من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
دور القدوة في التنمية المجتمعية: بين الفكر الإسلامي والتجارب
العالمية
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
- مدخل عام
تؤكد الدراسات التنموية أن المجتمعات لا تنهض فقط بالموارد الاقتصادية أو البنية التحتية، بل تحتاج إلى نماذج بشرية مُلهمة تعمل كقدوة وقاطرة للتغيير. تقرير البنك الدولي (2022) أوضح أن “الثقة المجتمعية” تمثل ما يقارب 20% من الفارق في النمو الاقتصادي بين الدول المتقدمة والنامية. والثقة غالبًا تُبنى على وجود قيادة قدوة تُترجم القيم إلى أفعال.
- القدوة في الفكر الإسلامي
الفكر الإسلامي يجعل القدوة أساس التربية والتنمية:
النبي محمد ﷺ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، نموذج جمع بين الأخلاق والقيادة العملية.
الخلفاء الراشدون مارسوا الحكم كنماذج للعدل والزهد، مما أرسى قواعد دولة قوية في نصف قرن.
ابن خلدون (المقدمة) يرى أن “أحوال الراعي تنعكس على الرعية”، وهو توصيف مبكر لأهمية القدوة في التنمية المجتمعية.
- التجارب العالمية في دور القدوة
غاندي (الهند): قاد حركة الاستقلال عبر قدوته في البساطة واللاعنف. بفضل هذا النهج، ساهم في إعادة توحيد أكثر من 300 مليون هندي آنذاك في مشروع وطني جامع.
نيلسون مانديلا (جنوب أفريقيا): مكث 27 عامًا في السجن، لكنه خرج داعيًا للتسامح. تقرير الأمم المتحدة (2014) أكد أن تجربة مانديلا أنقذت جنوب أفريقيا من خسائر كانت ستتجاوز 100 مليار دولار لو اندلعت حرب أهلية بعد نهاية الفصل العنصري.
لي كوان يو (سنغافورة): جعل من النزاهة والقدوة المؤسسية أداة للتنمية. خلال ثلاثين عامًا (1965–1995)، ارتفع دخل الفرد السنغافوري من 500 دولار إلى أكثر من 30 ألف دولار، بفضل قيادة صارمة وقدوة في النزاهة.
النموذج الإسكندنافي: القادة يعيشون حياة شبيهة بالمواطنين، بلا امتيازات مفرطة. وفق مؤشر الشفافية الدولية 2023، نجد أن الدانمارك، فنلندا، والسويد تتصدر دائمًا قائمة النزاهة، وهو انعكاس مباشر للقدوة المؤسسية.
- المقارنة بين الفكر الإسلامي والتجارب العالمية
الإسلام: يربط القدوة بالبعد الأخلاقي والروحي (الأمانة، العدل، الزهد).
التجارب العالمية: تربط القدوة بالفاعلية والانضباط المؤسسي.
النتيجة: النموذج الأمثل هو التكامل بين الأخلاق (إسلاميًا) والكفاءة المؤسسية (عالميًا).
- أثر القدوة على التنمية المجتمعية (إحصاءات ودراسات)
دراسة Harvard Business Review (2018): المؤسسات التي يقودها مديرون يُعتبرون قدوة تسجّل أداءً أعلى بـ 25% من غيرها.
تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية (2021): وجود قدوة وطنية أو رمزية يرفع مؤشر الثقة المجتمعية بنسبة 15% في المتوسط.
دراسة أفريقية (جامعة كيب تاون 2019): المجتمعات التي عرفت قيادات قدوة سجلت معدلات فساد أقل بـ 30% مقارنة بجيرانها.
- دروس للعالم العربي والأفريقي
في أفريقيا، التجارب الناجحة (رواندا بقيادة بول كاغامي) أوضحت أن القيادة القدوة ساهمت في رفع الناتج المحلي من 2 مليار دولار (2000) إلى أكثر من 12 مليار دولار (2020).
- توصيات عملية
- إبراز النماذج الإيجابية في المناهج والإعلام.
- بناء قدوة مؤسسية عبر الحد من الامتيازات والفجوة بين القادة والشعوب.
- تأهيل القيادات على القيم والأخلاق بجانب الكفاءة الإدارية.
- تبادل الخبرات بين الدول العربية والأفريقية للاستفادة من التجارب الإيجابية.
- خاتمة
القدوة ليست مسألة فردية، بل هي رأس مال اجتماعي يوازي الذهب والنفط. من دونها تبقى الخطط مجرد أوراق، ومعها تتحول إلى واقع حي يغيّر وجه المجتمعات. وإذا كانت التجارب العالمية قد أثبتت جدواها، فإن الفكر الإسلامي يمنحنا إطارًا أخلاقيًا متينًا لتأصيلها محليًا.
المراجع
ابن خلدون: المقدمة.
Gandhi: An Autobiography.
Mandela: Long Walk to Freedom.
Lee Kuan Yew: From Third World to First.
World Bank, World Development Report 2022.
UNDP, Human Development Report 2021.
Harvard Business Review, “The Power of Role Models”, 2018.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم