د. جون قرنق والرؤية التي أنارت الطريق (3-6)

lualdengchol72@gmail.com
من الثورة إلى الدولة.. حين ابتلعت السلطة الفكرة

بقلم: لوال كوال لوال

حين تحوّلت الحركة الشعبية لتحرير السودان من تنظيمٍ ثوريٍّ مقاتل إلى سلطةٍ حاكمة، تغيّر كل شيء تقريباً. فالثورة، بطبيعتها، تعيش على الأمل، أما الدولة فتُدار بالمصالح والتوازنات. وبين الحلم والواقع، ضاعت الفكرة التي كانت تحرك الملايين ذات يوم نحو حلم “السودان الجديد”. لقد كان انتقال الحركة إلى الحكم بمثابة صدمة مزدوجة: صدمة للكوادر التي نشأت على روح الميدان والتضحية، وصدمة للمجتمع الذي كان يتوقع أن يرى نموذجاً مختلفاً لدولة الحرية والمساواة والعدالة التي بشّر بها قرنق. لكن ما حدث فعلياً هو أن الحركة، بمجرد أن أمسكت بمفاتيح الدولة، بدأت تتكيّف مع أدوات النظام الذي كانت تحاربه بالأمس. في المكاتب الجديدة، وفي مقاعد الوزارات، تغيّر الخطاب وتبدلت المواقف. لم يعد الحديث عن “السودان الجديد” يحتل صدر المجالس، بل حلّ محله حديث آخر عن “المناصب” و”الاستحقاقات” و”الولاءات”. أصبح ميزان القوة داخل الدولة الجديدة يُقاس بمدى القرب من مركز القرار، لا بمدى الالتزام بالمشروع الفكري. كان ذلك هو التحول الأخطر: حين بدأت الفكرة تُختزل في الأشخاص، وحين صارت القيادة الجديدة تنظر إلى الحكم كغنيمةٍ سياسيةٍ ينبغي الحفاظ عليها بأي ثمن، حتى لو كان ذلك الثمن هو تفريغ الثورة من معناها. تحولت الشعارات التي وُلدت في الغابات والجبال إلى كلماتٍ تُكتب على اللافتات، بينما الواقع يزداد ابتعاداً عن المبادئ الأولى. بدأت تظهر داخل أجهزة الدولة ملامح طبقة جديدة — طبقة برجوازية مرحلية — نشأت من رحم الثورة نفسها. رجال وسيداتٌ كانوا بالأمس يرتدون البزات العسكرية البسيطة ويعيشون على المعاناة اليومية في الميدان، أصبحوا اليوم يجلسون على مقاعد الوثيرة في المكاتب المكيفة، يتحكمون في العقود، ويقررون مصير الثروات العامة. لم تكن تلك الطبقة برجوازية حقيقية بالمعنى الكلاسيكي، بل فئة تشكلت بسرعة في ظل غياب الرقابة وضعف المؤسسات، ووجدت في موارد الدولة الجديدة وسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي السريع. كان من الطبيعي أن يترك هذا التحول أثره العميق على بنية الحركة نفسها. فبدلاً من أن تبقى الحركة الشعبية إطاراً تنظيمياً نضالياً، تحولت إلى حزب سلطة يعيش على الولاء والمنافع. تراجعت الكفاءة أمام المحسوبية، وانكمشت المساحات الفكرية لصالح الانتماءات الشخصية والقبلية. وبذلك بدأ المشروع الذي أسّسه قرنق على أساس وطني جامع يتقلص ليصبح إطاراً جهوياً ضيقاً يدور في فلك المصالح المتبادلة. في خضم ذلك، ضاعت الرؤية. لم يعد هناك من يسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ بل أصبح السؤال الوحيد الذي يشغل الناس: من سيكون في المنصب القادم؟ هذا الانزلاق التدريجي من الفكرة إلى السلطة، من المبادئ إلى الامتيازات، هو الذي أفقد الحركة الشعبية روحها الأولى. لقد كان قرنق يدرك دائمًا أن أخطر لحظة في مسيرة أي حركة تحررية هي لحظة انتقالها من الثورة إلى الدولة، لأن تلك اللحظة تكشف ما إذا كانت الثورة تملك بالفعل مشروعًا للدولة أم أنها مجرد وسيلة للوصول إليها. وبعد رحيله، أثبتت التجربة أن الحركة الشعبية لم تكن مهيأة لذلك التحول. لم يكن هناك بناء مؤسسي، ولا ثقافة ديمقراطية داخلية، ولا آليات واضحة لتداول السلطة. كانت كل الأمور تُدار عبر شبكة من الولاءات الشخصية والشلليات الصغيرة التي تستمد قوتها من قربها من رأس النظام. تلك الشلليات هي التي ستتحول لاحقًا إلى ما يمكن وصفه بـ”البرجوازية المرحلية” — فئة انتهازية لا تنتج ولا تبني، بل تعيش على امتصاص موارد الدولة وتعيد توزيعها وفقاً للمصالح. بهذه الطريقة، ابتلعت السلطة الفكرة، كما يبتلع البحر مراكب الصيادين الصغار. وبينما كان المواطن البسيط ينتظر أن يرى ثمرة نضاله الطويل، كانت القيادة الجديدة تنشغل بصراعاتها الداخلية حول النفوذ والثروة. بدأت الأموال تتدفق من عائدات النفط، ومعها بدأت تتكشّف ملامح الفساد الإداري والمالي الذي سيقوّض لاحقًا ثقة الجماهير في الحركة. لم يعد الناس يرون في الحركة الشعبية مشروعًا للتحرر، بل نخبة جديدة استبدلت نخب الخرطوم القديمة دون أن تغيّر شيئًا في بنية الظلم. من هنا بدأت صورة الحركة في التدهور، لا بسبب المؤامرات الخارجية كما يروّج البعض، بل بسبب التحوّل الداخلي الذي جعلها تفقد جوهرها الأخلاقي والسياسي. لقد نُسيت دماء الشهداء، وأُهملت المبادئ التي وُلدت لأجلها الثورة، وأصبح الحفاظ على الكرسي هو الهدف الأسمى. وهكذا، تحولت الحركة الشعبية من مشروعٍ للتحرير إلى نموذجٍ آخر من السلطة المغلقة، يعيد إنتاج نفس الأخطاء التي كانت سببًا في ميلادها يومًا ما. في تلك اللحظة المفصلية، كان من الممكن تصحيح المسار، لو وُجدت قيادة تمتلك الشجاعة الأخلاقية لتقييم الذات ومراجعة الانحراف. لكن بدلاً من ذلك، تمّ تكميم الأصوات الناقدة، وتمّت ملاحقة كل من حاول التذكير بروح قرنق وفكرته. أصبح الحديث عن “السودان الجديد” تهمةً توحي بالتمرد أو بالحنين إلى الماضي، بينما كان الماضي هو الشيء الوحيد الذي ما زال يمنح الحركة بعض المعنى. إن الثورة حين تتحول إلى سلطة، تحتاج إلى مؤسسات تحفظ روحها، وإلى فكرٍ يقاوم إغراءات الامتيازات. لكن ما حدث في تجربة الحركة الشعبية هو العكس تماماً: السلطة التهمت الفكرة، وأخمدت الحلم، وأعادت إنتاج الواقع الذي خرجت لتغيّره. في الحلقة القادمة، سنواصل الغوص في هذا المسار المعقد، لنتناول كيف تكوّنت طبقة البرجوازية المرحلية داخل مؤسسات الدولة الجديدة، وكيف تحولت من فئةٍ صغيرة إلى شبكةٍ نافذة تسيطر على القرار السياسي والاقتصادي، لتصنع واقعاً موازياً للحلم الذي مات مع قرنق.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …