة الحكم العسكري ثم انفجار الحرب. إن التمسك بالمطلقات الأيديولوجية في سياق ميزان قوة مختل لم يؤدِّ إلى تعزيز الثورة، بل إلى تقويضها.
الخلاصة أن فشل التحول الديمقراطي في السودان لا يمكن فهمه فقط من زاوية تدخل المؤسسة العسكرية، بل أيضًا من زاوية فشل القوى المدنية في إدارة اختلافاتها، وعلى رأسها المواقف المتشددة التي ساهمت في تفكيك وحدة التحالف المدني. وفي هذا الإطار، يظهر أن أحد أخطر العوامل التي أضعفت الانتقال لم يكن وجود العسكر فقط، بل غياب استراتيجية مدنية موحدة، تغذيها مواقف سياسية متصلبة ساهمت في تمزيق الجبهة التي كان يفترض أن تحمي الديمقراطية الوليدة.
moniem.mukhtar@proton.me
