دولة المواطن أم سوق المستهلك؟ النيوليبرالية في ميزان العدالة الاجتماعية

دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk

في زمنٍ تغلغل فيه الخطاب الاقتصادي في صميم حياتنا اليومية، باتت عبارات مثل “لا للنيوليبرالية” تتردد بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي. تُطلق أحياناً وكأنها حقيقة مسلّم بها لا تحتاج إلى تعريف، بينما يظل معناها غائماً لدى كثيرين. فما النيوليبرالية؟ وكيف تعيد تشكيل حياتنا؟ ولماذا ينظر إليها البعض باعتبارها تهديداً لمستقبل مجتمعاتنا؟

قد تبقى هذه الأسئلة نظرية إلى أن يعايش المرء تطبيقاتها عن قرب. بالنسبة لي، لم تتضح الصورة إلا بعد الانتقال للعيش في الغرب، حيث لمستُ آثارها في تفاصيل الحياة اليومية: في فاتورة الكهرباء، وأقساط التعليم، وكلفة الرعاية الصحية، ومرونة عقود العمل التي تفتقر إلى الأمان. عندها أدركت أنها ليست مجرد اتجاه اقتصادي يُناقش في قاعات الجامعات، بل فلسفة متكاملة تعيد تنظيم المجتمع وفق منطق السوق.

النيوليبرالية تقوم، في جوهرها، على الإيمان بأن قوى السوق هي الآلية المثلى لإدارة الشأن العام وتوزيع الموارد. تدعو إلى تقليص دور الدولة، وخصخصة الخدمات العامة، وتحرير الأسعار لتصبح رهينة العرض والطلب، بدعوى أن ذلك يحقق الكفاءة ويحفّز النمو. في هذا التصور، تتحول خدمات أساسية مثل التعليم والصحة والمياه والسكن من حقوق إنسانية إلى سلع. ومن يعجز عن دفع ثمنها، يُترك لمصيره. يختفي مفهوم “المواطن” بوصفه صاحب حقوق متساوية، ليحل محله “المستهلك” الذي تُقاس قيمته بقدرته الشرائية.

غير أن السوق، في عالم تتسع فيه فجوات اللامساواة، ليس ساحة محايدة. فحين يكون توزيع الثروة مختلاً أصلاً، تصبح “حرية السوق” أقرب إلى حرية الأقوى. وقد أظهرت التجارب أن هذه السياسات تميل إلى تركيز الثروة في أيدي قلة، مقابل اتساع دائرة الهشاشة لدى الأغلبية. يعمل الناس أكثر، لكنهم يشعرون بأمان أقل. يُعاد تعريف الفقر بوصفه فشلاً فردياً، وتُختزل البطالة في الكسل، بينما تُحجب العوامل البنيوية المرتبطة بالخيارات الاقتصادية الكبرى.

في أوروبا، تراجعت تدريجياً دولة الرفاه التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، مع صعود توجهات نيوليبرالية تبنتها حكومات من مشارب مختلفة. أُضعفت النقابات، وانتشرت العقود المؤقتة، وتحوّل العمل المستقر إلى استثناء. والمفارقة أن الأزمات المالية المتعاقبة، وعلى رأسها أزمة 2008، كشفت حدود الخطاب النيوليبرالي؛ فالسوق الذي قيل إنه يصحح نفسه بنفسه، استدعى تدخلاً واسعاً من الدولة لإنقاذ المصارف والمؤسسات الكبرى. في الولايات المتحدة مثلاً، ضُخت أموال عامة ضخمة لحماية النظام المالي. الدولة التي وُصفت بالعبء، أصبحت فجأة الملاذ الأخير لرأس المال، لا للمواطن العادي.

أما في بلدان الجنوب، فنادراً ما جاءت النيوليبرالية ثمرة نقاش ديمقراطي داخلي. غالباً ما تُطرح كحزمة شروط مرتبطة بالديون، تحت مسمى “برامج الإصلاح الاقتصادي” التي يدعمها صندوق النقد الدولي ﻭ البنك الدولي . تُدفع الدول إلى خفض الإنفاق العام، ورفع الدعم، وتحرير سعر الصرف، وخصخصة القطاعات الحيوية، في اقتصادات تفتقر أصلاً إلى قاعدة إنتاجية صلبة. النتيجة المتكررة هي تآكل الزراعة والصناعة المحلية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتحول الهجرة إلى أفق خلاص فردي.

ويشكّل السودان مثالاً مؤلماً على هذا المسار. فبعد انتفاضة 2019، طُبقت سياسات تقشفية شملت رفع الدعم وتعويم العملة، في بلد يعاني من هشاشة بنيوية ودولة منهكة. ارتفعت الأسعار بوتيرة حادة، وتآكلت الأجور، واتسعت رقعة الفقر، من دون أن تُقام شبكات حماية اجتماعية فعّالة. لم يكن الأمر مجرد خطأ تقني في إدارة الاقتصاد، بل مساراً ساهم في إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع وتقويض أي شرعية سياسية ناشئة.

صحيح أن النيوليبرالية لم تشعل الحرب، لكنها أسهمت في إضعاف الدولة وتجفيف مواردها الاجتماعية. حين تتحول الموارد الطبيعية إلى سلع تُدار بمنطق الربح المجرد، تصبح عرضة للصراع والتنافس المسلح. وحين تعجز الدولة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات، تفقد قدرتها على احتكار أدوات العنف وضبط المجال العام. هكذا تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع الهشاشة السياسية في دائرة مفرغة.

حتى في خضم الحرب، يتكرر المنطق ذاته: تركيز على مؤشرات الاقتصاد الكلي وسعر الصرف، وكأن الأزمة مجرد خلل في الأرقام، لا انهيار في بنية الدولة والمجتمع.

رفض النيوليبرالية، إذن، ليس شعاراً عاطفياً ولا موضة فكرية. إنه سؤال عن طبيعة العقد الاجتماعي الذي نريده: هل الاقتصاد في خدمة الإنسان، أم الإنسان في خدمة السوق؟ هل الدولة إطار لحماية الحقوق وتحقيق التوازن، أم مجرد وسيط يضمن انسياب رأس المال؟
إن أي مشروع وطني جاد لمرحلة ما بعد الحروب لا بد أن يبدأ بإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي نفسه. فمعركة البناء لا تُحسم بالشعارات، بل بتحديد الأولويات: الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الإنتاجية المستدامة. دون ذلك، سيظل “الإصلاح” مجرد إعادة إنتاج لأزمة لم نخرج منها بعد.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

إعادة بناء الجيش السوداني بعد الحرب: التحديات والآفاق

دكتور محمد عبدالله منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دخلت البلاد مرحلة غير …