النفاق الديني: أن تتخذ الدين سُلّماً لا منهجاً، ووسيلة لا غاية، تتسلق به إلى السياسة والرياسة، وتتاجر به في سوق المال والمنفعة، وتتزين به بين الناس، وأنت تهدم في الخفاء كل قيمة دعا إليها الدين صراحة، وكل فضيلة نادى بها جهارا.
هو انفصامٌ نكد، وازدواجٌ فاضح، بين قولٍ يلمع، وفعلٍ يفجع، بين ثوبٍ قصير، وقلبٍ حقير، بين لحيةٍ طويلة، ويدٍ للرشوة طائلة.
فتجد إمام المسجد متعجرفاً جلفاً، لا يحسن خلقاً ولا لطفاً، فظاً غليظاً مع الخلق، فإذا اعتلى المنبر، بكى وأبكى، ووعظ فأرق، وقال ما لا يفعل، وفعل ما لا يقول، فهو كذابٌ على المنبر، منافقٌ في المخبر.
وتجد الرجل يحدثك عن العفة والطهر، ويلوك بلسانه حديث الفضيلة والستر، فإذا خلا بمحارم الله انتهكها، يعاكس البنات، ويلاحق الشهوات، ولو وجد سبيلاً إلى الزنا لما تأخر.
وتجد الأستاذ الجامعي الذي اؤتمن على العقول، يبيع ضميره بدراهم معدودة، يقبل الرشوة جهارا، ويرسب الطلاب ظلما وجورا، ثم يقف أمامهم محاضرا عن القيم والمثل!
وتجد الطبيب والمريض بين يديه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يلهو بالهاتف غافلاً، فإذا انتهت المأساة، حدثنا عن الرحمة والإنسانية.
فالمنافق الديني كثير الكلام عن التقوى والأمانة، قليل العمل بها، يرفع راية العدل وهو أول ظالم، ويتغنى بالأمانة وهو أول خائن.
وليس النفاق حكرا على دين بعينه، بل هو آفةٌ تظهر في كل مجتمع، حين يتحول الدين من رسالة إصلاح وهداية، إلى أداة نفوذ وجباية، ومن منهج أخلاق ومعاملات، إلى مساحيق تجميل للفساد والخيانات.
ماذا قال المفكرون في هذا البلاء؟
1. علي شريعتي قال:
“الدين الذي لا يوقظك من غفلتك، ولا يثور على ظلمك، ليس ديناً، بل هو مخدر”
وقال: “إذا أردت أن تُخضع شعباً، فاصنع له ديناً يلهيه عن واقعه، ويبشره بجنة في السماء، لينسى جحيمه في الأرض”.
2. مالك بن نبي قال:
“حين يتحول الدين إلى طقوس جوفاء، وعادات صماء، يفقد قدرته على بناء الحضارة، ويصبح جثة هامدة يحملها الأحياء على أكتافهم”.
وقال: “أزمة المسلم أنه يملك تراثاً ضخماً من الأفكار الميتة، والأفكار المميتة، ولا يملك أفكارا حية تصنع الحياة”.
3. محمد إقبال قال:
“إني أخاف على الإسلام من عابدٍ جاهل، ومن عالمٍ فاجر، فالأول يضل الناس بجهله، والثاني يضلهم بفجوره”.
وقال: “الإسلام لا يحتاج إلى مسلمين يهتفون به في المساجد، بل يحتاج إلى رجال يمثلونه في المصانع والمتاجر والحقول”.
4. راشد الغنوشي قال:
“التدين المغشوش أخطر على الإسلام من الإلحاد الصريح، لأن الملحد يهاجم الدين من الخارج، والمنافق يهدمه من الداخل”.
وقال: “إن الإسلام دين تحرير لا دين تبرير، جاء ليحرر المستضعفين من المستبدين، لا ليبرر للمستبدين ظلمهم باسم الدين”.
5. محمد مختار الشنقيطي قال:
“الاستبداد لا يصنع تدينا حقيقيا، بل يصنع نفاقا دينيا، فالناس تحت سياط المستبد يظهرون ما لا يبطنون، ويقولون ما لا يفعلون”.
وقال: “كلما استخدم الدين لتبرير الظلم، فقد قدسيته، وتحول من قوة تحرير إلى أداة تخدير”.
وما الذي جرى في السودان؟
لقد تاجرنا بالدين دهرا، فرفعنا شعاراته، وملأنا المنابر ضجيجه، فلبسنا الدين لباس السياسة، فلا دين أقمنا، ولا سياسة أصلحنا.
استخدمنا الدين لتبرير العنصرية، فصارت كل قبيلة ترى أنها شعب الله المختار، والباقي في النار.
فأكلت الحرب أبناءنا بفعل الجنجويدالاوباش ، ومزقت العنصرية أوصالنا، وصار الدين عندنا سيفاً للسلطان، لا ميزاناً للعدل والرحمن، حتى قال الناس: إذا رأينا رجل الدين، خفنا على ديننا، وإذا رأينا تاجر الدين، خفنا على دنيانا.
murtadaasgad@gmail.com
مرتضى القسم
