lualdengchol72@gmail.com
البرجوازية المرحلية.. أبناء الثورة الذين التهموا الدولة
بقلم: لوال كوال لوال
حين تتحول الثورة إلى سلطة، فإن أول ما يتغير ليس الخطاب السياسي، بل النفوس. فالذين حملوا البندقية بالأمس من أجل العدالة والمساواة، يصبحون اليوم في مواجهة اختبارٍ جديدٍ لا يقل خطورة: اختبار المال والنفوذ. وهكذا، من بين صفوف الثوار الذين حلموا بعالمٍ جديد، خرجت فئة جديدة يمكن وصفها بـ”البرجوازية المرحلية” — طبقة تشكّلت بسرعة مذهلة، دون أن تمتلك تاريخًا اقتصاديًا أو إنتاجيًا حقيقيًا، بل عبر الامتصاص السريع لموارد الدولة الوليدة. كانت هذه الطبقة أشبه بـ”نبتٍ سياسيٍّ طفيلي” نبت على أرض الثورة، لكنها سرعان ما التفّت على جذورها. نشأت في غياب المؤسسات الرقابية، في بيئةٍ تفتقر إلى الشفافية، وفي لحظةٍ كان فيها الولاء أهم من الكفاءة. كان المنصب وسيلة للثراء، والعلاقات السياسية طريقاً مختصراً للوجاهة الاجتماعية. فمن خلال شبكة الولاءات والمحسوبية، تمكنت هذه النخبة الجديدة من بناء إمبراطورياتها الصغيرة داخل الدولة، حتى أصبحت تتحكم في مصادر القرار والموارد معاً. لقد شكّل هذا التحول انقلاباً هادئاً داخل بنية الحركة الشعبية نفسها. فبعد أن كانت تتحدث باسم الفقراء والمهمشين، أصبحت تمثل مصالح فئة ضيقة لا ترى في الدولة سوى وسيلة لتكريس امتيازاتها. والمفارقة أن أغلب أفراد هذه الفئة لم يكونوا برجوازيين بالمعنى الاقتصادي التقليدي؛ لم يورّثوا الثروة أو الصناعة أو التجارة، بل جمعوا ثرواتهم من الريع السياسي — من الامتيازات التي تمنحها المناصب والعقود الحكومية ومشروعات النفط والمساعدات الخارجية. هذه الفئة، التي كان من المفترض أن تكون خادمةً للدولة، تحولت إلى مالكةٍ لها. أصبحت تتحكم في كل شيء: من توزيع الوظائف إلى توجيه الاستثمارات، ومن الصفقات الاقتصادية إلى التحالفات السياسية. ومع الوقت، لم تعد تتحدث باسم الثورة، بل باسم “الاستقرار”، ذلك المصطلح الذي يُستخدم عادة لتبرير بقاء السلطة على حالها، حتى وإن فقدت مشروعها الأخلاقي. بدأت هذه البرجوازية المرحلية تتشكل بوضوح منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، عندما تدفقت الأموال من عائدات النفط. كانت الدولة الجديدة أمام فرصةٍ تاريخية لبناء البنية التحتية، لتطوير التعليم والصحة، ولتأسيس اقتصادٍ منتجٍ ومستدام. لكن بدلاً من ذلك، اتجهت الموارد نحو الاستهلاك السياسي والثراء الشخصي. بدأت مظاهر الرفاه المفاجئ تظهر على وجوه كثيرٍ ممن كانوا بالأمس يعيشون حياة بسيطة في الغابات والمخيمات. السيارات الفارهة، والمنازل الفخمة، والسفر المتكرر، والمواكب الرسمية التي تحيط بكل مسؤولٍ كما لو كان ملكاً صغيراً. لم يكن الشعب غافلاً عن هذا التحول. لقد شاهد الناس كيف تحولت السلطة إلى بابٍ مغلقٍ أمام عامة المواطنين، وكيف أصبحت الثروة تُوزع بميزان القرب من مركز القرار. ومع الوقت، تآكلت الثقة بين الشعب والحركة الشعبية، وتراجعت صورة “المنقذ الثوري” لتحل محلها صورة “الطبقة الجديدة” التي تتحدث كثيراً عن الثورة، لكنها تعيش على نقيضها. لقد أنتجت البرجوازية المرحلية نظاماً اقتصادياً موازياً، يقوم على التعاقدات المشبوهة، والعمولات، واحتكار المشروعات الكبرى من قبل أفرادٍ معدودين. أصبحت المصلحة الخاصة هي القاعدة، بينما تحولت المصلحة العامة إلى شعارٍ للاستهلاك السياسي فقط. بل إن بعض رموز هذه الطبقة صاروا يموّلون الفصائل والانقسامات داخل الحركة ذاتها، للحفاظ على مواقعهم ومصالحهم، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان ظاهرة “رأسمالية المحاسيب” التي دمرت كثيراً من الثورات في إفريقيا والعالم الثالث. هذه التحولات لم تكن مجرد انحرافٍ أخلاقي؛ بل كانت تغييراً جوهرياً في هوية الحركة نفسها. فالحركة التي نشأت باسم “التحرير” أصبحت أداة “احتكار”، والتنظيم الذي كان يُفترض أن يعبّر عن قضايا المهمشين أصبح حارساً لمصالح فئة ضيقة. ومع سيطرة البرجوازية المرحلية على مفاصل الدولة، لم يعد هناك مجال للحديث عن إصلاح أو تجديد، لأن الإصلاح الحقيقي كان يعني تهديداً مباشرًا لتلك الفئة التي صنعت ثروتها من غياب النظام. كان مثقفو الحركة ومفكروها القدامى يدركون هذا التحول جيداً، لكن أصواتهم كانت تُخنق تدريجياً تحت ذريعة “وحدة الصف”. فكل من انتقد الفساد أو دعا إلى مراجعة المسار، وُصف بأنه “عميل” أو “مغرض”. وبذلك، نجحت البرجوازية المرحلية في احتكار الحقيقة كما احتكرت المال، لتصنع حول نفسها جداراً من الصمت والولاء. لكن التاريخ لا يرحم، ولا يمكن خداع الذاكرة الشعبية طويلاً. فالناس الذين خرجوا يوماً من أجل الحرية لا يمكن أن يقبلوا أن يتحول حلمهم إلى تركة خاصة. وهكذا، بدأ الغضب يتصاعد ببطء، من همسات في المجالس إلى نقاشات علنية، ومن انتقادات داخلية إلى انشقاقات سياسية. لقد بدأت الحركة الشعبية تدفع ثمن الانحراف عن مسارها الأول، لأن الفكرة حين تُغدر، تُغضب كل من آمن بها يوماً. تلك البرجوازية المرحلية لم تُدمّر فقط مشروع “السودان الجديد”، بل كرّست لثقافة جديدة تقوم على الاستحواذ والأنانية السياسية. ثقافةٌ جعلت الولاء أهم من الكفاءة، والمصلحة أهم من المبدأ، والسلطة أهم من الوطن. وبذلك، أصبحت الدولة نفسها أسيرة لهذه الفئة التي لا تملك رؤية، بل فقط رغبة في البقاء والاستحواذ. في الحلقة القادمة، سنتناول النتائج المدمّرة لهذا التحول على بنية الدولة والمجتمع، وكيف تسببت هذه الطبقة في ضرب المؤسسات، وإضعاف العدالة، وتشويه فكرة النضال ذاتها، حتى غدت الثورة الأولى مجرد ذكرى يتغنّى بها الخطاب الرسمي بينما تموت في الواقع.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم