lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ أن رفع السودانيون علمهم فوق سماء الخرطوم في الأول من يناير عام 1956، ظلت البلاد تتأرجح بين حلم الدولة المستقلة وواقعها المأزوم، بين خطاب الوحدة الوطنية وواقع الانقسام العميق، وبين وعود النهضة ومسار الحروب التي لم تنقطع يوماً. ولو توقف الباحث قليلاً عند جذور السؤال المركزي: لماذا يعاني السودان من ويلات الحروب منذ استقلاله؟ لوجد أن الإجابة ليست أحادية، بل هي شبكة معقدة من التراكمات التاريخية والسياسية والثقافية، تبدأ قبل لحظة الاستقلال ولا تنتهي عند إخفاقات النخبة الوطنية التي ورثت الحكم من المستعمر. فالسودان الذي خرج إلى العالم دولةً حديثة السيادة، لم يخرج ببنية دولة راسخة أو بإجماع وطني حقيقي، بل خرج بنصف مشروع، وبأسئلة مؤجلة، كانت كفيلة بتحويل الاستقلال ذاته إلى بداية سلسلة طويلة من الصراعات. إن الأخطاء التي سبقت إعلان الاستقلال ليست مجرد تفاصيل صغيرة في دفتر التاريخ، بل هي أساس الضعف البنيوي الذي لازم السودان طوال عقوده الماضية. فقد أدار المستعمر البريطاني البلاد بسياسة غير متوازنة، اعتمدت على تنمية مناطق محددة وإهمال أخرى، مما خلق فجوة حادة بين المركز والأطراف. كما اتبعت الإدارة البريطانية أسلوب “الحكم غير المباشر”، الذي عزز الروابط القبلية والإثنية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وأدى إلى نشوء كيانات هشة لم تُدمج لاحقاً في مشروع الدولة. وعندما حان وقت الانسحاب، لم يترك المستعمر بنية حكم مكتملة، ولم يُنشئ مؤسسات دولة تتسع للتنوع الهائل في السودان، بل ترك تركة مثقلة بالاختلالات. وهكذا، حين أُعلن الاستقلال، كانت البلاد تحمل في داخلها بذور أزمات مستقبلية، كان يمكن التعامل معها لو توفرت الرؤية والإرادة، لكن ذلك لم يحدث. ومع انتقال السلطة إلى النخبة الوطنية، تكرّس الفشل بصورة أوضح، لأن النخبة التي تولت الحكم لم تأتِ بمشروع لبناء دولة جديدة، بل تعاملت مع الدولة الموروثة كما هي، بل وأبقت على نفس التصورات المركزية الضيقة التي حكم بها المستعمر. كان الأمل أن تبني الحكومات الوطنية دولة تتسع لجميع السودانيين، لكن ما حدث هو العكس تماماً. فقد تحولت الدولة إلى أداة احتكار، واقتصر اتخاذ القرار على مجموعات محدودة، معظمها تنتمي للمركز الجغرافي والثقافي، بينما بقيت أقاليم الجنوب والغرب والشرق مهمشة بلا تمثيل حقيقي. وبغياب رؤية لإدارة التنوع، نشأت علاقة مختلة بين السلطة والشعوب، علاقة يغيب عنها الإنصاف والتوزيع العادل للثروة والسلطة. وهكذا بدأ شعور الأطراف بالظلم يتعمق، وأصبح العنف هو اللغة التي تُسمَع حين لا يُسمَح للغة السياسة أن تُستَخدم. لقد فشلت النخبة الوطنية في بناء دولة المواطنة، لأن خطابها السياسي كان يستند إلى هوية أحادية لا تعترف بالتعدد الثقافي والقومي واللغوي الذي يميز السودان. وحين يُفرض نموذج ثقافي واحد على بقية المكوّنات، يصبح الصراع أمراً طبيعياً، لأن من يُقصى من تعريف nation سيبحث عن تعريفٍ آخر خارج الدولة. وما زاد من فداحة الموقف أن هذه النخبة لم تدرك أن السلطة ليست ملكية خاصة، وإنما مسؤولية تاريخية تتطلب شجاعة الانفتاح على الجميع. ولذلك تحالف جزء من هذه النخبة مع المؤسسة العسكرية لتحصين موقعه في الحكم، بينما تحالف جزء آخر مع الطائفية التقليدية لضمان قاعدة اجتماعية تحمي امتيازاته. وفي النتيجة، لم تتطور مؤسسات ديمقراطية راسخة، ولم يظهر نظام مدني مستقر يضمن التداول السلمي للسلطة. وهكذا صار السودان أسيراً لعقود من الانقلابات، التي كانت كل منها تعلن أنها ستنقذ البلاد، لكنها كانت في الحقيقة تعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيداً. أما السؤال عن سبب اختيار النخبة السودانية للخيار العسكري بدلاً من الحوار الوطني الشامل، فإجابته تكمن في ثقافة سياسية تراكمت عبر السنين. فالسودان، منذ بداياته، عاش في ظل مؤسسة عسكرية قوية كانت ترى نفسها وصية على الدولة وعلى مستقبلها. وبسبب ضعف الأحزاب السياسية، وعدم قدرتها على تقديم حلول جادة، أصبحت الأنظمة العسكرية تبدو، في نظر البعض، الخيار الأسرع لحسم الخلافات. لكن الحسم بالسلاح لا يبني أمة، بل يبني صراعاً جديداً. لقد كانت النخبة تخشى الحوار لأنه يعني إعادة توزيع السلطة والثروة، ويعني الاعتراف بحق الآخرين، ويعني نهاية الامتيازات التي احتفظت بها مجموعات محددة لعقود طويلة. ولذلك أصبحت الحرب وسيلة سهلة لتثبيت الواقع، لكنها كانت أيضاً وسيلة مدمرة لنسف أي إمكانية لحماية الوطن. ولا يمكن تجاهل العامل الخارجي، لأن الدول الإقليمية والدولية كثيراً ما دعمت طرفاً ضد آخر، وشجعت على الحلول العسكرية حفاظاً على مصالحها، لا على مصالح الشعب السوداني. وبدلاً من أن تفرض الحكومات الوطنية إرادتها، استسلمت في كثير من الأحيان لهذه التدخلات التي عمّقت الانقسام الداخلي. كما لعب ضعف المجتمع المدني دوراً في ترسيخ الخيار العسكري، إذ لم تتطور قوى مجتمعية قادرة على فرض الحوار كخيار وحيد. وحين تغيب الحركة النقابية الفاعلة، وتُقمع الصحافة الحرة، وتنحسر المشاركة السياسية، يصبح الطريق إلى الحرب مفتوحاً، والطريق إلى السلام مغلقاً. إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي. فإما أن يستمر في إعادة إنتاج أزماته، وإما أن يختار طريقاً جديداً يعترف بأن المشكلة ليست في الأطراف فقط، ولا في الجنوب أو الغرب أو الشرق، بل في بنية الدولة نفسها. فالسودان بحاجة إلى مشروع وطني جديد يعيد تعريف الهوية السودانية على أساس التنوع لا الإقصاء، وبحاجة إلى دستور يعكس إرادة الناس لا إرادة النخبة، وبحاجة إلى إعادة بناء الجيش كمؤسسة مهنية لا سياسية. كما يحتاج إلى عملية مصالحة حقيقية، لا مجرد اتفاقيات سياسية تُوقّع ثم تُنسى، بل مصالحة تعالج الجذور التاريخية للظلم، وتعيد الثقة بين الدولة والمواطن. ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بتوسيع مشاركة كل المكوّنات بلا استثناء، وبتوزيع عادل للثروة، وبعودة السلطة إلى الشعب، وبإيمان صادق بأن إنقاذ السودان لا يكون بإعادة تدوير نفس الوجوه ونفس الأفكار، وإنما بفتح الأبواب لكل من حُرموا من المشاركة لعقود. إن الاعتراف بالأخطاء ليس ضعفاً، بل هو بداية القوة. والسودان، رغم كل جراحه، لا يزال قادراً على النهوض، إن امتلكت نخبته قدر الشجاعة اللازمة للتخلي عن منطق السيطرة واعتماد منطق الشراكة. فالحروب التي مزقت البلاد طوال سبعين عاماً ليست قدراً مكتوباً، بل هي نتيجة خيارات سياسية خاطئة كان يمكن، ولا يزال يمكن، تصحيحها. وإذا كان الاستقلال قد جاء بلا مشروع وطني مكتمل، فإن المستقبل يمكن أن يكون فرصة لبناء ذلك المشروع من جديد، بشرط أن يكون هناك إيمان بأن الوطن أكبر من قبيلة، وأكبر من حزب، وأكبر من مركز، وأكبر من أي نخبة مهما ظنت أنها باقية. فالسلام ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو إعادة تأسيس الوطن على أسس العدالة، والمساواة، واحترام التنوع. وعندما يتحقق هذا، فقط عندها يمكن للسودان أن يتحرر حقاً من ويلات الحروب، وأن يبدأ رحلة البناء التي طال انتظارها. بقلم: لــوال كــوال لــوال
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم