د. جون قرنق والرؤية التي أنارت الطريق (1-6)

ualdengchol72@gmail.com
حين ضاعت البوصلة بعد رحيل د. جون قرنق
لوال كوال لوال

في التاريخ السياسي الحديث للسودان، قلّما اجتمع الفكر الثوري مع الرؤية الاستراتيجية في شخصٍ واحد كما اجتمعا في الدكتور جون قرنق دي مبيور. لم يكن قرنق مجرد قائد عسكري يقود تمرداً ضد سلطةٍ مركزية، بل كان مشروع فكرٍ متكاملٍ يمشي على قدمين. رأى في الثورة طريقاً لبناء وعيٍ جديد، لا لمراكمة السلاح أو توسيع ساحات الحرب. كان يؤمن بأن الثورة الحقيقية تبدأ من داخل الإنسان، من كرامته ووعيه وإيمانه بأن العدالة ليست هبة من أحد، بل حق يولد معه. لقد جاءت الحركة الشعبية لتحرير السودان في لحظةٍ تاريخيةٍ كانت البلاد فيها تبحث عن معنى الوطن. فمنذ الاستقلال، ظلت النخب الحاكمة تدور في فلك الامتيازات القديمة، عاجزة عن تأسيس دولةٍ تسع الجميع. أدرك قرنق مبكراً أن المشكلة ليست في الجنوب أو الشمال، ولا في اللغة أو الدين، بل في البنية العميقة التي صاغت الدولة السودانية على أساس التهميش والهيمنة. من هنا انطلقت رؤيته نحو “السودان الجديد”؛ فكرة لا تعادي أحداً لكنها تهز الأسس التي قامت عليها دولة الظلم التاريخي. كان “السودان الجديد” عند قرنق أكثر من شعارٍ سياسي، كان تصوراً أخلاقياً لبناء وطنٍ على مبدأ المساواة بين الناس. كان يؤمن أن كل من يعيش على هذه الأرض يجب أن يكون مواطناً كامل الحقوق، بغضّ النظر عن العرق أو الدين أو الإقليم. ولم يكن هذا الخطاب مألوفاً في زمنٍ كانت فيه البلاد منقسمةً على ذاتها، لذلك بدا قرنق لكثيرين رجلاً يسبح ضد التيار، يحلم بوحدةٍ على أسس جديدة، بينما الجميع من حوله غارق في منطق الغنيمة والتقسيم. منذ تأسيس الحركة الشعبية في عام 1983، حاول قرنق أن يجعل منها أكثر من مجرد تنظيمٍ عسكري. أرادها مدرسة فكرية وتنظيمية تصنع الإنسان الجديد قبل أن تبني الدولة الجديدة. كان يردد أن البندقية بلا فكرة تتحول إلى لعنة، وأن التنظيم بلا مبادئ يتحول إلى عصابة سلطة. لذلك ظلّ يزرع في رجاله قناعةً بأن الحرب وسيلة لا غاية، وأن الهدف الأسمى هو بناء وعيٍ جديد بالوطن والمواطنة. وعلى الرغم من قسوة الحرب وطولها، لم يفقد قرنق اتزانه الإنساني. كان يخاطب الشماليين والجنوبيين معاً، مؤمناً بأن الصراع ليس بين شعوب، بل بين منظومات ظلمٍ وتهميشٍ يجب أن تزول. كان يرى أن الوحدة لا تُفرض بالقوة بل تُبنى بالتوافق، وأنه يمكن أن يلتقي أبناء الوطن الواحد على أرضية العدالة والاحترام المتبادل. لقد كان يحلم بوطنٍ لا يُسأل فيه الإنسان من أين أتى، بل إلى أين يريد أن يمضي. غير أن الطريق إلى “السودان الجديد” لم يكن سهلاً، فقد كانت الحركة نفسها تحمل في داخلها تناقضاتٍ بين الحلم والمصلحة، بين الرؤية الواسعة والواقع الضيق. كثيرون من داخلها لم يستوعبوا العمق الفكري لمشروع قرنق، فاختزلوا الحركة في بعدها الجنوبي، بينما كان هو ينظر إلى الوطن كله كوحدةٍ واحدة يجب إعادة بنائها من الأساس. ولأن الأحلام الكبرى تصطدم دوماً بجدران الواقع، ظلّ قرنق يقاوم الانقسامات والتجاذبات، يحاول أن يحفظ للحركة وجهها الثوري وروحها الفكرية حتى آخر لحظة من حياته. ثم جاءت اتفاقية نيفاشا عام 2005، التي اعتبرها البعض نهاية الحرب، بينما رآها قرنق بدايةً جديدة لإعادة تعريف الدولة السودانية. كان يرى في السلام فرصة لتجسيد ما ظلّ ينادي به منذ أكثر من عقدين، لكنه لم يُمهل كثيراً. رحل فجأة، تاركاً وراءه مشروعاً أكبر من حياته، ورؤيةً لم تجد من يحملها بنفس الإيمان والصدق. برحيله، لم تفقد الحركة الشعبية قائدها العسكري فحسب، بل فقدت عقلها المفكر وبوصلتها التي كانت ترشدها في العواصف. لقد كان قرنق بالنسبة للحركة روحها الجامعة، يجمع بين الفكرة والتنظيم، بين الثورة والدولة، بين الحلم والواقعية. ومع غيابه، بدأ الفراغ يتسع شيئاً فشيئاً، وبدأت ملامح الانحراف عن الرؤية تظهر تدريجياً. حلت الولاءات محل المبادئ، والمصالح محل المشروع، وبدأت الحركة تتجه نحو عالمٍ جديد لا يشبه ذلك الذي حلم به المؤسس. إن رحيل قرنق لم يكن حدثاً عابراً في تاريخ الحركة الشعبية، بل كان بداية مرحلة جديدة عنوانها التيه والبحث عن الذات. فالرجل الذي استطاع أن يربط بين السلاح والفكرة، بين الثورة والعدالة، ترك فراغاً لم يُملأ حتى اليوم. ومن ذلك الفراغ بدأت رحلة التحوّل، حيث تراجعت الرؤية، وارتفعت أصوات الشلليات، وبدأت الحركة تفقد بوصلة الحلم الذي وُلدت من أجله. في الحلقات القادمة، سنقف عند تلك اللحظة الحرجة التي أعقبت رحيله، لنتتبع كيف تحولت الصدمة إلى بداية الانقسام، وكيف بدأت الحركة الشعبية، التي وُلدت من رحم الحلم، تسير في طريقٍ آخر نحو سلطةٍ بلا رؤية، ومناصب بلا مشروع.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …